First Published: 2017-07-04

هذه العربة وما من حصان

 

الطغاة وحدهم يسكنون خيالنا باعتبارهم بناة للتاريخ.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

مَن يتذكر صدام حسين سيصاب بالخيبة ولإحباط حين يرى حيدر العبادي يقود العراق. "لا يستحق العراق ذلك" ستكون جملة مؤلمة، غير أن قسوتها ستكون بحجم ما تنطوي عليه من ألم.

لا يملك العبادي ما يؤهله لأن يكون زعيماً. وقد لا يكون الرجل التقني قد فكر في أن يكون كذلك يوما ما. الصدفة وحدها دفعته إلى الموقع الأول في السلطة التنفيذية لبلد صعب مثل العراق.

يمكننا أن ننظر إليه بإشفاق يكون هو مصدر الأسى في النظر إلى شعب العراق الذي صار بسبب شغفه بتعظيم قياداته يتيماً يتلفت.

ولكن مهلا علينا أن نتذكر السادات بعد ناصر والشاذلي بن جديد بعد بومدين والأسد بشار بعد أبيه حافظ. من القوة المطلقة إلى الهشاشة التي تعبر عن نفسها عن طريق المخاتلة واللعب على حبال عديدة والاستسلام للقدر.

سيُقال جهلا إن الزعامات التاريخية انتهى زمانها. وهو قول لا يمت إلى حقيقة ما يجري في العالم بصلة. صحيح أن ما هو متعارف عليه من صفات الزعامة التاريخية في العالم العربي لم يعد يتسع له الزمن. غير أن شخصيات القرارات الصعبة، الشخصيات التي يقوم وجودها السياسي على روح المبادرة، لا تزال ممكنة في زماننا.

اختفت شخصية الطاغية التي تُرهب وتخيف وتسبب الذعر وتطلق مكنونات العاطفة اللاواعية والجياشة وحضرت شخصية السياسي المحنك الذي يؤمن بالعلم ومبادئ الإنسانية وروح العدالة ويقيم معادلاته على أساس التوازن بين رفاهية شعبه الاقتصادية وبين ما يمكن أن يقدمه بلده وشعبه للعالم.

سيكون من الانصاف أن يوضع مهاتير محمد مهندس وباني ماليزيا الحديثة في مقدمة زعماء عصرنا التاريخيين. فالرجل لم يُخرج بلده من الضياع والعدم ومتاهة الأعراق حسب بل قدم أيضا نموذجا واقعيا ملموسا لما يمكن أن يفعله التعليم في حياة الشعوب.

ماليزيا التي كانت متخلفة هي اليوم واحدة من أرقى الدول في العالم. لم يحدث ذلك إلا لأن القدر وهبها في اللحظة المناسبة زعيما تاريخيا.

الأقرب إلينا ومن جلدتنا هو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان باني دولة الامارات العربية المتحدة ومؤسس قاعدة نهضتها. الامارات اليوم هي هبة روح الخير إلى العالم. فالدولة التي تفاجئ العالم كل يوم بمعجزاتها ترعى بكرمها التلقائي مئات الملايين من البشر حول العالم.

وبالرغم من أن مفهوم الدولة في أوروبا قائم على المؤسسات، إلا أن الزعامة لا تزال تلعب دورا هائلا في صنع مصائر الدول. انجيلا ميركل هي الأبرز في ذلك المجال. ليست المانيا ولكنها ميركل مَن لعبت دورا خطيرا في تخطي الوحدة الأوروبية الكثير من أزماتها المصيرية متمسكة برهان أوروبا خيارا سياسيا مستقلا.

ميركل هي قائدة تاريخية بحق وليست مجرد موظفة بصفة مستشارة.

مشكلتنا في العالم العربي أننا وقد غلب علينا الحنين إلى القيادات التاريخية لا نزال أسيري شخصية الطاغية التي لا يُرد لها أمر. وهو ما ألحق الضرر بقدرتنا على فهم التاريخ وصناعته.

الطغاة وحدهم يسكنون خيالنا باعتبارهم بناة للتاريخ. إما أن يكون الحاكم مستبدا ليكون زعيما تاريخيا أو أن يكون البديل لاشيء.

تاريخ العالم المعاصر كما أسلفت يقول شيئا آخر. وكما يبدو فإن الشعوب التي حكمت بأسلوب استبدادي لا يمكنها أن تركن للخلاصات التي انتهت إليها شعوب حُكمت بأسلوب ديمقراطي نتج عنه ظهور زعماء تاريخيون مثل مهاتير محمد والشيخ زايد وانجيلا ميركل.

من سوء حظ الشعب العراقي على سبيل المثال أن يقف بين هاويتين. صدام حسين بقوته التي انتهت إلى القسوة يقابله العبادي بضعفه الذي جعل من قيام دولة في العراق مشروعا مستحيلا.

يظن البعض ممَن يجرهم احباط الحاضر إلى تمني عودة الطغاة أن العربة جاهزة في انتظار ظهور الحصان القوي الذي يكون في إمكانه أن يجرها وهو ظن ليس في محله.

 

فاروق يوسف

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

علاج العراق بعد طغيان سياسي منذ 60 عام ، يحتاج إلى تحلل سياسي مساوي للأول بالقوة ومعاكس له في الاتجاه . العرب والمسلمون ظاهرة تناسلية تجميعية بسبب حاجة وجودية انتهت ، ولم ينتهي الإيمان بطهارة نسل انتهت حاجة حاضرة خط الصهر له.

2017-07-04

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الاستثمار في القضية الفلسطينية
2017-12-14
حرية لبنان في قفص حزب الله
2017-12-13
الكذب بإسم المقاومة
2017-12-12
لماذا الشارع وليست الحكومات؟
2017-12-11
مسؤولية العرب عما فعله ترامب
2017-12-10
لماذا لا تحاور بغداد الأكراد؟
2017-12-09
السعودية والإمارات، تعاون من أجل المستقبل
2017-12-07
'لولا الحشد الشعبي لوصل داعش إلى قلب باريس'!
2017-12-06
اللعب مع الثعابين
2017-12-05
لقد فعل العراقيون الأسوأ
2017-12-04
المزيد

 
>>