First Published: 2017-06-22

السعودية تستعيد روح المبادرة

 

انتهت مرحلة تمرير الوقت والايّام السهلة التي كانت أسعار النفط تغطي فيها على كل الشوائب والاخطاء.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

لا يمكن ادراج ما حصل في المملكة العربية السعودية سوى تحت عنوان واحد هو استعادة روح المبادرة. تحتاج المملكة في هذه المرحلة الى رجل، مثل الملك سلمان بن عبدالعزيز، قادر على اتخاذ قرارات كبيرة والى من يترجمها على ارض الواقع. لذلك كان ضروريا ان يصبح الأمير محمد بن سلمان وليّا للعهد كي يكون هناك من هو في وضع تحويل هذه القرارات الكبيرة الى حقيقة ملموسة في منطقة تزداد فيها التعقيدات يوما بعد يوم.

هذا لا يعني ان وليّ العهد السابق الأمير محمّد بن نايف لم يبذل كل ما يستطيع من اجل تحقيق الأهداف التي وضعها الملك سلمان نصب عينيه. على العكس من ذلك، لعب محمّد نايف الدور المطلوب منه في مرحلة معيّنة، خصوصا على الصعيد الامني. نجح في المجال الذي كان من اختصاصه، لكن الظروف تبدّلت سريعا الى درجة باتت فيها حاجة الى تغيير داخلي يحمي السعودية من لعبة الانتظار والتفرّج على الاحداث بدل التأثير فيها. صارت هناك حاجة الى العمل في اطار رؤية واسعة للدور السعودي على الصعيدين الإقليمي والعالمي بالاعتماد على وضع داخلي متين. من هذا المنطلق، كان من اهم القرارات الملكية المتخذة، بعد قرار تعيين محمّد بن سلمان وليّا للعهد طبعا، التجنيد الاجباري لخريجي الجامعات.

منذ اصبح وليّا لوليّ العهد، لم يدع محمد بن سلمان ساعة تمرّ من دون الاستفادة منها وتوظيف الوقت من اجل مواجهة التحديات الكبيرة التي تواجه المملكة على غير صعيد. انتهت مرحلة تمرير الوقت والايّام السهلة التي كانت أسعار النفط تغطي فيها على كل الشوائب والاخطاء التي يمكن ان تحصل.

في الواقع، لم يعد من مجال آخر غير التعاطي مع عالم جديد متغيّر كلّيا في وقت لم تتخل ايران عن مشروعها التوسّعي ولم يعد في الإمكان الوقوف في وجه كلّ المحاولات التي تستهدف امن المملكة على كلّ صعيد. بكلام أوضح، على المملكة تحمّل مسؤولياتها وعدم الاكتفاء بالقاء اللوم على آخرين. هناك مشاكل حقيقية لا مفرّ من التعاطي معها، بما في ذلك وجود سعوديين يؤمنون بالتطرّف ويعملون مع تنظيمات ارهابية. وهذا ما فعله محمّد بن سلمان منذ اليوم الاوّل الذي تولّى فيه مسؤولياته في مطلع العام 2015. واجه الرجل الواقع ولم يهرب منه او يستسلم له.

تخوض المملكة العربية السعودية حاليا معارك عدّة في الوقت ذاته. تفعل ذلك في عالم مختلف ومتقلّب وفي منطقة مختلفة في ظلّ هجمة إيرانية واضحة وفي ظلّ سياسة قطرية تعمل على تقويض نقاط القوّة التي يمتلكها مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

لم يكن من خيار آخر امام المملكة العربية السعودية سوى المواجهة. تفعل ذلك بدءا بترتيب أوضاعها الداخلية والتدخل المباشر في محيطها من اجل حماية امنها. ليست "رؤية 2030" التي خرج بها محمّد بن سلمان بعيدة عن هذا التوجه الذي اخذ المملكة الى إعادة النظر في الوضع الداخلي، بما في ذلك خلق أجواء جديدة تسمح للشباب السعودي بالعيش في ظروف افضل تسمح له بالتعلّق بثقافة الحياة بدل ثقافة الموت. كان لا بدّ من البدء بالداخل، أي بالسعودية والسعوديين. لذلك كان التركيز على الشباب في "رؤية 2030" وعلى تغيير في النظرة الى متطلبات المجتمع السعودي بعيدا عن أي نوع من أنواع التزمت والثقافة التي تشجّع على نشوء الفكر المتطرّف.

فرض هبوط أسعار النفط ضرورة اعتماد سياسة جديدة في الداخل السعودي. ما كان مسموحا به في الماضي صار من المحرّمات. على الصعيد الخارجي، هناك الهجمة الايرانية وهناك حرب اليمن وهناك التصرّفات القطرية التي كان لا بدّ من وضع حدّ لها بطريقة او باخرى. كلّ هذه التحديات، تحديات طويلة الأمد تحتاج صبرا ونفسا طويلا. لم يعد مسموحا بأي تردد من ايّ نوع كان، خصوصا في ظل الهجمة الايرانية المستمرّة على العراق من اجل ابتلاعه كلّيا وتحويله الى قاعدة تستخدم ضد دول الخليج العربي، على رأسها السعودية. فوق ذلك كلّه، لا يمكن الاستخفاف بخطر الإرهاب، أكان سنّيا او شيعيا.

باختصار شديد، كان على المملكة العربية السعودية ان تتغيّر كي تواجه التحديات الضخمة التي قد تتخذ شكل حروب مفتوحة. وهذا ما حصل بالفعل. حصل تغيير في العمق على كلّ المستويات وفي كلّ المجالات. لم يعد ممكنا السكوت على ما تقوم به قطر التي اعتقدت ان اعلامها القوي يسمح لها بان تفعل ما تشاء حيث تشاء، أي ان تجمع بين دعم "حماس" والاخوان المسلمين من جهة وان تمد اليد لإسرائيل من فوق الطاولة... وان تستضيف قاعدة أميركية في العديد من جهة اخرى!

ان يصبح محمّد بن سلمان وليّا للعهد ليس معزولا عن محاولات سعودية عدّة لاستعادة المبادرة داخليا وإقليميا ودوليا، كما حصل في القمم الثلاث التي استضافتها الرياض قبل اقلّ من شهر بحضور الرئيس دونالد ترامب.

ليس تولي محمّد بن سلمان ولاية العهد سوى تكريس للقرار السعودي باستعادة المبادرة في ظل قيادة سياسية متماسكة تعرف تماما ماذا تريد. هذه القيادة السعودية المتماسكة فاجأت ايران في اليمن ودمرت المشروع الذي استهدف تطويق المملكة من كلّ حدب وصوب. هذه السياسة المتماسكة تستهدف القضاء على أيّ محاولة خارجية لاستغلال الوضع الداخلي السعودي واللعب على التناقضات فيه. بات معروفا من هو الملك ومن هو وليّ عهده وماذا سيحصل في حال غياب الملك بعد عمر طويل.

قطع التغيير الذي حصل الطريق على أي تأويلات. ليس هذا التغيير سوى تأكيد لوضع قائم يستند الى رؤية شاملة للإقليم ولما يدور في العالم. ليست السعودية لاعبا هامشيا يخاف من قناة "الجزيرة" وما شابهها او من حملات تشنّها عليها ايران مباشرة او عبر ادواتها. السعودية لاعب أساسي في الشرق الاوسط والخليج وهي تمتلك القدرة على المبادرة من دون عقدة الخوف من هذا الطرف او ذاك.

تخلّت السعودية عن دور المتفرّج على الاحداث. هناك وعي في المملكة لضرورة حصول التغيير الكبير تفاديا للسقوط في الفخ الذي سقط فيه الاتحاد السوفياتي. فالاتحاد السوفياتي انتهى في اليوم الذي شاخت فيه قياداته منذ حكم ليونيد بريجنيف طويلا وهو في وضع صحي وعقلي لا يؤهّله لذلك ومنذ خلفه طاعنان في السنّ هما قسطنطين تشيرننكو ويوري اندروبوف. عندما جاء ميخائيل غورباتشوف الى السلطة كان أوان التغيير فات. فكان ما كان ودفع الاتحاد السوفياتي ثمنا كبيرا بسبب العجز عن احداث التغيير المطلوب في الوقت المناسب.

هناك ادراك سعودي لضرورة التغيير واهمّية ذلك. كلّ ما في الامر ان المملكة تغيّرت في الوقت المناسب. بات دورها في ظل تولي محمّد بن سلمان ولاية العهد في حجم الثقل الذي تمثلّه حقيقة كلاعب أساسي في المنطقة وفي المجال الدولي أيضا... لاعب قادر على استعادة روح المبادرة.

 

خيرالله خيرالله

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

أعجبتني أعجبتني والله أعجبتني ، نعم وألف نعم تستحق السعودية قائدا شجاعا ومبادرا إلى حسم الأمور ، ، ، الطبطبة السياسية من خلال المال ضحك على العيال ، محمد بن سلمان كالشمس تكشف الأشياء حتى لو لم تعجب احد. الخطر والحزم والحسم واحد.

2017-06-22

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
مرحلة الصواريخ الباليستية والميليشيات
2017-11-22
ابعد من استقالة... انّه مصير لبنان
2017-11-20
لبنان لن يغيّر جلده
2017-11-19
المصالحة الفلسطينية والامتحان القريب
2017-11-17
سعد الحريري... صدمتان وليس صدمة واحدة
2017-11-15
استقالة سعد الحريري لم تكن عشوائية
2017-11-13
قمر مغربي ينطلق من قاعدة ثابتة
2017-11-12
المأزق الكردي... مأزق عراقي ايضا
2017-11-10
ثورة في السعودية
2017-11-08
عندما يرفض لبنان تغطية سياسات ايران
2017-11-06
المزيد

 
>>