First Published: 2017-07-04

باحث أردني يؤكد أن المسجد الأقصى القرآني ليس 'المسجد الأقصى' الحالي

 

سليمان الطراونه في 'أسفار هيكل سليمان بن داوود': السردية العربية الإسلامية التقليدية تتضمن أسطورة سرمدية المسجد الأقصى وأبديته بشكل توثيني!

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

سردية من أعقد السرديات

يرى الباحث د. سليمان الطراونه في كتابه "أسفار هيكل سليمان بن داوود" في مجلدين الأول "هيكل العبران وكعبة العربان - يهودية المسيحية والإسلام"، والثاني "هيكل العائلة المالكة بمنظور العهد القديم والقرآن الكريم"؛ أن كتابه مشروع صادم صدامي إشكالي في نتائجه هزّ جذور التقديس لواحد من أهم مقدسات الأمة الإسلامية، وكشف المُخبّأ حيال رمز قومي ووطني فلسطيني في منظور جذور تراثنا العربي الإسلامي. بدأت فكرته كما كرّر أكثر من مرة في هذا الكتاب بجزئيه، بغايات عروبية إسلامية مُنحازة، وليست مُتحيّزة فقط، لإثبات جذور أصالة المسجد الأقصى، ولنفي أهمية الهيكل أو أصالته، بل نفي وجوده من أساسه بالطرق الممكنة كلها، الدينية والتاريخية والأثرية.

ويشير في مقدمة الكتاب الصادر عن مؤسسة "الآن ناشرون وموزعون" أن السردية التي ينطلق منها الكتاب ومآله ومحوره ومخطط مساره هي السردية العربية الإسلامية الخفيّة والمتخفّية أو المخفيّة قصداً حول الهيكل في القرآن الكريم، وسيرة الرسول الكريم، والسنة النبوية، وتاريخ الصحابة الأجلاء والتابعين أقوالهم وأفعالهم، والتفسير القرآني بتلاوينه ومدارسه كافة، والتاريخ العربي الإسلامي، والقصص والحكايات والملاحم بمنظور نقدي تفسيري هيرمانتيكي تفكيكي تأويلي تركيبي حول نقطة جوهرية إشكالية خلافية متفجّرة: هل كانت صناعة أصل قداسة القدس وما حولها أولاً، وهيكل سليمان بن داود المفترض وما يتصل به وما توالد عنه وعبره إسرائيلياً كنعانياً ويهودياً عبر القرون حقيقة واقعة أم تخيّلاً أو تخييلاً أسطورياً؟ أم صنعها المسجد الأقصى السرمدي الأبدي بمفهومه العام، وليس المسجد الأقصى في حقيقته القرآنية وما يتصل به إسلامياً بمفهوم الإسلام التاريخي، أو الإسلام (الاعتباري) أو الإسلام الفقهي أو الإسلام الشعبي؟!

ويتساءل د. الطراونه هل "المسجد الأقصى" الحالي هو المسجد الأقصى القرآني؟ ويقول "ظاهر السردية العربية الإسلامية الرسمية والشعبية وما بينهما يقدّم المسجد الأقصى المتخيّل على أنه الأقدم تاريخياً، والأكثر أصالة من هيكل سليمان بن داود، واعتماداً على ظاهر هذه السردية المتشعّبة رسمياً وشعبياً ليس الهيكل إلا تجديداً سليمانياً للمسجد الأصيل القديم شبه الأزلي والمؤهل ضمن هذه الأسطرة الإسلامية لأن يكون سرمدياً أبدياً! أو أن الهيكل حلّ في مكانه آنياً، أو في مكان مجاور لمكانه لقداسة المكان إسلامياً منذ بدء الخليقة أو من قبل ذلك!

وبناءً على هذه البنية الميثية الإسلامية المتراكبة فإن اختيار مكان المسجد الأقصى كان من قبل الملائكة، تماما كاختيار مكان الكعبة المشرّفة، رغم أنهما في أصلهما معبدان قربانيان قبل الأديان (السماوية) وبعدها، فالاقتران الأسطوري في مثل هذا الاختيار لمكاني بيتي العبادة الربانية الإسلامية أقدم من آدم نفسه.

وعليه فإن البنية الميثية للتبريرات الإسلامية كلها تجعل باني المسجد الأقصى الأزلي الأبدي آدم نفسه بمعونة الملائكة، أو ابنه شيث أو سام بن نوح أو إبراهيم الخليل أو يعقوب أو يشوع بن نون! لكنهم جميعاً بنوا افتراضياً على ما بنى عليه آدم ضمن مخطط الملائكة.

وهنا يُقدم تراثنا الديني والتاريخي والأسطوري مبررات افتراضية مُتخيلة ميثية بكل أبعادها الأسطورية، وأدلة واهية مُتهافتة ذوات قوالب دينية لاهوتية ادعائية ومفبركة ودعائية مُختلقة لأسباب تقويّة ليست قوية, لتدلل على أولية المسجد الأقصى الميثي في الزمان الأنثروبولوجي المقدّس المطلق، وعلى كونه سابقاً للخليقة نفسها، أو موازياً لتشكّلها، وبالتالي فهو ميثيّاً سابق بالضرورة لهيكل سليمان بن داود المفترض في بنية الزمان المقدّس المفتوح الأبعاد على أسطرة الجماعات والأفراد.

ويضيف "تتضمن السردية العربية الإسلامية التقليدية أسطورة سرمدية المسجد الأقصى وأبديته بشكل توثيني أبدي لا ينثني! لذا فتحليل وتفكيك واستكناه خفايا السردية العربية الإسلامية المؤسطرة حتى النخاع، وما يتّصل من قريب أو بعيد بالمخيال الاجتماعي والسياسي والسلطوي والأسطوري العربي الإسلامي هو ما يعنينا هنا قرآنياً وحديثياً وثقافياً وأنثروبولوجياً.

وهذه السردية من أعقد السرديات مجازياً وكنائياً وسياقياً، إذ تقول أحياناً شيئاً وتعني مجاوره مكانياً، أو تقول شيئاً وتعني مصاحبه زمانياً, وتقول شيئاً وتعني مناقضه أو نقيضه أو ما يقابله دينياً أو أسطورياً! إنها حتماً سردية معقدة، تتشكل من شبكة سرديات خفية وظاهرة أو مواربة ومتراكبة لها طبقات متداخلات من فوق طبقات من الشعور الديني المتراكب أو المتداخل أسطورياً مع الاحتقانات السياسية والتاريخية والدينية كافة!

ولذا ادّعت وما زالت تدّعي أنها المالك الوحيد للمقدّس اليهودي، لأنها وريث الديانة ومقدساتها بشكل حصري وفوقي وأبدي ورباني! وهي الوريث الوحيد لهضبة الهيكل وبيت المقدس وفلسطين، وبالتالي الأرض المقدّسة عند الأديان الإبراهيمية الثلاثة! فهي كلها عندها وقف إسلامي لا يجوز التنازل عنه أبداً، لأنه دين لا تمحو أبديته السنين!".

ويوضح د. الطراونه أن الظاهر والدارج إسلامياً، أو المتواضع عليه ظاهرياً لأسباب أيديولوجية أولاً، أن المسجد الأقصى كان منذ آدم أو ابنه شيث أو سام بن نوح أو إبراهيم الخليل أو يعقوب أو يشوع بن نون، وأنه سابق على مسجد أو محراب داود ومسجد سليمان بن داود، أي سابق للهيكل بقرون من وراء قرون، وأن الهيكل كان شكلاً آنيّاً من أشكال المسجد الأقصى، ثم انتهى الهيكل إلى غير رجعة لفقدان أهله أساس استحقاقهم للمرجعية الدينية في منظور الإسلام. وبقي بذلك المسجد الأقصى منذ الأزل ولم يزل وإلى أبد الآبدين هو محور القداسة في المكان منذ بدء الزمان بالمنظور التقليدي للإسلام والمسلمين، وسبحان خالق المتعصبين أنواعاً وأصنافا للدفاع عن أساطير الدين.

هذا الحس الأسطوري الإسلامي السرمدي الأبدي يجعل المسجد الأقصى والكعبة صنعة الملائكة، أو أول ما صنع آدم بتوجيه وعون من الملائكة، لأن المسجدين هما العروة الوثقى التي تربط الأرض بالسماء! هذا كله تمّ بشكل سحري عجائبي ينفيه الواقع وتنفيه الوقائع! مع أن الواقع التاريخي يُشير بلا مواربة إلى أن الهيكل والكعبة معبدان قربانيان سكنتهما قبل الإله الأوثان لقرون طوال.

ويلفت إلى أن لب لباب اليهودية والمسيحية والإسلام يتجلى في دين إبراهيمي واحد، حتى لو لم يكن هنالك إبراهيم التوراتي، وأن مقدّسات هذا الدين الواحد مُشتركة أو مُتشاركة، وأن خلافات أديان هذا الدين الواحد في العمق ليست لاختلافاته الفعلية، وإنما لتأصّل لاهوت السيطرة عند كل طرف من الأطراف الدينية وغير الدينية المتدابرة, مع تنامي تقمّص الإحساس بأن كل طرف هو الأساس، وأن الطرفين الآخرين وجودهما في الأرض المقدسة وفي عمق مرجعيات القداسة وفي تمثيل الدين والثقافة والحضارة بلا أساس.

ويرى الطراونه أن المسجد الأقصى القرآني حتماً ليس المُصلّى العمري المتواضع الذي دُعي لاحقاً بمُصلّى عمر، ولم يُدعَ قط من قِبل الصحابة أو التابعين بالمسجد الأقصى، ذلك المصلّى المتواضع في بنائه، والذي كان تحديداً مكانياً للصلاة، وليس بناءً وقتها بمفهوم البناء في بلاد الشام؛ لأنه كان خالياً من أي مظهر من مظاهر هندسة البناء لاقتصاره على استعمال شبه عشوائي للّبن والأخشاب وجذوع الأشجار دون سقوف أو أبواب أو غيرها، فكأنه تسوير ساذج لمكان الصلاة لتحديده، وليس مسجداً بأي حال من الأحوال.

بقيت حاله كذلك إلى عهد الوليد بن عبد الملك، مع أن توسعة لمصلى عمر تمّت كما يبدو في عهد معاوية بن أبي سفيان، اعتماداً على المرويات، وعلى شهادة عيان لمطران مسيحي غربي مرّ بالمكان زمن حكم معاوية بن أبي سفيان، الذي تلقى البيعة بالخلافة في القدس لكنه لم يبنِ مسجداً في المكان، ولم يُطلق على مصلى عمر اسم المسجد الأقصى مطلقاً، فالقداسة الإسلامية كانت للأرض وليس للبنيان، اعتماداً على ما كان تخيّلياً في المكان زمن سليمان.

ويقول: "المسجد الأقصى القرآني ليس "المسجد الأقصى" الحالي الذي هو مسجد أموي عباسي مملوكي عثماني، والمصّلى المرواني من الأدلة الدامغة على التحرّج المبكّر من تسمية المبنى الأموي في القدس بالمسجد الأقصى؛ لأن مصطلح المسجد الأقصى القرآني إرث ديني عريق في المكان، حيث تقدّس به المكان, في وجدان أساطير الأديان، وليس بناءً أموياً مملوكياً تحرّج الذين بنوه لاحقاً من إطلاق اسم المسجد الأقصى عليه؛ لأن المسجد الأقصى القرآني يختلف جذرياً عن "المسجد الأقصى" الحالي، الذي هو مسجد القدس أو مسجد بيت المقدس كما أسماه من بنوه في مراسلاتهم! مع العلم أن لفظة القدس "قدش" هي الحيز الأوسط من أجزاء الهيكل الثلاثة الرئيسية, ومصطلح بيت المقدس "بيت هامقداش" يهودياً هو اسم الهيكل نفسه أو صفته الرئيسة؛ لأنه يهودياً بيت يهوه المقدّس، لذا يتحاشى الكهنة اليهود ذكر اسم يهوه صريحاً، إجلالاً لقدره على أنه اسم الله الأعظم؛ وقد دخلت منهم إلينا أسطورة اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، كأن الله تعالى آلة واسمه الأعظم زر تشغيل تلك الآلة الذي يجبرها على الاستجابة. وسبحان خالق الإنسان المُختلق لهكذا أسطرة متراكبة، لذلك كان الهيكل يُدعى بيت المقدس "بيت هامقداش"، والمقدّس هو يهوه نفسه في العرف الديني اليهودي تهرّباً من ذكر الاسم الأعظم أمام العوام.

ويؤكد د. الطراونه أن الدلائل كلُّها، الظاهرة والخفية، المُعلنة والمُتخفّية في التراث العربي الإسلامي تُشير بلا أدنى ريب إلى حقيقة الحقائق اللامفكر بها إسلامياً, وهي أن المسجد الأقصى القرآني في سورة بني إسرائيل "الإسراء"، والذي ذكره الرسول الكريم في أحاديث تُشير إلى مسجد سليمان بن داود، هذا المسجد الرؤيوي في ليلة الإسراء والمعراج ليس مسجد القدس أو مسجد بيت المقدس الذي بدأ بناؤه في عهد الوليد بن عبدالملك عام 86 هـ أو 87 هـ، بعد أن بنى أبوه من قبل مسجد قبة الصخرة عام 72 هـ، وأوقف له خراج مصر لسبعة أعوام، كي يجذب أهل بلاد الشام لزيارة القدس وزيارة مسجد قبة الصخرة، رغم علمه الأكيد بأنها قبلة منسوخة، وقيل وقتها إنه اصطنع ذلك لكي يطوف بها أهل بلاد الشام بدلاً من الكعبة, كما روي عبر أكثر من مصدر وُسم بالمُغرض، رغم أن أبرز الراوين كان ابن كثير المتسنن المدافع عن بني أمية، وذلك لأن عبدالملك خشي من التقاء أهل الشام بعبدالله بن الزبير المناوئ للأمويين، والذي اتخذ مكة عاصمة لدولته التي امتدت في الحجاز والعراق.

يقسم الطراونه كل كتاب إلى قسمين، قسم يُضمِّنه مقالاته - سرديته حول الموضوع، بلغة أدبية ميّزت أسلوبه في أعماله الأدبية السابقة، إذ يمزج بين تقديم الفكرة والبلاغة العربية بصورتها التقليدية، والقسم الثاني يفرده لمحاورة آراء الكتاب والمؤرخين والباحثين الذين تناولوا الموضوعات ذاتها.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
حسين نشوان يقرأ تجليات المشهد الأردني شعرا وسردا
2017-07-21
الهولندية مينيكه شيبر تستكشف الجسد البشري مخفيا باحتشام أو مرئيا على نحو فاضح
2017-07-20
دلال عنبتاوي تقرأ تجليات المكان رؤية وتشكيلا في شعر إبراهيم نصرالله
2017-07-19
باحث أردني يؤكد أن عنصر الانتقام كان أساسيا في بنيان الحكاية الشرقية
2017-07-17
عبير عبدالحافظ تترجم وتحلل عالم خوسيه ماريا ميرنيو
2017-07-16
الرشيد بوشعير يقرأ صوفية المسعدي وسيرة منيف
2017-07-14
غادة نصار تحلل أثر الفضائيات على التربية الجنسية
2017-07-13
القاهرة تحتفي بـطبعة ثانية من 'أصوات في الثقافة السودانية'
2017-07-12
باحث مغربي يطبق منهج التصديق والهيمنة في القرآن الكريم على سورة البقرة
2017-07-10
شعراء ونقاد أردنيون يحتفون بتجربة الشاعر والروائي الراحل علي فودة
2017-07-09
المزيد

 
>>