First Published: 2017-06-29

صنائع بريمر التي تحكم العراق

 

لا معنى لما يروج عن مصالحة وطنية سوى أن يستعيد شيعة بريمر وسنته وأكراده تضامنهم في مواجهة شعب حائر.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

حين أسس الحاكم المدني في سلطة الاحتلال الأميركي بالعراق بول بريمر مجلس الحكم لم تكن خطوته تلك إلا تجربة مختبرية صغيرة لما يمكن أن تكون عليه صورة البلد المنكوب في المستقبل.

لقد اختار بريمر يومها أعضاء ذلك المجلس مستندا إلى انتماءاتهم العرقية والطائفية ترسيخا لمفهوم المكونات التي لم تنصهر في ما بينها لتشكل شعبا واحدا، يكون السياسي فيه عابرا لطائفته وعرقه، حسب وجهة النظر الأميركية.

ما قرره بريمر أقره عراقيون قدموا معه من الخارج.

لقد بدا واضحا يومها أن العراق الديمقراطي الذي وعدت به الولايات المتحدة لا يمكن أن يقوم إلا من خلال نظام المحاصصة. وهو نظام متخلف لا يمت إلى الديمقراطية بصلة. ذلك لأنه لا يمكن أن يؤسس دولة حديثة.

ممثلو العراقيين من السنة والشيعة والأكراد الذين اختارهم بريمر تصدروا المشهد السياسي عبر السنوات العصيبة الماضية وهم اليوم سادة المشهد ويعدون العدة للاستمرار في مواقعهم لوقت غير معلوم.

هناك قرار أميركي ببقائهم وتوفير الحماية لهم، حتى لو تم ذلك بالاستعانة بإيران.

وإذا ما كان العراقيون قد استغفلوا أنفسهم بالموافقة على نظام المحاصصة الذي نص عليه الدستور الجديد ضمنيا فإنهم صاروا يتساءلون اليوم "أيعقل أن يكون شعب متعلم مثل الشعب العراقي بمثل هذه الرثاثة وهذا الهزال وهذه الضعة بحيث لا يمثل شيعته سوى نوري المالكي وهادي العامري وعمار الحكيم ولا يمثل سنته سوى طارق الهاشمي والنجيفي والعيساوي ويستمر أكراده خاضعين لسلطة قبلية يمثلها مسعود البرزاني؟"

حين وافق العراقيون على الغاء مفهوم المواطنة العراقية كان عليهم أن ينتظروا الأسوأ. والأسوأ هو ما يعيشونه اليوم. فالصراع اليوم يجري بين مخلفات عصر بريمر التي أعادت انتاج وجودها باعتبارها مرجعيات سياسية سنية وشيعية وكردية.

صارت صنائع بريمر ممثلين لشعب، كانت الإرادة الأميركية قد غيبته في أول لحظة احتلال. هم اليوم سادة العملية السياسة، حاكمين ومعارضين وهم ضروريون من أجل أن يظل العراق متمسكا بخياره الديمقراطي، حسب الرؤية الأميركية.

لقد شهد العراق منذ احتلاله عام 2003 وحتى اليوم أهوالا لم يشهدها في كل تاريخه. محيت مدن واُبيدت مئات الألوف من البشر ونزحت وشُردت وهُجرت الملايين من سكانه وفتك الفساد المالي والإداري به وهو ما زلزل طبقاته بحيث صار قطاع الطرق اثرياء وانضم المتعلمون إلى قوافل الفقراء ومع ذلك فإن هناك مَن لا يزال يظهر حرصه على المصالحة الوطنية من خلال عودة صنائع بريمر إلى الحكم سوية، متضامين في نسيان خلافاتهم.

لا معنى لتلك المصالحة الوطنية سوى أن يستعيد شيعة بريمر وسنته وأكراده تضامنهم في مواجهة شعب حائر، كان يجيد التلفت أيام النظام السابق فصار ماهرا في ظل النظام الحالي في الامضاء على وثائق عبوديته.

وإلا ما معنى الحديث عن معارضة سنية يُراد استعادتها في ظل ما تعرضت له المدن ذات الأغلبية السنية من عمليات إبادة ودمار؟ ما معنى أن يستقوي نوري المالكي بالحشد الشعبي وهو أحد فصائل الحرس الثوري الإيراني في مواجهة المساءلة التاريخية التي تتعلق بما جرى للموصل يوم تخلى العراق عنها؟ وما معنى أن يهدد مسعود البرزاني العراقيين بالاستفتاء الكردي وهو يعرف أن الأكراد لم تكن لهم دولة في التاريخ؟

هناك مغالطة تاريخية صنعت منها الولايات المتحدة قدرا تاريخيا للعراق عن طريق الأحزاب التي استلمت الحكم بتفويض من حاكمها المدني.

لقد تم تكريس نظام المحاصصة في العراق بدلا من إقامة نظام سياسي مدني حديث ينفتح بالعراقيين على العصر ويبدأ معهم تاريخا جديدا، عنوانه المواطنة بكل ما تنطوي عليه من مشاركة سياسية وفكرية واجتماعية واسعة.

لذلك لا تزال صنائع بريمر تدير اللعبة السياسية، متفقين ومختلفين، غير أنهم في النتيجة لا يخرجون بعيدا عن حدود الطوق الذي رسمته الولايات المتحدة للعراق، بلدا هشا وضعيفا ودولة فاشلة لا تقوى على تلبية الحاجات الأساسية لمواطنيها الذين كُتب عليهم أن يكونوا هامشيين ومنبوذين إلى الأبد.

 

فاروق يوسف

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

إن شعبا عراقيا يحمل نفس صفات الشعوب العربية والإسلامية الأخرى ، يركض خلف وهم وتاريخ وأهم قبل مئات السنين لهو مؤهل أن يعبث بواقعه ومستقبله كباقي الشعوب العربية الأخرى. كلما توسعت البشرية في الإتصالات كلما توسعت الفروقات والعداوات.

2017-06-29

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
أمام برج ترامب
2017-10-22
خبراء ولكنهم اسمعونا ما نحب سماعه
2017-10-21
لماذا مسعود؟
2017-10-18
أليست هناك أميركا أخرى؟
2017-10-17
لا تنتظروا شيئا من أميركا
2017-10-14
أميركا التي تكره أميركا التي ينبغي أن نحبها
2017-10-12
أميركا فوق، أميركا تحت
2017-10-10
خانه شركاؤه ولن ينصفه التاريخ
2017-10-09
رئيس يودع رئيسا والعبرة في وداع العراق
2017-10-07
لغة الآي آي في التايم سكوير
2017-10-06
المزيد

 
>>