First Published: 2017-06-15

قطر تتحايل بخطاب الحصار

 

حلفاء قطر، من الذين أدمنوا استخدام لغة المظلومية، لم يحققوا نتائج مغرية ولم يلتفت إليهم كثيرون.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

الإجراءات التي اتخذتها مصر والسعودية والإمارات والبحرين مؤخرا، تندرج تحت بند المقاطعة السياسية والاقتصادية، اعتراضا على تصورات وتصرفات أضرت بمصالح هذه الدول، ولم تظهر أي رغبة لفرض حصار على قطر وتجويع شعبها أو مواطني الدول التي تعيش على أرضها.

الخطاب السياسي والإعلامي القطري يتعمد الحديث عن حصار إنساني، ويتجاهل المقاطعة وأسبابها ودوافعها وضروراتها، أملا في الإيحاء أن هناك ظلما يقع على الدوحة ونظامها الحاكم، بل هناك "مؤامرة" تحاك عقابا على مواقفها "القومية".

الخلط المتعمد، هدفه الابتعاد عن جوهر القضية والانحراف بها إلى دروب ودهاليز تتوه معها التفاصيل الرئيسية، في محاولة لتفقد الوقفة العربية الحاسمة حيويتها، وعدم القدرة في الحصول على نتائج تؤدي إلى ردع قطر ووقف ممارساتها السلبية التي أدت إلى المأزق الراهن.

اللافت أن خطاب الحصار، وضع قطر من حيث لا تدري في المربع ذاته مع جماعة الإخوان والتنظيمات المتشددة والمسلحة، والتي يعد دعم الدوحة لقياداتها ومساعدتهم على العنف والإرهاب سببا للأزمة التي تعيشها الآن، بالتالي فإنكار العلاقة الودية بين الجانبين ليس بحاجة إلى أدلة، والإمعان في مفردات الرؤية القطرية يضع الدوحة مباشرة مع هؤلاء، الذين درجوا على الترويج بأنهم منبوذون ومحاصرون ومظلومون وثمة اتجاه عام يريد إخراجهم من أي معادلة سياسية.

فلسفة هذا الخطاب تقوم على استدرار العطف من فئات واسعة، عربية وغير عربية، وإقناعهم أن هناك دولة أو جهة تتعرض للاضطهاد والظلم، فينتفض الناس مؤيدين لها ويهبوا مدافعين عنها في مواجهة "الطوفان" الذي يستهدفها، عقابا على مواقفها وأدوارها التي تردد أنها عادلة.

الغريب أن حلفاء قطر، من الذين أدمنوا استخدام هذه اللغة، لم يحققوا نتائج مغرية ولم يلتفت إليهم كثيرون، وظلوا مصرين على هذا الخطاب، لأنهم لا يملكون أدوات أخرى، الأمر الذي تفعله الدوحة الآن، فهي تواجه العاصفة السياسية التي اندلعت من رحم عوامل موضوعية بطريقة بدائية، وكأنها لم تتعلم من دروس الماضي، ولم تستفد من الأخطاء التي وقعت فيها جهات كانت سببا في المأزق الذي تعيشه.

العزف على وتر الحصار لم يقنع أحدا بالخطاب القطري، وبعد مُضي نحو عشرة أيام على الأزمة وتداعياتها لم تتحرك جهة عالمية بجدية وتمد يدها لمساعدة قطر، وربما العكس تتوالى ردود الفعل بصورة صادمة، والجولات المكوكية التي يقوم بها وزير خارجية قطر وجاب فيها عددا من العواصم لشرح رؤية بلاده الرمادية، لم تسفر عن نتيجة إيجابية.

قطر لم تدمن المظلومية فقط، بل أضافت إليها قدرا من التعالي والغطرسة، فهي لم تعترف أن هناك أزمة حقيقية وتتعامل معها باعتبارها عابرة، وبدلا من أن تتبنى خطة للمراجعة وتصحيح الأخطاء وتخفيف الأضرار، راحت تلجأ إلى الاستعانة بإيران التي تعتبر من أهم المنغصات في المنطقة، وتتمسك بدعم العناصر التي كانت سببا في أزمتها وتنكر أنها طلبت رحيلهم من أرضها.

الأدهى أن هذا التصرف مبني على نصيحة خاطئة تقول إن تقديم تنازلات يستوجب المزيد منها، لذلك تتشبث بموقفها الرافض للاعتراف بالخطأ، والذي يراهن على تفكك التحالف العربي الذي يقف بصرامة في مواجهة قطر، دون أن تدرك أن دوافعه إستراتيجية ويحظى بدعم قوى كبرى، عبرت عن مخاوفها، صراحة وخفية، وتضررت من مخاطر الدور الذي تقوم به الدوحة ويهدد الأمن الإقليمي، واستمراره يمثل تهديدا مباشرا للخطط الرامية لمكافحة الإرهاب في المنطقة.

الثغرات التي تحاول قطر النفاذ منها هزيلة، فهي تحاول بشتى الطرق شق التحالف العربي والتعامل مع الأزمة بأسلوب المكايدات وتخص البيت الخليجي وتتعمد تجاهل مصر، في محاولة لتصويرها "مجرد تابع"، مع أن الدوحة تدرك أن الموقف الحاسم الذي أيدته السعودية والإمارات والبحرين وغيرهم، هو رؤية مصرية بامتياز وعبر عنها صراحة الرئيس عبدالفتاح السيسي في قمة الرياض الأميركية العربية الإسلامية الشهر الماضي، وجرت الإشارة إليه في تصريحات كثيرة.

الغضب الظاهر في المعالجة القطرية، يكشف لأي درجة أصبحت الدولة - الإمارة ملتصقة بتنظيم الإخوان، ودفاعها عن الجماعة مسألة حياة أو موت، لأنها تتعلق بثوابت أيديولوجية وليست سياسية، وتعي أن الفكاك منها أو الانصراف عنها عملية غاية في الصعوبة، يمكن أن تقود إلى انهيار الإمارة والتنظيم معا، في ظل الفتور الحاصل في العلاقة حاليا مع كثير من القوى الإقليمية والدولية التي مثلت سابقا غطاء حيويا لكلاهما، وحجبت عنهما حزمة كبيرة من العقوبات.

التماهي والالتصاق بين التنظيم والإمارة، جعل المعادلة التي تدار بها الأزمة صفرية، فالدول الأربع (مصر والسعودية والإمارات والبحرين) مصممة على تحقيق الأهداف التي بلورتها الرياض في عشرة نقاط، وجميعها تدور حول فك الارتباط تماما بين قطر والإرهاب، والدوحة وحلفاؤها من المتشددين والمستفيدين عازمون على المضي في ممارساتهم، بالتالي أصبحت فكرة الوصول إلى حل وسط عملية صعبة.

إذا كانت الحيل التي قامت، ولا تزال، بها قطر لم تحرك ساكنا حتى الآن، ونجحت الدول العربية في تثبيت التهمة عليها بالوثائق والمستندات، فما هو الرهان الذي تعول عليه الدوحة لتغيير المعادلة؟

الواقع أنها لا تملك أدوات فعلية تستطيع بها تعديل الدفة لصالحها، لكن الخيال الذي يسيطر على عقول أصحاب التفكير العقائدي ليس بعيدا عنها، فهناك قطاع كبير في صفوف الإخوان يزعم أن الرئيس المعزول محمد مرسي راجع، ورغم كل الشواهد العملية التي تنفي ذلك، إلا أن الأمل يراود أصحابه، وتحرص القيادة على تغذيته ومد أنابيب الأوكسجين إليه بأدوات وذرائع مختلفة، لأن انقطاعه يمكن يؤدي إلى انصراف الجمهور وموت الجماعة إكلينيكيا.

هكذا تبدو قطر تعيد سيناريو الجماعة من خلال ترديد أن ما يجري حصار لا مقاطعة، وتعزف على وتر المظلومية التاريخية، وتعتقد أن إمساكها بدفة الأمور عملية مستمرة، والتخلي عن كل ذلك معناه خسارة جمهور المتشددين والسقوط في بئر الخيانة، لذلك ارتاحت لأن تسقط بأيدي الخصوم بدلا من الأصدقاء.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
عندما تأكل الأفاعي بعضها
2017-12-07
الخرطوم.. غزل ومكايدات سياسية
2017-11-30
الفرار من الحرب في لبنان
2017-11-23
السعودية الجديدة
2017-11-12
البعد الغائب لحل الأزمة الليبية
2017-11-02
في معنى ترميم الدولة العراقية
2017-10-26
الرسالة الخاطئة للإرهابيين
2017-10-19
أخطر من الدفاع عن مصر
2017-10-12
نمر فلسطين أم نمور إسرائيل؟
2017-10-05
مصير الأكراد وجنوب السودان
2017-09-28
المزيد

 
>>