First Published: 2017-07-09

قطر بين كلفة التكيّف وكلفة المواجهة

 

رجال التغيير في قطر غير قادرين على التأقلم مع السعودية الجديدة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

بعد مضيّ ما يزيد على شهر على بدء مقاطعة المملكة العربية السعودية ودولة الامارات والبحرين ومصر لقطر، لا بدّ من ملاحظة ان الاجتماع الذي عقده وزراء خارجية الدول الأربع في القاهرة لم يعلن عن اتخاذ تدابير او اجراءات جديدة. اكتفى البيان الرباعي بالتلويح بمزيد من العقوبات والاجراءات في سياق مقاطعة قطر. اشار الى "الدور التخريبي" الذي تمارسه والى ردّها "السلبي" على المطلوب منها مع تركيز على "ارتباطها بالإرهاب". الاهمّ من ذلك كلّه، اعتبر ان العرض المطروح على قطر، أي النقاط الـ13 لم يعد قائما.

على الرغم من ان لهجة البيان الصادر عن وزراء خارجية الدول الأربع كانت قاسية وحاسمة، بقيت الوساطة الكويتية حيّة ترزق. فالبيان وجّه تحيّة تقدير خاصة الى امير دولة الكويت الشيخ صُباح الأحمد وجهوده. من الواضح ان الوساطة الكويتية تحظى بدعم دولي ايضا. الدليل على ذلك اتصال وزير الخارجية الاميركي ركس تيللرسون بالشيخ صُباح والاعلان لاحقا عن زيارة له للكويت.

ما نشهده حاليا هو الازمة الأخطر التي يمرّ فيها مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ قيامه في ايّار ـ مايو من العام 1981، كي يشكلّ مظلة تحمي الدول الست فيه وذلك في ظل وجود رغبة في إعادة قطر الى "الحضن الخليجي". كان الشيخ عبدالله بن زايد وزير الخارجية الاماراتي في غاية الوضوح والصراحة عندما قال في القاهرة ان قطر لا تهتم باشقائها بمقدار ما تهتم بالتطرّف والإرهاب مضيفا ان على قطر "تغيير هذا المسار من مسار الدمار الى مسار الاعمار، والّا سنبقى في حال انفصال". وضع عبدالله بن زايد قطر امام خيارين واضحين ومحددين تفاديا للّفّ والدوران.

من اجل عدم إضاعة الوقت والسقوط في متاهات النقاشات العقيمة من نوع كلام وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني عن "التدخّل في الشؤون القطرية" او "السيادة القطرية"، من الأفضل الدخول المباشر في صلب الموضوع. يعني هذا الدخول في صلب الموضوع، بدل الغرق في جدل لا فائدة منه اقرب الى ذلك المتعلّق بجنس الملائكة او هل الدجاجة قبل البيضة او البيضة قبل الدجاجة، ضرورة العودة الى المنطق.

ما الذي يقوله المنطق؟ يقول المنطق البسيط انّ قواعد اللعبة التي اتقنتها قطر تغيّرت كليا مع وجود مجموعة خليجية ليست مستعدّة بأي شكل للرضوخ للقواعد القديمة التي سمحت للدوحة بان تكون لاعبا محوريا على الصعيد الإقليمي، بما في ذلك في مصر نفسها. اعتمدت قطر في هذه اللعبة على تمرير الوقت من جهة وعدم وجود رغبة في الدخول في مواجهات معها من جهة أخرى. كانت الشجاعة تنقص أولئك الذين سمحوا في الماضي لقطر بان تفعل ما فعلته وان تكون ندّا لبلد مثل مصر من جهة وان تسعى الى ان تكون لها اختراقات في داخل السعودية من جهة اخرى.

تغيّرت السعودية كلّيا. هناك مملكة جديدة. وهذا ما يجب ان يكون مفهوما لدى كلّ من يعنيه الامر. صحيح ان مؤشرات عدّة ظهرت منذ العام 2011 على تغييرات في السياسة التقليدية للسعودية وذلك عندما تدخّلت في البحرين لمنع الانقلاب الذين كانت تنوي ايران تنفيذه، لكن الصحيح أيضا ان هذه المؤشرات لم تأخذ بعدها الّا في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز.

أخطأت قطر عندما اعتقدت انّ في استطاعتها الاتكال على عامل الوقت في عهد الملك سلمان ووليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان. لم يكتف العهد الجديد في السعودية بمتابعة سياسة المواجهة مع الاخوان المسلمين في مصر والتي بدأت في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز في مثل هذه الايّام من العام 2013، بل ذهب الى ابعد من ذلك بكثير. هناك سياسة سعودية لا غبار عليها في شأن "حماس" التي لم تنطل حيلتها الأخيرة المتمثلة في انها خرجت من تحت عباءة الاخوان المسلمين على احد.

لا بدّ من الاعتراف بانّ الشيخ حمد بن خليفة الذي انقلب على والده في منتصف العام 1995 غيّر قطر وغيّر موازين القوى في الخليج وما يتجاوز الخليج وصولا الى لبنان ومصر والى ابعد منهما في ليبيا مثلا. امتلك "الأمير الوالد" جرأة لم يمتلكها غيره وذلك عندما دعم، على سبيل المثال وليس الحصر، "حزب الله" في حرب صيف العام 2006، وهي حرب عادت بالويلات على لبنان، لكنها سمحت لرئيس النظام السوري بشّار الأسد بالحديث عن "اشباه الرجال" وذلك في إشارة منه الى قادة خليجيين آخرين.

اتخذ العاهل السعودي الراحل عبدالله بن عبدالعزيز في اثناء تلك الحرب التي افتعلها "حزب الله" من اجل تحقيق انتصار على لبنان موقفا عقلانيا يستند الى ان ان ايران وراء تلك الحرب التي لن تستفيد منها الّا إسرائيل. لكنّ المنطق القطري كان مختلفا. كان الهدف تصفية حسابات مع السعودية واحراجها، حتّى لو كان ثمن ذلك توفير دعم لـ"حزب الله" وفكّ العزلة الدولية عن بشّار الاسد. وهذا فخّ سقطت فيه السعودية لاحقا عندما جاء الملك عبدالله بسعد الحريري الى دمشق لينام عند الشريك، بطريقة او باخرى، في قتل والده.

يُفترض الاعتراف بانّ قطر لم تمتلك حسابات ذات طابع خاص مع ايران. تتغاضى هذه الحسابات عن مشروعها التوسعي القائم على اثارة الغرائز المذهبية وعدائها لكلّ ما هو عربي في المنطقة. تعاطت معها وساندتها، على سبيل المثال وليس الحصر، عندما كان مطلوبا تغطية جريمة اغتيال رفيق الحريري عبر افتعال حرب مع إسرائيل ذهب ضحيّتها لبنان واللبنانيون.

مرّة أخرى، تغيّرت قواعد اللعبة التي اعتادت قطر عليها والتي كانت فضائية "الجزيرة" أداة أساسية من ادواتها، فضلا عن العلاقات من فوق الطاولة مع إسرائيل وقاعدة العديد الاميركية. جاء من يقول "كفى" وان شبكة الاخوان المسلمين التي اعتمدت عليها الدوحة لتحقيق اختراقات في الداخل العربي وخارجه لم تعد بالفعالية ذاتها.

باختصار شديد، جاء من يقول لقطر انّ عليها التكيّف مع الواقع الجديد في المنطقة بعيدا عن الكلام العام الذي لا يقدّم ولا يؤخر في شيء، وبعيدا خصوصا عن لعبة الرهان على الوقت وعلى الاتفاقات التي يتمّ التوصل اليها معها والتي تسمح لها بممارسة هذه اللعبة. حصل ذلك في 2013 و2014.

اما بالنسبة الى التهديد بالورقة الايرانية، فهذه الورقة سيف ذو حدين. ماذا ستفعل قطر في حال صارت تحت رحمة ايران التي تعاني من ازمة اقتصادية عميقة وتشهد في الوقت ذاته صراعا داخليا تسعى باستمرار الى الهرب منه الى مغامرات خارجية؟ الم يكن مجلس التعاون أصلا مظلة لحماية الجميع من الطموحات والمغامرات الايرانية؟

تبقى الورقة التركية. ما الثمن الذي سيطلبه رجب طيّب اردوغان من اجل استمرار دعمه، علما ان الجوع التركي الى المساعدات الخارجية والاستثمارات لا حدود له هذه الايّام. كانت الزيارة الأخيرة التي قام الرئيس التركي للكويت أخيرا خير دليل على ذلك. لم يتطرق سوى الى مشاريع محددة مدروسة بدقّة يمكن ان تساهم فيها شركات كويتية!

نعم، تغيّرت قواعد اللعبة. حصل أيضا تغيير في قطر وذلك عندما خلف تميم بن حمد والده وخرج الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني من رئاسة الحكومة ومن وزارة الخارجية. رجال التغيير في قطر غير قادرين على التأقلم مع السعودية الجديدة. هل يدركون ان ثمن التكيّف مع الشروط التي وضعتها الدول الأربع يبقى اقلّ كلفة بكثير من الذهاب بعيدا في المواجهة، خصوصا ان هناك من يراهن على ان هذه المواجهة لا يمكن في أي شكل، بلغة الأرقام، ان تكون في مصلحة قطر؟

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
ايران والكلام الاميركي السليم والجميل
2017-10-23
الفصل ما قبل الأخير في صنعاء
2017-10-22
هزيمة كركوك لم تطو المشروع الكردي
2017-10-20
الملك و'الزلزال السياسي' في المغرب
2017-10-18
اميركا تعيد اكتشاف ايران
2017-10-16
تصالح الفلسطينيين مع الواقع والحقيقة
2017-10-15
مآل 'ثورة أكتوبر'... مآل النظام الايراني
2017-10-13
بعد انتصار الحوثيين على علي عبدالله صالح
2017-10-11
الغاء الاتفاق مع ايران... من دون الغائه
2017-10-09
عن كذبة إعادة اعمار سوريا
2017-10-08
المزيد

 
>>