First Published: 2017-07-16

عبير عبدالحافظ تترجم وتحلل عالم خوسيه ماريا ميرنيو

 

المترجمة المصرية تؤكد أن الكاتب الإسباني أحد أهم الروائيين في القرن العشرين، لكن على الجانب الآخر كرس اهتماماً خاصاً للقصة القصيرة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

قدر غير قليل من الفانتازيا

تنتمي المختارات القصصية التي يضمها هذا الكتاب للروائي والقاص الأسباني خوسيه ماريا ميرنيو إلى ثلاث مجموعات قصصية الأولى "قصص المملكة السرية" الصادرة عام 1982 والثانية "المسافر المفقود" الصادرة عام 1990، والثالثة "قصص حي الريفوخيو" الصادرة عام 1994، وترتكز القصص على الفانتازيا كعنصر أساسي في كتابات ميرينو.

قدمت الناقدة والمترجمة د. عبير محمد عبدالحافظ للمختارات الصادرة عن مشروع كلمة بأبوظبي بدراسة كاشفة تحليلية عن ميرينو وكتاباته راصدة لمراحل مشروعه الإبداعي الشعري والروائي والقصصي، فبدأت بجيله جيل 1975 حيث قالت "قبل صدور روايته الأولي عام 1976 بعنوان "رواية اندريس تشوث" أصدر خوسيه ماريا ميرينو ديوانين شعريين، وهما: "مكان في تاريفيا" 1972، و"عيد ميلاد بعيدا عن البيت" 1973.

وحين نشر ميرينو روايته الأولي انضم، بهذا الشكل، إلى باقة الكتاب الذين تزامن نتاجهم الأدبي مع الحقبة الأخيرة من دكتاتورية الجنرال فرانثيسكو فرانكو، وبداية التحول إلي حقبة الديمقراطية، لذلك أطلق على هذه المجموعة من الكتاب عدد من التسميات، إلا أن تسمية "جيل 1975" أو "جيل الديمقراطية" التصقت بهم، كما أطلق عليهم أحد النقاد "جيل 1968" في إشارة إلى تأثرهم بالأحداث التي عرفت بـ "مايو باريس" وهو ما انعكس في كتابة هذا الجيل الذي ولد أغلب كتابه في الأعوام ما بين 1936 و1945، وهذا يعني أنهم قد عاشوا طفولتهم في الأجواء القاسية لفترة ما بعد الحرب الأهلية الإسبانية، كما تزامنت سنوات شبابهم ودراستهم في الجامعة مع فترة الدكتاتورية الصعبة، والتمرد الشديد المناهض لحكم فرانكوا.

وأضافت أدبيا تأثر أبناء هذا الجيل بالفترة التي أطلق عليها "أدب المجتمع" في الإعوام ما بين 1950 و1960، وعاشوا طفولتهم تحت التأثير المباشر للحرب الأهلية، كما عاشوا شبابهم وتشكيلهم الجامعي في أقصي سنوات الدكتاتورية، وفي أقصي سنوات الوعي الكامل لمعاداة الفرانكوية، ومن وجهة النظر الأدبية أصبحوا منذ شبابهم المبكر المرجعية المباشرة لـ "الإدب الاجتماعي" الذي كتب في إسبانيا في الفترة من 1950 – 1960، وربما كان هذا هو سبب ردة فعلهم ضد التيار، فهاجموا الكتابة المباشرة والداعين إلى الالتزام الحرفي بالشكل.

لهذا فإن أوائل كتاب هذا الجيل عمل وأعلى من تحديث الرواية الإسبانية، عبر إدراج مجموعة من تقنيات الإبداع الجديدة، لربطها بالاتجاهات الطليعية التي تسببت الحرب الأهلية والدكتاتورية في قطع الصلات معها علي مدار سنوات طويلة.

وفي عام 1960 نجح هذا الجيل في التواصل مع التيارات الأوروبية الأخري فضلا عن تيارات الكتابة الجديدة في أميركا اللاتينية، مستغلين أي انفراجة يبديها النظام الفرانكوي، بالاضافة إلى الاتجاهات الفكرية اليسارية التي صبت بدورها في أحداث 1968، كما تبنوا مجموعة من المفاهيم بشأن مستقبل الرواية والقصة مثيرة للجدل، وعلى رأسها الرأي الذي كان منتشرا حول الرواية والقصة وهل هي لغة أم نص أم خطاب، ومن ثم فقد دعت إلى هدم مفهوم الفكرة الأساسية للعمل وملخصه، وتحلل الشخوص، والأكثر أهمية هو البنية والتقنيات، فرفعوا شعار "موت الرواية"، وأخذوا يرددونه بشكل مستمر.

توقفت عبدالحافظ تحليليا مع أعمال خوسيه ماريا ميرينو الروائية ورأت أنه أحد أهم الروائيين في القرن العشرين، لكن على الجانب الآخر كرس اهتماماً خاصاً للقصة القصيرة، وأجاد فنها وبرع فيه كأحسن ما يكون، وضاهى فيها أهم الكتاب في الأدب الناطق بالإسبانية وعلي رأسهم كلارين، وبيكر، وكونكييرو، وكيروجا، وبورخيس، وكورتاثار، الذين ورث عنهم الملكة الفريدة في تركيز نص القصة في أقل عدد ممكن من الصفحات، السمة التي يعتبرها ميرينو من أهم خصائص القصة القصيرة "إنني أفهم أن القصة القصيرة الجيدة تستلزم تغليف عالمها الخاص في مساحة من الضوء الخاص، وأن تمنح شخوصها ملكات ومواقف وأحداث، ودمج كل هذه العناصر في موضوع القصة الأساسي، أو في إلي درجة أن القارئ يجد نفسه مدفوعاً دون خيار منه لكي يصل إلي النهاية".

وأكدت عبدالحافظ إن قصص ميرينو تقدم مفهوماً موحداً لمشروعه وطريقة تشكيله، والإصرار علي كتابتها، إذ تتفتح القصة كنبتة من خلال الكلمات، مثلما يعترف ميرينو نفسه، هذه القصص تتقاسم مع الروايات الحيز الفانتازي والأسطوري ذاته لمفهوم ما وراء الأدب، وذلك بهدف عرض الحياة اليومية من خلال إعادة تمثيلها في قالب خيالي. إنه الواقع اليومي، الذي يشتمل في طياته على مناطق سرية أو غير قابلة للتفسير، أكثر بكثير مما قد تعكسه المظاهر. بشكل آخر فإن القارئ يصبح قادراً على الولوج إلى فضاءات تختلط فيها جوانب المنطق مع الكتابة الفانتازية، التي تسيطر عليها الرؤى، والأساطير، والعوالم الموازية، وما وراء الأدب، إلى جانب مادية الكتابة.

وحول مجموعته القصصية الأولي "قصص العالم السري" (1982) قالت "يستحضر ميرينو أماكن طفولته ومراهقته في مدينة ليون، بعبارة أخرى يقتحم الحياة اليومية لمن حوله من خلال قالب فانتازي, يعطي تأثيراً خيالياً ومفاجئاً لكل ما كان يبدو طبيعياً ومعتاداً. فالمكان العادي يتحول إلى مملكة سرية حدودها غير مرئية. وفي هذا العمل، يربط الكاتب بين الحقيقة والخيال، وما هو أكثر من ذلك، فإن فضاءً واقعياً لا أهمية ولا حدود ظاهرة له يتحول إلى عالم سري بلا حدود مرئية، من ناحية أخرى، فإنه يعمل - في هذا الكتاب - على إبداع عموده الفقري، أي ما هو واقعي ومتخيل، وتحديداً "عكس الجانب الواقعي".

ورأت أن الكاتب عالج الحرب الأهلية وما بعدها في عدة قصص، وخاصة في قصتي "الهارب من الجندية"، وهي حكاية رائعة تتعمق في مشاعر امرأة هرب زوجها من الجبهة في أثناء الحرب، بينما قصة " المنزل ذو المدخلين" تحول الواقع من خلال عينين مندهشتين ورؤى عدد من الصغار خلال فترة ما بعد الحرب في مدينة ليون.

وتستعيد بعض القصص الأخرى عنصر الذاكرة، التي تتسم بقدر غير قليل من الفانتازيا، كما تشمل بعض القصص أحداثاً حقيقية مثل "هؤلاء الموجودون هناك في الأعلى"، وتظهر في قصص أخري بعض الشخصيات الشهيرة في مدينة ليون، مثل خينارين، وهو سكير شهير كان معروفاً عام 1929 ظهر في قصة "خينارين والسيد المحافظ". وشخصية جوندو، سكير آخر لا تُعرف عنه تفاصيل كثيرة، ويظهر في قصة "الليلة الأكثر طولاً". وفي قصة "الرفيق" أو "المتحف" التي تركز حياة الشخصية في البحث عن الفضاء المفقود في ذاكرتهم. مع ذلك، يغلب على معظم تلك الأعمال القصصية التمجيد لعنصر الفانتازيا الشعبية، أسوة بالكاتب الإسباني الكلاسيكي بيكر، إذ تطرح مواقف غير قابلة للتفسير، وأحداثاً غير قابلة للقياس، ودائماً ما تنتهي القصص بخاتمة لا يقبلها العقل. فنرى مثلاً مولد رجل شيخ من قطعة خشب كنوع من الثأر والانتقام من أهالي بلدته. وفي قصة "الميلاد في غرفة المهملات"، تتجسد رسومات الكنيسة وتبدأ في مهاجمة من ينهبونها، بعد أن تستيقظ من سباتها، بينما في قصة "العدو في زجاجة" تنطلق عينان من زجاجة نبيذ معتق وتحدثان هلعاً مثل يوم القيامة.

وأشارت عبدالحافظ إلى إن عناصر مثل "ما وراء الأدب" والتطور الخيالي والفانتازي مثلما يحدث في بعض روايات ميرينو هي الركيزة المركزية في القصص التي يضمها كتاب "المسافر المفقود" (1990). مع ذلك، فإنه لا يلجأ إلى هذه التقنية أو أي تفنيات أدبية مجانية، بل إلى تحولات ضرورية للترتيب الحقيقي، تماماً كما يفعل الكبار كتاب الرواية الجيليقية والأميركية اللاتينية الناطقة بالإسبانية، ينطلق ميرينو من ما هو واقعي ويومي معتاد في جميع كتاباته ليخرج منه إلى ما هو مفاجئ وقادر على تغيير منطقية الأحداث المتعارف عليها، بعد ذلك تنفصل الأشياء عن واقعها الحقيقي الذي بدت عليه في بداية الأمر، لتتحول إلى كيان يبدو مشابهاً أو يمكن أن يكون. في القصة الأولي للكتاب المذكور يختلط الواقع بعملية الإبداع؛ نجد بطل العمل يسكر مجريات واقعه اليومي حين يظهر له خيال أحد المسافرين المفقودين، ويتمكن من عقله، ويملي عليه مادة أدبية يكتبها لتصبح رواية، ويتواصل الخلط بين الواقع والخيال، ويفرض منطقه الخاص، وكل ذلك في أثناء سفر ذلك الشخص المفقود إلى زوجته بمدينة مليلة.

وسرعان ما يتضح لبطل العمل أن الحياة تبدو وكأنها تتطابق مع الخيال الروائي الذي يُملي عليه على نحو عجيب، فيقلد الواقع الأدب، أو يتبع خطواته بكل صدق. وفي السياق نفسه يمكن الإشارة إلى مجموعة أخرى من القصص، هناك على سبيل المثال "كلمات العالم"، حين يتحول أحد الأساتذة الجامعيين في مجال اللغويات إلى إنسان متلعثم يفقد القدرة على الحديث، أو قصة "المشاهد المتخيلة"، حين يتحول أحد النحاتين إلى ضحية، بسبب تحول مفاجئ للعمل الذي أبدعه، ويكتسب العمل الفني واقعاً حياتياً يومياً.

ويمكن أن نضم إلى العملين السابقين أيضاً "الميدان الريفي"، و"أوكساكوالكو" بسبب تناولهما أيضا العملية الكتابية ومسيرة الإبداع الأدبي، ولكن من الضروري الإشارة إلى الوجه الماوراء أدبي، كما في قصة "الشخص المستغرق" حيث تتسلط على الكاتب شخصية البطل وواقعها الفني، فيعيش مستغرقاً في شخصية بطل الرواية خلال عملية الكتابة.

وعن عمله "قصص حي الريفوخيو" (1994) رأت عبدالحافظ أن ميرينو يصل إلى أقصى درجات النضج كراو للأحداث، فيخلق مجموعة من العوالم الخيالية لا مثيل لها، وتستكمل هذه المجموعة التقنية والخطوط الفنية العريضة التي يتبعها ميرينو، وهي تضم أغلب نقاط الرؤي التي تعرض لها في قصصه السابقة، مع التركيز على نظرته الخاصة ورؤيته للأشياء والواقع من حوله، وعملية نقل الأشياء من الحياة إلى مستوى آخر من خلال الكتابة، إذ يتحول ما هو يومي إلي إبداع خيالي، وينقلب كل ما هو معقول ومنطقي إلى مجهول ومدهش يصعب تجنبه في الوقت نفسه.

في هذه المجموعة أيضا يصل ميرينو إلى قمة نضجه كروائي، ويبدع كأفضل ما يكون تلك العوالم المتخيلة والتي لا يوجد فيها أي شيء مخطط له من قبل، ويبدو الكتاب في مجمله مفهوماً بشكل واضح، ويلخص أو يوسع رؤية أعماله السابقة، لأنه يظل وفياً لرؤيته للواقع وتمسكه بالعملية الإبداعية في مناطقها الغامضة، ويحكم المزيد من التأكيد إلى أن تصل إلى أبعد حدٍ ممكن، أي العلاقة بين ما هو معاش وما هو مكتوب، ويتحول اليومي إلى متخيل ومادة للخيال، له مظهر واقعي أكثر من الواقع المحسوس، أو أن ما هو واضح ومنطقي ينفجر فجأة في عالم مجهول.

إن القصص الثلاث عشرة تصل بإبداع المؤلف وكتابته الشخصية إلى أبعد مما أراده ميرينو من مكانة معترف بها، وهو ما يظهر في قصة "المترجم الخائن"، بينما في "حفلة" يتم الكشف عن أماكن غير معروفة من قبل، وفي "من أجل المعرفة العامة" تبدو عوالم متوازية ومتداخلة فيما بينها، أما في "المادة الصامتة" فيعرض لوجود مجموعة من الأشخاص الفضائيين، أما في قصته "الطيور" فيقدم اختفاء بعض الأشخاص على نحو غير طبيعي. ويكتنف جميع القصص المشار إليها أماكن وفضاءات لم يكشف النقاب عنها من قبل، فضلاً أجواء مثيرة ومقلقة.

ونبهت عبدالحافظ إلى أن نشر ميرينو كتابه "50 قصة وأسطورة واحدة" (1997) ضمنه بعض القصص التي لم ينشرها في كتبه السابقة، وهي ستة نصوص تساعد على اكتمال وجهة النظر الأدبية للكاتب من خلال تسليط الضوء على موضوعاته المفضلة.

وقالت "هكذا نجد قصة (عندما يستيقظ النزيل)، ترتبط بقصص أخرى له تتعلق بالفساد السياسي، ويكتسب السرد شكل التحقيق القانوني، ويطرح حدود قضية أن تكون أو لا تكون - بقاء الأشياء واختفائها - من خلال تحولات البطل واختفائه في بعض الأحيان، الذي يتحول إلى مادة فاسدة ورمز للفساد السياسي. في قصة "العراف المرتبك" نجد شخصية الأب التوراتي خوسيه، مفسر الأحلام، تصبح مادة يستغلها الكاتب لاستعادة موضوعاته التي تتناول الحدود الفاصلة بين الحلم والإغفاءة، وكيف أن الأحلام يمكنها التحكم في الواقع.

وفي قصة "الرحلة السابعة" يحل الأدبي محل الواقع، فشخصية السندباد البحري الشهيرة تتحول إلى شخص حقيقي يحمل اسم سمبا، وهو شخص من أصل عربي اعتاد السفر، وكان البطل الراوية قد انبهر بهذه الشخصية في طفولته فإذا به يفاجأ عندما يكبر بوجودها أمام عينيه.

أما قصة "صوت الماء" فتندرج في إطار النوعية التي تتناول عالم التنبؤات، وتعرض للعالم الذي يمس المنطقة الفاصلة بين الحياة والموت. وتقف قصة "فاكهة البحر" في منطقة ما بين الأسطورة والفانتازيا، فتحكي في إطار فكاهي ساخر اصطياد إحدى جنيات البحر.

وأشارت إلى أن قصة "الفقريات والجنيات" هي القصة الأقدم في هذه المختارات حسب الكاتب، ويصفها بأنها أسطورة، تتزامن مع روايته "رواية اندريس تشوث"، التي تتناول موضوع الخيال العلمي، وتتسم بطبيعة رمزية، كما تتناول صراع الإنسان من أجل البقاء، وظاهرة الانتخاب الطبيعي للفصائل الحية.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
علي سالم: يصعب تخيل التغيير المنشود دون تحرير وإطلاق طاقات وابداعات الشباب
2017-12-14
'الملائكة لا تأكل الكنتاكي' تبحث عن الهوية المسلوبة بعد فشل ثورات الربيع العربي
2017-12-13
حزامة حبايب تؤكد: ورثت ﻣﻦ أبي اﻟﻔﻠﺴﻄﯿﻨﻲ ﺣﻜﺎﯾة ﻧﺎﻗﺼﺔ
2017-12-12
باحث صيني: التاريخ والصين والعالم زوايا القيادة الجماعية لصين المستقبل
2017-12-11
أوروبيون يقرأون حضور عرب وعثمانيين في الأدب الأوروبي
2017-12-10
قراصنة المتوسط: تاريخ الأوروبيين في المنطقة مصدر مهم لسياساتهم المعاصرة
2017-12-09
في رواية 'حياة' .. الحياة أكثر تعقيداً من الموت
2017-12-08
أحمد السيد النجار: هناك تناقض موضوعي بين قوة الاقتصاد الصيني ودوره العالمي فعليا
2017-12-06
لور كاتسارو: عزوبية الفنان الحداثي الملاذ الوحيد المضاد لفكرة المستقبل
2017-12-04
يمنى طريف الخولي: هل يفترض التحرر من الموروث للبحث عن موروث آخر؟
2017-12-03
المزيد

 
>>