First Published: 2017-07-02

أشرف لبيب: الوسيط الرقمي يساعد على الارتقاء بالفن السينمائي

 

الناقد السينمائي يؤكد أن الوسيط الرقمي يقدم حلولا عظيمة ويرى أن سوق الفيلم المصرية تفتقر بشدة لخبراء الخدع والمؤثرات البصرية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

البساطة جمال

يستهل الناقد السينمائي د. أشرف لبيب كتابه "التصميم الافتراضي للمنظر السينمائي" بدراسة تاريخية لمراحل تطور الديكور في السينما، وكيف بدأ متأثرا بشكل وأسلوب التقنيات المسرحية ثم تطور بعد ذلك ليصبح فنا وأسلوبا مستقلا بعيدا عن المسرح، مرورا بنطق الفيلم ثم تلوينه وظهور شاشته العريضة، حتى أصبح عنصرا من العناصر المهمة في عملية خلق الإبداع الفني السينمائي. لينطلق بعد ذلك لتحليل القواعد الفنية والتشكيلية لتكوين المنظر السينمائي، ثم منظومة الديكور وفن هندسة المناظر، وتطور الأساليب والتقنيات المستخدمة في تنفيذ هذه المناظر، مخصصا الفصول الثلاثة الأخيرة لتحليل مناظر الأفلام التاريخية وأفلام الخيال العلمي، وتوظيف التكنولوجيا الرقمية في مراحل الإنتاج، ودور البرامج الرقمية وأثرها في تنفيذ المناظر السينمائية الافتراضية.

وفي سياق تحليله مناظر الأفلام التاريخية وأفلام الخيال العلمي لفت الكاتب إلى أنه منذ مطلع التسعينيات، ومن خلال التطور المتزامن بين تقنيات الكمبيوتر جرافيك وبرامج الصور وتطور كاميرات التصوير السينمائية، انطلقت ثورة تكنولوجيا المؤثرات البصرية والتي تختص بإضافة الأشياء التي لا يتم تصويرها بالكاميرا وترى على الشاشة، مثل القصور الأسطورية والقلاع القديمة والكائنات الغريبة وغيرها، والتي تعتمد في الأساس على الكمبيوتر جرافيك في تصميمها، كما تضم المؤثرات البصرية أيضا ما يعرف بالمؤثرات الخاصة وهي المؤثرات التي يتم إضافتها على ما يتم تصويره في الواقع من خلال الكمبيوتر جرافيك، مثل مشهد انفجار سيارة أو تحطم طائرة، ففي مثل هذا المشهد يتم تصوير المشهد في الواقع ثم تتم إضافة المؤثرات البصرية عليه.

ورأى الكاتب أن عدم خبرتنا بعلم المؤثرات البصرية لا يرجع لعدم توافر الأجهزة الحديثة أو البرامج الرقمية وإنما يرجع لأننا لا نملك جرأة الخيال والإبداع في مجال الجرافيك بسينما الخيال العلمي، وهو نوع من السينما نفتقده في مصر، مما يضطر مخرجينا إلى الاستعانة بخبراء من الخارج في هذا المجال، فالكمبيوتر في مجال الفن لا يعدو كونه تكنولوجيا متقدمة أوبتعبير آخر هو مرحلة من أعلى المراحل المتقدمة في تكنولوجيا الفنون، لكن في كلتا الحالتين "السينما والكمبيوتر" يبقى الدور المبدع للفنان قائما دون أن يتعدى دور التقدم التكنولوجي، أكثر من إتاحة الفرصة لفن جديد تتحدد ممارسته الابداعية بنوعية هذه التكنولوجيا التي تعفيه من مرحلة ميكانيكية، سواء في التفكير أو في إعادة تشكيل عناصر الواقع "الخطوط، المساحات، الألوان، الأضواء، الظلال" بما يمكن اعتباره مرحلة مقننة من التفكير الابداعي، وإن كان اعفاءه من هذه المرحلة يتطلب وعيا تقنيا مسبقا بكيفية استخدام وسائل التكنولوجيا السينمائية التي أطلقت العنان لخيال وأحلام مؤلفي ومخرجي السينما لتتجسد أفلامهم كحقيقة واقعية.

ورغم أهمية هذا المجال وتأثيره على نوعية وجودة الأفلام، فإن سوق الفيلم المصرية ظلت فقيرة تفتقر بشدة لخبراء الخدع والمؤثرات البصرية.

وأكد أن التطور التقني الكبير الذي يعرف اليوم بثورة التكنولوجيا الرقمية والتي فرضت بجودتها المتناهية تغيرا كبيرا في قواعد العملية الفنية، فالوسيط الرقمي الذي ارتبط ظهوره بالتقدم التقني للإلكترونيات وما صاحبه من اكتشافات مذهلة، ساعد على الارتقاء بالفن السينمائي وقدم حلولا عظيمة في العديد من الأمور التي يتم الاعتماد عليها كأساسيات في قلب الصناعة، وبدأت دائرة الإبداع تتسع أكثر فأكثر باستخدام هذه التقنية الرقمية التي تحررت وتخلصت من كافة الحواجز والعوائق التي فرضها الوسيط الفوتوغرافي، فأتاحت إجراء كافة المؤثرات على الصورة الحقيقية للشخصيات أو الأماكن الطبيعية وإعادة تسجيلها مرة أخرى على الفيلم السينمائي، مما فتح عالما أكثر مصداقية من الخدع البصرية الرقمية في مكان افتراضي صمم بالكامل بشكل ثلاثي الأبعاد. الأمر الذي أدى بدوره إلى تغيير ملامح الأعمال السينمائية وموضوعاتها سواء كانت درامية أو مرعبة أو تاريخية أو خيالية فانتازية، لتصبح أكثر إبهارا مما كانت عليه من قبل، وتزيد من القدرة على التخيل والإبداع اللذين كان يصعب تحقيقهما بدون هذه التقنيات.

وأضاف الكاتب أن تكنولوجيا الكمبيوتر الرقمية أصبحت العمود الفقري في صناعة السينما الحديثة، حيث دخلت في جميع مراحل صناعة الفيلم التي تقسم إلى مرحلة ما قبل الانتاج والتي تختص بالإعداد والتحضير، ثم مرحلة الإنتاج والتصوير وأخيرا مرحلة ما بعد الانتاج مما يمكن أن يطلق عليه إعادة هيكلة صناعة السينما في شكل جديد.

أفسحت هذه التكنولوجيا المجال لظهور وسائل أكثر فاعلية وأكثر توفيرا للوقت والجهد مما فتح آفاقا جديدة وأدى إلى ظهور العديد من الاختصاصات الجديدة في المجال.

ولفت إلى أنه في ظل تكنولوجيا التقنيات الرقمية الحديث أصبح تصميم وتنفيذ المناظر والديكورات السينمائية لا يشكل أي عائق لدى الجهات الانتاجية أو لدى المصممين أنفسهم، فبواسطة برامج الرؤية ثلاثية الأبعاد أصبح من الممكن تصميم وتنفيذ أي منظر يتخيله مصمم الديكور وبأي نوع من الخامات فيما يعرف باسم الديكور التخيلي "Virtual Sets" والمتمثل في خلق بيئة خيالية ثلاثية الأبعاد تحاكي البيئة الواقعية يتم إنشاؤها بواسطة الكمبيوتر في مرحلة ما قبل التصوير، كما أصبح في استطاعة المخرج التنبؤ بمسارات الحركة وبيان عوائق الديكور التي تمنع حركة الممثلين وآلات التصوير، بحيث يمكن إزاحتها من تكوين اللقطة عن طريق الكمبيوتر.

وقال الكاتب إن ظهور تكنولوجيا الاستديو الافتراضي والديكور الافتراضي أدى إلى فتح نافذة جديدة للإنتاج السينمائي، والعمل على زيادة الجانب الإبداعي وتحقيق الخيال، كما أن هذه التكنولوجيا الحديثة ساهمت في الحد من التكاليف الباهظة التي تتطلبها المناظر السينمائية. إذ لم تعد هناك حاجة لبناء أو دهان، وحفظ وتخزين، وتحريك ديكورات متعددة وثقيلة، فأصبح من الممكن التحكم في عناصر الديكور كالأسقف والأرضيات والجدران والأعمدة وقطع الأثاث أيضا، والتأثير فيها من خلال فراغ ثلاثي الأبعاد لتظهر من فراغ أو تختفي في الفراغ، أو لتبقي جزءا مستديما من المشهد الافتراضي، كما أصبح من الممكن التحكم والتغيير في شكلها وحجمها ولونها وملمسها السطحي وشفافيتها، والإضاءة الخاصة بعناصر تكوين المشهد، بإعادة برمجتها من خلال برامج الكمبيوتر المتخصصة، وذلك في أي مرحلة من مراحل الإنتاج دون أن يشكل ذلك أي عائق.

وأوضح أن تصميم الديكور للمناظر السينمائية الافتراضية يحتاج لنفس المهارات التي يحتاجها الديكور التقليدي، ولكنه يمتاز بزيادة مساحة الحرية والمرونة في التصميمات، والسرعة في الإنتاج، ويجب أن يتميز المصممون الذين يعملون في مجال المناظر الافتراضية للإنتاج السينمائي بمدى أوسع من الخبرات الخاصة، والجمع بين المعرفة ببرامج وتقنيات التشكيل الجرافيكي على الكمبيوتر وبين الخبرة في تصميم ديكورات الاستوديوهات.

كما يجب فهم بناء وتنسيق المناظر على أنه جزء من عملية سرد القصة السينمائية والعمل بمبدأ المخرج سيرجي ايزتشتين "أن في البساطة جمال" عند تصميم مناظر الأعمال السينمائية، فالتبسيط الكامل للخطوط وعدم استعمال عناصر زخرفية زائدة تشغل العين بشكل عام، يعتبر من الأساليب المستحبة في تصميم الديكورات السينمائية، إلا إذا كان الإفراط في استعمال تلك العناصر الزخرفية يتعلق بالمعنى الدرامي أو لتحقيق طراز معماري معين أو يرتبط بعناصر بنائية معينة، بحيث لا يقتصر استخدام التنسيق على مجرد شغل حيز الشاشة بطريقة زخرفية.

وأشار الكاتب إلى أن برامج الجرافيك المستخدمة في تصميم المناظر الافتراضية السينمائية تطورت بشكل مذهل وسريع، يمكنها من عمل تصور كامل لأي موقع أو منظر بشكل أقرب من الواقع، بحيث يمكن المزج بين ديكورات حقيقية وأخرى تخيليلة في نفس الإنتاج، وتعمل أجهزة المحاسب المستخدمة في أعمال الجرافيك على إعادة ومعالجة كاملة للمشهد والتي تعرف بمصطلح "Rendering Shots" وذلك للكاميرات المختلفة المستخدمة في المشهد الواحد وهي عملية تحتاج لوقت طويل مما يدعو إلى تجنب الأخطاء التي تزيد من الوقت وتكلفة الإنتاج.

وحلل الكاتب نماذج لبعض الأفلام التاريخية وأفلام الفانتازيا والخيال العلمي باعتبارها مادة خصبة للمناظر السينمائية المركبة والمعقدة، سعيا لاثبات فرضية أن استخدام التكنولوجيا الرقمية الحديثة المتمثلة في تنفيذ مناظر سينمائية افتراضية، ومن بين هذه الأفلام الفيلم الأمريكي "بن هور: حكاية المسيح" إخراجي سيدني أولكوت، وفيلم "التعصب" للمخرج د.و. جريفيت، وفيلم "أمير الإنتقام" وفيلم "أمير الدهاء" للمخرج بركات، وفيلم "وا إسلاماه" للمخرج أندرو مارتون، وفيلم "الناصر صلاح الدين" للمخرج يوسف شاهين، وفيلم "المماليك" للمخرج عاطف سالم، وغيرها.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
حسين نشوان يقرأ تجليات المشهد الأردني شعرا وسردا
2017-07-21
الهولندية مينيكه شيبر تستكشف الجسد البشري مخفيا باحتشام أو مرئيا على نحو فاضح
2017-07-20
دلال عنبتاوي تقرأ تجليات المكان رؤية وتشكيلا في شعر إبراهيم نصرالله
2017-07-19
باحث أردني يؤكد أن عنصر الانتقام كان أساسيا في بنيان الحكاية الشرقية
2017-07-17
عبير عبدالحافظ تترجم وتحلل عالم خوسيه ماريا ميرنيو
2017-07-16
الرشيد بوشعير يقرأ صوفية المسعدي وسيرة منيف
2017-07-14
غادة نصار تحلل أثر الفضائيات على التربية الجنسية
2017-07-13
القاهرة تحتفي بـطبعة ثانية من 'أصوات في الثقافة السودانية'
2017-07-12
باحث مغربي يطبق منهج التصديق والهيمنة في القرآن الكريم على سورة البقرة
2017-07-10
شعراء ونقاد أردنيون يحتفون بتجربة الشاعر والروائي الراحل علي فودة
2017-07-09
المزيد

 
>>