First Published: 2017-06-23

أطروحات برنارد ماندفيل الفكرية تتسع لتشمل الأخلاق والمجتمع والاقتصاد

 

المقالات الثلاثة التي ضمها الكتاب تلقي الضوء على صورة للمجتمع الإنجليزي في فترة الحداثة المبكرة والتنوير والثورة العلمية في التاريخ الأوروبي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

الأعمدة الأساسية ألقت بظلالها الكثيفة على العالم بأسره

يضم هذا الكتاب "ثلاث دراسات حول الأخلاق والفضيلة" لبرنارد ماندفيل ترجمة لثلاثة من المقالات الأساسية لبرنارد ماندفيل جمعتها طبعات مختلفة من كتابه خرافة النحل وهي: "بحث في أصل الفضيلة الأخلاقية" و"بحث في طبيعة المجتمع" و"مقال عن الخيرية والمدارس الخيرية".

وتمثل المقالات الثلاثة ـ التي ترجمها الشاعر عبدالرحمن يوسف ونال بها جائزة الدولة التشجيعية في ترجمة الأعمال الفكرية للعام 2017 ـ الأعمدة الأساسية لأطروحات ماندفيل الفكرية التي تتسع لتشمل الأخلاق والمجتمع والاقتصاد ولا تهمل التاريخ والدين والعلم.

تلقي المقالات الثلاثة التي ضمها الكتاب الصادر عن دار "صفصافة" وفقا لمقدمة المترجم الضوء على صورة للمجتمع الإنجليزي في أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر، فترة الحداثة المبكرة والتنوير والثورة العلمية في التاريخ الأوروبي والتي ألقت بظلالها الكثيفة على العالم بأسره من وقتها وحتى الآن.

عصر تنقلت فيه القوة والثروة بين هولندا وأسبانيا والبرتغال لتؤول إلى انجلترا وفرنسا، فكان طبيعيا أن ينتقل برنارد ماندفيل إلى انجلترا وأن يكتب بلغتها وكأنه كان يبشر بهيمنة تلك اللغة القادمة. عصر تخللته حروب وصراعات كبيرة بين الدول الأوروبية نفسها، وبينها وبين الامبراطورية العثمانية فيما سُمي بالحرب التركية العظمى والتي انتهت بهزيمة العثمانيين وبداية غروب امبراطوريتهم وتحولها إلى رجل أوروبا المريض، هذا الصراع الذي نجد انعكاسه في كتابات ماندفيل وتعريضه الدائم بالعثمانيين المسلمين ووصمه إياهم بالمتوحشين والبرابرة كجزء من تجليات الصراع وكمنحى عنصري تمييزي نجده لديه ليس فقط تجاه المسلمين لكن تجاه المرأة أيضا.

ويرى المترجم أن ماندفيل بلغته الإنجليزية الرصينة ذات الجمل الطويلة – التي تمتد في كثير من الأحيان لتغدو فقرة كاملة – يقدم أفكاره مرصعة بالأمثلة والقصص والحوارات المُتَخيَّلة والإشارات التاريخية، ومليئة بالسخرية وأحيانا بالتعريض والهجاء لمعارضيه المتوقعين ومن يخالفهم الرأي من الكُتَّاب المعاصرين أو السابقين خاصة اللورد شافتسبري. ولا تخلو كتابته من اعتداد بالذات يصل إلى درجة الثناء على نفسه بنفسه.

ويلفت المترجم أنه قد لا يعرف الكثيرون ماندفيل، وربما تكون هذه هي أول ترجمة له إلى العربية. وآمل أن تكون نافذة للتعرف على جانب خفي وتأسيسي من الفكر العالمي الحديث الذي ترك أثره بلا شك على حياتنا وأفكارنا في هذا الجانب من العالم.

ويقول "برنارد ماندفيل أو برنارد دي ماندفيل هو فيلسوف وعالم اقتصاد سياسي وكاتب ساخر هولندي. وُلد في روتردام "وفي رواية أخرى دوردريخت" في الخامس عشر من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1670، وعاش أغلب حياته في انجلترا وكتب ونشر معظم أعماله بالإنجليزية. ورغم أن اسم "ماندفيل" يوحي بأصول فرنسية إلا أن أسلافه عاشوا في هولندا منذ القرن السادس عشر على الأقل.

كان والده طبيبا بارزا في روتردام بهولندا. وسار برنارد على درب أبيه فحصل على درجته العلمية في الطب عام 1691 بعد أن قدم خلال دراسته عددا من الأطروحات المثيرة للجدل حملت إحداها عنوان "الأفعال اللاعقلانية" والتي دافع فيها عن النظرية الديكارتية للسلوك التلقائي بين الحيوانات. ثم انتقل إلى انجلترا لتعلم اللغة؛ وهو ما نجح فيه بشكل فائق حتى أن الكثيرين من الإنجليز لم يصدقوا أبدا أنه أجنبي. وفي عام 1693 تم نفي والده من روتردام بعد أن ثبت اشتراكه في أحداث تمرد اندلعت في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول عام 1690 ربما يكون برنارد نفسه قد شارك فيها.

ويضيف المترجم "رغم أن ماندفيل كان طبيبا محترما إلا أنه لم يكسب الكثير من عمله كطبيب، وعاش حياة متقشفة على معاش منحه إياه بعض التجار الهولنديون وما كان يحصل عليه من مُقطِّري الخمور نظير دفاعه عن فائدة المشروبات الروحية. وقد أكسبته قدراته الجدالية صداقة توماس باركر "لورد ماكليسفيلد ورئيس المحكمة العليا في الفترة من 1710 إلى 1718" والذي عرَّفه بدوره على الكاتب والسياسي جوزيف آديسون الذي أسس مع ريتشارد ستيل مجلة "ذي سبيكتاتور".

وحول أشهر أعماله يلفت إلى أن كتاب ماندفيل "خرافة النحل" الذي كانت بدايته قصيدة شعرية حلمنتيشية من مائتي مقطع بعنوان "الخلية المتذمرة أو الأشرار ينقلبون شرفاء" نشرها عام 1705 في كراسة من عشر صفحات بيعت بستة بنسات، وتُصوِّر جماعة من النحل تزدهر أمورها وتتطور حتى تغدو كلها فجأة شريفة وفاضلة، لكن مع انعدام رغبة أفرادها في المكسب الشخصي ينهار اقتصاد الخلية ويلجأ الباقي من النحل إلى جذع شجرة مجوفة ليعيشوا حياة بسيطة، في إشارة ضمنية إلى أنه بدون الرذائل الخاصة لن توجد منافع عامة. ثم أعاد نشرها عام 1714 كجزء تكميلي لكتابه "خرافة النحل أو الرذائل الخاصة والمنافع العامة" الذي اشتمل على تعليق نثري بعنوان "الملاحظات" ومقال "بحث في أصل الفضيلة الأخلاقية".

وفي طبعة لاحقة ظهرت عام 1727 تضمن الكتاب "مقال عن الخيرية والمدارس الخيرية" و"بحث في طبيعة المجتمع". آثار الكتاب اعتراضات قوية حتى أنه خضع لدعوى قضائية عام 1729 بتهمة النزعة غير الأخلاقية. واعتبرته هيئة المحلفين الكبرى في "ميدلسكس" كتابا مزعجا، وهاجمه العديد من الكُتَّاب في الصحف ثم في فصول من كتبهم. ومع ذلك ظل الكتاب يُطبَع وظهرت الطبعة التاسعة منه عام 1755 وطُبع بعدها كثيرا. وقد وصفه المؤرخ الأميركي ويل ديورانت في مجلد عصر فولتير بموسوعة قصة الحضارة بأنه أقذع ما كُتب من تحليلات للطبيعة البشرية.

ويضيف "أثارت فلسفة ماندفيل الكثير من الاستياء في زمنه، وكثيرا ما وُصمت بأنها زائفة ومتشائمة ومخزية. وكانت فرضيته الأساسية هي أن أفعال البشر لا يمكن تقسيمها إلى أسمى وأدنى، وأن حياة الإنسان الأسمى هي مجرد خيال خلقه الفلاسفة والحُكَّام لتبسيط مفهوم الحكومة والعلاقات في المجتمع. وأن الفضيلة (التي يُعرِّفها ماندفيل بأنها كل أداء يسعى به الإنسان – بالمخالفة لبواعث الطبيعة – إلى فائدة الآخرين، أو إلى إخضاع عواطفه الشخصية من منطلق طموح عقلاني لأن يكون صالحا) هي في الحقيقة معيقة لتقدم الدولة التجاري والفكري؛ لأن الرذائل – مثل أفعال البشر التي تراعي صالحهم الشخصي فقط – هي التي تدفع المجتمع نحو التقدم عبر الابتكار وتدوير رأس المال في البحث عن الرفاهية والحياة الفخمة.

وهكذا تكون الرذائل الشخصية سببا يؤدي إلى المنافع العامة. وتبدو وجهة نظره أكثر حدة عند مقارنتها بآراء آدم سميث (1723 – 1790). فكلاهما يؤمن بأن أفعال الأفراد الجماعية تجلب المنفعة العامة، لكن ما يفصل بين فلسفة الاثنين هو العامل المحفز لتلك المنفعة. فبينما كان سميث يعتقد أن وراء هذا التعاون غير المرئي اهتمام شخصي ذو طبيعة خيِّرة، رأى ماندفيل أن ما يدفع نحو ذاك التعاون هو الطمع الشرير وذلك إذا تم توجيهه بشكل سليم.

هذا الاشتراط الخاص بالتوجيه السليم هو فرق آخر بين طرح ماندفيل وموقف سميث المنادي بحرية السوق والمتمثل في مقولته "دعه يعمل دعه يمر". فماندفيل بشكل أساسي يدعو السياسيين لضمان أن تؤدي العواطف والميول البشرية إلى المنفعة العامة. كان اعتقاده الذي ذكره في خرافة النحل هو أنه "من الممكن عبر الإدارة الحاذقة لسياسي ماهر أن تتحول الرذائل الشخصية إلى منافع عامة". كما كان ماندفيل من أوائل من تكلموا عن تقسيم العمل، وقد استفاد سميث من بعض أمثلته في معرض حديثه هو أيضا عن تقسيم العمل".

ويؤكد المترجم أن آراء ماندفيل صادمة للرأي العام، ولم تفلح كتاباته الأخيرة "أفكار حرة حول الدين 1720" و"بحث في أصل الشرف وفائدة المسيحية 1732" في أن تقلل من حدة هجوم منتقديه. وفي الوقت الذي تبدو فيه مفارقات ماندفيل الساخرة شيقة بشكل أساسي لانتقادها المثالية "اللطيفة" للورد شافتسبري، فإنها تبدو كذلك أكثر حيوية عند مقارنتها بالأنساق الفكرية الجادة والنرجسية لمفكرين مثل توماس هوبز (1588 – 1679).

لا يمكن إنكار أن ماندفيل كانت له بصيرة فلسفية كبيرة، لكنه في الوقت نفسه كان انتقاديا وهداما إلى حد كبير، وكما قال هو نفسه إنه كان يكتب "من أجل إمتاع أهل المعرفة والتعليم". ويمكن القول عنه باختصار إنه أزاح العقبات من أمام مذهب النفعية القادم من بعده. وقد توفي ماندفيل في 21 يناير/كانون الثاني 1733 عن 62 عاما بعد إصابته بالأنفلونزا.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
القاهرة منتصف القرن التاسع عشر في عيون إدوارد وليم لين
2017-09-22
النجيحي وحمدان: الوساطة أضحت قبلة منشودة في أميركا وأوروبا
2017-09-21
غيث البطيخي يتساءل: كيف يدّعون الإيمان ويَقتلون؟
2017-09-20
محمد الطوالبة يؤكد أن أركون وقع أسـير الاستخدام الأيديولوجي
2017-09-19
تعزيز صناعة الكتاب في الإمارات على طاولة الوطني للإعلام وجمعية الناشرين
2017-09-18
'في غرفة العنكبوت' محاولة لكتابة قصة حب بين ذكرين
2017-09-17
سمير غطاس يؤكد أن هناك علاقات وطيدة بين الجماعات الموجودة في غزة وسيناء
2017-09-15
'الخلاص بالفن' يدعو الإنسان إلى التمسك بالحلم والتذرع بالأمل
2017-09-15
'الشارقة الدولي للكتاب' يستعد لدورته الجديدة
2017-09-14
مكتبة الاسكندرية تفتتح مؤتمر 'مستقبل القوى الناعمة المصرية'
2017-09-13
المزيد

 
>>