First Published: 2017-07-14

اللجوء السوري في لبنان: ليس في كل جدل عنصرية

 

إذا بقي الموقف من اللجوء السوري فضفاضا حمّال أوجه فإن وفاة أربعة معتقلين داخل سجون الجيش اللبناني يصبح تفصيلا دراماتيكيا مروعاً قد يبتلعه سجال اللبنانيين المسطح حول مسألة لا تحتمل فلكلورية الضيعة الرحبانية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

يدور النقاش حول مسألة اللجوء السوري في لبنان داخل مستويات مختلفة ووفق أمزجة متباعدة. فالمسألة ليست نظرية تطال مفاهيم وعقائد، بل إن الحضور السوري يخترق يوميات البلد وبات يطال مسائل تتعلق بمعيشة اللبنانيين كما بأمنهم وإستقرار كيانهم.

وفيما يسهل كيل الإتهامات بالعنصرية على كل من ينتقد هذا الحضور ويطالب برحيله، فإن الخطب المتضامنة مع اللاجئين السوريين والمنتقدة للعصبيات العنصرية ضدهم تبقى إطلالات قيمية تنظيرية، ربما أنها ضرورية لإستمرار إسباغ الإخلاق على الخطاب السياسي، لكنها تبقى نخبوية فوقية تمس شكل الظاهرة دون مضمونها.

ورفض الوجود السوري في لبنان شبيه بذلك الرفض الذي طال الوجود الفلسطيني قبل عقود لجهة خوف اللبنانيين، أو بعضهم، من تضخم أغلبية "غريبة" داخل توازنات "ولاد البلد". وفي حيثيات المقت المحلي لأي أجنبي ما يكشف الوهن الذي أصاب مناعة البلد وديمومة منظومته، بما يعني أن الشكوى من وجود كائنات أجنبية تهدد النسيج الإجتماعي والسياسي والديمغرافي الأصيل، سببه عجز ذلك الأصل عن أن يبقى أصلا في لغته ولهجته واسلوب عيشه.

تقليديا، وأكاد أقول بنيويا، فإن بعض مسيحيي لبنان ما زالوا مؤمنين بأن لبنان وطن للمسيحيين، تم إختراعه من أجل هذا الهدف، وأن خطيئة تاريخية أتاحت للمسلمين شراكة في إقتسام ثروات البلد والسلطة داخله. ما زال بعض المسيحيين غير مدركين بأنه، ومنذ أكثر من 1400 عاما يعيشون في منطقة يهيمن عليها المسلمون، وما زالوا يتصرفون وكأن هذه الواقعة عرضية ستزول يوما ما، وعليه فلا بأس في الاستغراق في تكتيكات تعايشية بانتظار إندثار تلك الحقيقة والانتقال إلى وطن نقي الطبيعة والهوية والعقيدة والمضمون.

لكن لا بد من الإقرار أن خصوصية لبنان الذي يعيش منذ أكثر من 1400 عاماً داخل ذلك العالم الإسلامي الممتد شرقا، تكمن في وجهه المسيحي الذي قد يكون، من بين أسباب أخرى، وراء تميّز ما عرف به البلد في صورته وثقافته وتقاليده ونظامه السياسي الفريد داخل مشهد "الأمة" الكبير. وعليه فلا بد من الإنصات جيداً إلى ما يقلق ذلك الوجه ويجعله مرتعباً من تلك الزلازل التي ترسل ارتداداتها إلى داخل البلد، مرة على نحو قومي ومرة على نحو ديني ومرة على نحو كوارثي.

رفع مسيحيو لبنان يوماً صرخة تطالب بأن لا يتحول بلدهم إلى الكيان المقاتل الأول والأخير لدولة إسرائيل، وأن لا يكون وطنهم صندوق بريد تستخدمه كافة أجهزة المخابرات في العالم لتبادل الرسائل. لم يفهم كل اللبنانيين ذلك الصراخ واعتبروه مشبوهاً عميلا لأجندات برانية تتآمر على ما هو جواني. قاد "سوء التفاهم" إلى حرب أهلية دامت 15 عاماً قبل أن ينتج "حسن التفاهم" إتفاق الطائف الشهير الذي ما زال بعض المسيحيين يعتبرونه خطيئة إرتكبت بحكم القوة وقهر مفاعيلها.

في موسم التصدي لحزب الله في لبنان، أعاد لبنانيون آخرون متضامنون مع بعض المسيحيين إنتاج الخطاب المسيحي القديم. أضحى شعار "لبنان أولا" الذي كان كفراً في زمن "عروبة لبنان" عنوانا سيداً للدفاع عن لبنان، ذلك "الوطن النهائي" الذي إكتشفه المؤتمرون في الطائف عام 1989. باتت السيادة والاستقلال والمطالبة بترسيم الحدود مع سوريا مبادئ تناضل من أجلها تشكلات سياسية كان جمهورها إبان الحرب الأهلية ملتصقا بأيديولوجيات قومية أممية لا تؤمن بحدود وتستكثر على لبنان سيادته وإستقلاله.

هزمت الحرب الأهلية الخطاب المسيحي القديم الذي كان ديدن أحزاب "الجبهة اللبنانية". دخل لبنان عصر الوصاية السورية واخترقت مفاعيلها المشهد السياسي المسيحي فشوّهته وصدّعت بنيانه وصادرت تمثيله السياسي وبات بعضُه ينظّر للعروبة ويبشّر بالممانعة ويُقسم بحياة الرئيس القائد في دمشق. وهزمت المواجهة مع حزب الله خطاب "السياديين" اللبنانيين. انكفأت قوى السيادة والإستقلال إلى حصون السلطة بمعناها التحاصصي.

لم يعد النقاش يقتحم مسألة سلاح حزب الله المتمرد على الدولة ومسألة قرار السلم والحرب في البلد. وبات إنهماك كافة التيارات السياسية يرتكز على تفاصيل محلية خدماتية إنمائية تقل فيها السياسة التي لا يتجاوز سقفها مسألة إنتاج قانون جديد للإنتخابات. وعلى هامش ذلك الضجيج يعمل حزب الله دون كسل على إكمال مشروعه اللبناني الإقليمي "الأممي" دون كثير اكتراث لجلبة الطوائف والأحزاب في تناحرها اليومي من أجل تحسين شرورط المحاصصة داخل المؤسسات.

من تلك الهزائم يعود اللبنانيون لتلمس جسد كيانهم الذي أصابته رضوض الكوارث التي أتى بها "ربيع العرب". ينتقل أكثر من 1.5 مليون سوري إلى أحضان البلد موقظاً أهل البلد على وهن بناهم التحتية، بالمعنى المادي الذي ينظم عيش الناس اليومي، وبالمعنى الإيديولوجي الذي يرسم حدود الوطن وهويته ومزاجه.

يرى المسيحيون أو بعضهم في اللجوء خطرا مسلماً يزحف بإتجاه وجودهم. ويرى الشيعة أو بعضهم في اللجوء خطراً سنياً قد يقلب الغلبة الديمغرافية ويشكل مع ذلك اللجوء الفلسطيني القديم فائض قوة سني سيقف لا شك نداً أمام فائض القوة الذي ما برح حزب الله يتحكم بلبنان من خلاله. أما السنة أو بعضهم فيتأرجحون بين تضامن مع السوريين ضد النظام المتحكم بهم في دمشق والمسؤول الأول عن نكبتهم، وبين عبء ذلك اللجوء الذي يثقل اقتصاد البلد وينافسهم بشكل غير متكافئ في سوق العمل.

لا يحمل اللجوء السوري في لبنان نفس الندوب التي يحملها في تركيا والأردن. فإذا ما كان عاملا الاقتصاد والأمن منطقيّين في مقاربة ذلك الوجود في هذين البلدين، فإن لنفس الظاهرة في لبنان خصوصية تصاب بعدوى الخصوصية اللبنانية نفسها. فللجوء روائح مذهبية إضافة إلى جوانبه المعيشية الضاغطة، وفوق هذا وذاك يأتي مخصبا بأخطار الأرهاب الذي يطل برأسه أكثر كلما اضمحل حجم الاورام الداعشية في الموصل والرقة.

وهناك نوعان من العنصرية في لبنان. نوع مرضي يُمارس ضد أي مخلوقات خارج حدود العرق والطائفة والملة، ويبنى ويتأسس على هذا الأساس، وبالتالي لا يمكن إلا ادانته ومحاربته وتجويف خطبه واستنكار الترويج له. ونوع ظرفي يمارس ضيقا من منافسة اقتصادية معيشية حقيقية تحوّل الوظائف إلى عمالة سورية رخيصة وتتفاقم في قيام مؤسسات تجارية وخدمية سورية تنبت كالفطر تتنافس مع مؤسسسات اللبنانيين ومتاجرهم ومطاعمهم..إلخ. والنوع الأخير من هذه العنصرية أقل خبثا كونه عابراً للطوائف والمذاهب ترتفع وتيرته وتنخفض وفق قدرة الدولة اللبنانية وإداراتها على اتخاذ التدابير الحمائية المواتية.

وليس من الفطنة مواجهة خطاب العنصرية بخطاب أخلاقي متعال لا يعترف بأن هناك خطبا كبيرا ومشكلة ترقى إلى مستوى المأساة. وليس من الحنكة الانزلاق نحو نفس البلادة التي تم بها مواجهة خطاب المسيحيين عشية انفجار الحرب الأهلية عام 1975. وليس ناضجاً اختصار الآفة بعنواينها السطحية دون المغامرة بالانصات ملياً إلى حجج العامة الذين لا يتغذون بأيديولوجيا ولا يتنفسون هواء الأجندات الخبيثة. فإذا بقي الموقف من اللجوء السوري فضفاضا حمّال أوجه فإن وفاة أربعة معتقلين داخل سجون الجيش اللبناني يصبح تفصيلا دراماتيكيا مروعاً قد يبتلعه سجال اللبنانيين المسطح حول مسألة لا تحتمل فلكلورية الضيعة الرحبانية.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
ترامب: الرجل المعجزة الذي وحّد العالم أجمع ضد بلاده
2017-12-12
إيران تقاتل في اليمن دفاعا عن قواعدها في سوريا
2017-12-08
حين استيقظت طهران صباح سقوط صنعاء
2017-12-03
بوتين الذي يحب سوريا ويكره الأسد
2017-12-01
التراجيدية السورية: نصوص الكبار
2017-11-24
لبنان: سقوط التماهي بين الدولة والدويلة
2017-11-19
عون لحزب الله: حرب قادمة 'ستدمرنا'!
2017-11-17
لماذا 'هدوء' نصرالله؟
2017-11-10
السعودية: الجراحات الصادمة!
2017-11-06
السعودية: الخروج من 'الاستثناء'!
2017-11-03
المزيد

 
>>