First Published: 2017-07-10

الرئيس المتمرس والحكومة التجريبية

 

أشهر طويلة مرت على انتخاب الرئيس وتشكيل الحكومة اللبنانية. الجميع في انتظار ان 'يبدأ العهد'.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: سجعان القزي

منذ تسلمت هذه الحكومة هذه الدولة اتخذت نوعين من القرارات: قرارات مثقلة بالعائدات المالية (المربعات النفطية، بواخر الكهرباء، وشبكة الإنترنت)، وقرارات زاخرة بالمنفعة الانتخابية (التعيينات وقانون الانتخابات). أما الانجازات الأخرى ففعل المؤسسات العسكرية والأمنية، وهي أصلا كانت تقوم بمثيلاتها قبل انبثاق هذه الحكومة المرهقة والمرهقة والمراهقة.

عدا ذلك، تبدي الحكومة ضعفا، وقد عجزت بعد ثمانية أشهر على وجودها، عن استعادة ثقة الناس بالدولة وعن إحياء احترام الدستور والقوانين رغم رعاية رئيس الجمهورية، وكانت آخرها خريطة الطريق المرحلية التي استهل الرئيس بها جلسة 5 تموز.

كان يمكن أن نتفهم تجميد الحكومة المواضيع الخلافية لو كانت حكومة في زمن الشغور حين كانت رئاسة الجمهورية غائبة والمجلس النيابي عاطلا عن التشريع، فإذا أصابها مكروه يسقط آخر مربع للشرعية، تطير الدولة وتصبح أملاكا أميرية تتوزعها الأيادي مشاعات جغرافية. النأي عن القضايا الخلافية كان قدر حكومة الرئيس تمام سلام، فسعت إلى تخفيف وطأة الوقت وإرجاء القرارات الكبرى وتحاشي الخلافات واحتواء التأزم ومنع الانفجار بانتظار "يوم السعد". أما وقد هل، فلا شيء يبرر هذا الأداء، وفي قصر بعبدا رئيس، وفي ساحة النجمة تمديد وتشريع، وفي السرايا حكومة جامعة أمم.

سمت هذه الحكومة نفسها "حكومة استعادة الثقة"، فاكتفت بثقة الكتل النيابية الممثلة فيها، أي بثقة نفسها بنفسها واستغنت عن ثقة الشعب بها. وسمت هذه الحكومة نفسها بـ"حكومة الاتحاد الوطني"، فاكتفت بالشعار، إذ كشفت نقاشاتها أنها حكومة الخلاف الوطني. ادعت هذه الحكومة أنها تمثل كل اللبنانيين وتصرفت وكأنها حكومة الحزب الواحد فيما هي مجموعة تيارات، بل مجموعة دول. طرحت هذه الحكومة نفسها حكومة الانفتاح بينما ترفض رأي الآخر، بل أي رأي آخر. لدى هذه الحكومة حساسية مفرطة تجاه المعارضة وتستفزها الملاحظات. لا تميز بين النقد الصحيح والذم الشخصي، ولا بين المعارضة الديمقراطية من خارجها والمعارضة المعطلة من داخلها. تريد أن ترتكب المخالفات من دون أن يحاسبها أحد.

هذه الحكومة ليست متفقة على القضايا الكبيرة ولا على القضايا الصغيرة. لا على الأمور الوطنية ولا على الأمور الاقتصادية. عجز على مد النظر. تصلب لويحي في الكهرباء والمناقصات. في الموازنة وسلسلة الرتب والرواتب. في سلاح حزب الله وسلاح الشهادات، في الحوار مع سوريا وإعادة النازحين. في الاصلاحات الدستورية والفصل بين السلطات. وكأن مهمة هذه الحكومة إفشال مسيرة العهد الجديد. لذلك جرد لها الرئيس عون المشاريع والمراسيم العالقة ودعاها إلى تنفيذها والخروج من جمودها.

برغم ذلك، نسمع أن "العهد لم يبدأ بعد". من حق اللبنانيين أن يعرفوا متى يبدأ العهد؟ أفور انتخاب رئيس الجمهورية؟ أبعد تأليف الحكومة؟ أبعد إجراء الانتخابات النيابية؟ أبعد انتهاء الحرب في سوريا؟ إذا استمرينا في التسويف والذرائع سينتهي العهد قبل أن يبدأ. تجربة لبنان تظهر أن "العصر الذهبي" لكل عهد هو سنته الأولى. فأين العهد الحالي من سنته الأولى؟ نسمع بذهب ولا نرى عصره الذهبي. يتصرف السياسيون كأن الرئيس لم ينتخب بعد، أو أنه انتخب لفترة انتقالية، وقريبا تجري الانتخابات الرئاسية الجديدة. وعلى هذا الأساس الافتراضي المخجل يتموضعون ويتحالفون ويعادون ويتكلون على الصوت التفضيلي. إن كنتم لا تتركون الرئيس ميشال عون يحكم، فاتركوه، على الأقل، يعيش.

ونسمع أيضا: لا تحكموا على العهد من خلال هذه الحكومة، فهي ليست حكومته الأولى. أيعقل أن تبقى حكومة ثلث عمر العهد، أي سنتين من أصل ست سنوات، من دون أن تكون حكومته؟ أيعقل أن تقرر هذه الحكومة مصير المربعات النفطية والكهرباء والاتصالات، أي ثروة الأجيال المقبلة، من دون أن نحتسبها من رصيد العهد؟ وإذا سلمنا جدلا بأن هذه الحكومة هي مسودة، فكيف ستكون حكومة العهد الأصلية؟ ومن ستضم؟ وزراء "إكسترا تريستر" من كواكب زحل والمريخ وأورانوس ونبتون وعطارد؟ القوى السياسية الحزبية والطائفية الموجودة في هذه الحكومة وفي هذا العهد ستبقى في الحكومات المقبلة وفي العهود الآتية، وهي أصلا مستمرة منذ سنة 1990. وقانون الانتخابات الذي انتظره الشعب معبرا نحو التغيير الحقيقي جعلوه درع تثبيت للطاقم السياسي المتوارث.

من هنا يفترض بالحكومة أن تخرج من منطق الذرائع وتحسم أمرها وتحقق وعودها وتسهم بانطلاق العهد. وبموضوعية الراغب أن يرى حكومة بلاده منتجة وناجحة، أقترح:

• عقد خلوة حكومية يحضرها الوزراء دون أولياء الأمر عنوانها: "تقييم أداء الحكومة والوزراء ومواجهة التحديات"، فيحصل نقاش وجداني ووطني بالقضايا الوطنية الملحة في ظرف دخلت معه الحرب السورية منعطفا تقسيميا خطيرا.

• وضع برنامج عمل، مختلف عن البيان الوزاري الانشائي، يحدد الأولويات الوطنية والاجتماعية والاقتصادية والإنمائية، على أن يكون محدودا ومتواضعا ليكون قابلا للتنفيذ.

• وضع برنامج تنفيذي وزمني لإعادة النازحين السوريين إلى سوريا بالتعاون مع كل من تقتضيه الحاجة من دون عقد ومزايدات.

• تأليف لجان وزارية مصغرة دائمة من الوزارات التي تتقاطع أعمالها فتشكل على سبيل المثال: لجنة الوزارات الأمنية (الداخلية والدفاع والعدل)، لجنة الوزارات الاقتصادية (المال والاقتصاد والصناعة)، لجنة الوزارات الانمائية (السياحة والثقافة والبيئة)، لجنة وزارات التطوير المناطقي (الأشغال العامة والاتصالات والطاقة والزراعة)، لجنة شؤون النازحين واللاجئين (الداخلية والخارجية والعمل والشؤون الاجتماعية والتربية) إلخ...

• عقد بعض اجتماعات مجلس الوزراء في المحافظات والأقضية لتوثيق العلاقة المباشرة بين الدولة والناس.

هكذا تحدث الحكومة صدمة إيجابية وتستلحق نفسها وتخفف من قرف الناس. في عهد جديد تحسم الأمور، تحل المشاكل، تتخذ القرارات الصعبة فيولد أمل جديد.

 

سجعان القزي

نائب رئيس حزب الكتائب اللبنانية ووزير العمل

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

مشكلتك في براءتك لاعتقادك أن هناك دولة لبنانية. نعم هناك سلطة وطنية ، وهناك ميليشيا وطنية وجيران يصدرون الإرهاب والرذيلة إلى لبنان. عن أي لبنان إذن تتحدث!؟! انتظر منك الإجابة في مقالة قادمة.

2017-07-10

 
سجعان القزي
 
أرشيف الكاتب
من تسليم سلاح حزب الله إلى التسليم به
2017-12-04
عشر عبر من أزمة واحدة
2017-11-27
من باب فاطمة إلى باب المندب
2017-11-20
فما لجرح إذا أرضاكم ألم
2017-11-14
النظام اللبناني تغير من دون مؤتمر تأسيسي
2017-11-07
عهدك عهد التغيير والإصلاح يدعى...
2017-10-30
تعايش وتنافس بين الحروب والتسويات
2017-10-23
دعوا الشعوب تبني دولها
2017-10-16
هبوط اضطراري في موسكو
2017-10-09
سياسة هز الشجرة وعدم قطف الثمرة
2017-10-03
المزيد

 
>>