First Published: 2017-07-16

لا توجد أخبار جيدة، ما لم يتوقف الناس عن الصراخ

 

نحن بحاجة إلى عدد أقل من الناس يصرخون على بعضهم البعض، والمزيد من الناس الذين يستمعون إلى بعضهم البعض، وإلى أن يبدأ ذلك، لا توجد أخبار جيدة في وسائل الإعلام.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

هكذا يفترض مارك بويل، وهو كاتب نباتي مهتم بالبيئة والتواصل الطبيعي بين البشر، وحريص على أن يقضي حياة حرة في الطبيعة لا تقيدها التكنولوجيا. يرفض التكنولوجيا لأنها حسب رأيه تدمر الناس والأماكن.

أزمتنا تكمن في وسائل الإعلام التي أعادت تركيب حياتنا، لذلك جرّب بويل أن يفطم نفسه عن وسائل الإعلام برمتها ليعيش التجربة، لكن ماذا حصل بعدها. لقد أعاد اكتشاف متعة الكلام الهادئ والنقاش الودي مع الجيران والأصدقاء في المقهى القريب من منزله، بدلا من التحدث والتعليق عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

لم يكن يعتقد هذا الكائن المتمثل بالأشجار الحرة والماء الرقراق في البيئة الإنكليزية المتسقة مع الطقس، إن الأخبار في حد ذاتها أمر سيء، مع أن الأخبار لا تصبح أخبارا عند وسائل الإعلام إلا عندما تكون سيئة! لكنه لم يكن يرغب في قراءتها لأنها أصبحت مملة وأكثر ضررا على النفس، ومع ذلك، فإنه غالبا ما يفتقد مقالات الرأي في الصحافة، وخاصة تلك التي يستكشف من خلالها الأفكار التي يمكن أن تفيد العالم من حوله.

تكمن المشكلة في الأخبار المتواصلة التي لا تكل عن تغطية ما يضر بالصحافة نفسها. الأخبار تسلب من الصحافة دورها في صناعة الوعي وبث الأفكار الجديدة. لنر كيف تكون الأخبار ضارة، وفق مارك بويل، فهي تتحدث عن الإرهاب والفضائح والقتل والفساد والنمو الاقتصادي البطيء جدا والتصريحات الغبية للمشاهير، وعلينا ألا ننسى التصريحات الحكومية التي تزعم أن الحكومة تقوم بعمل عظيم!

لقد أصبح العالم سيئا بقدر كبير وساهمت صناعة الأخبار في ذلك السوء. ولهذا نشرت صحيفة الغارديان صورة تخطيطية لبويل في غابة يوقد النار بموقد من الأغصان ويحرق فيه صحيفة ديلي ميل الشعبية!

يعتقد بويل إذا كان جورج أورويل على قيد الحياة اليوم، لجعل الدمار معادلا للإبداع! بعد أن جعل في روايته 1984 الحرب هي السلام، والحرية تعني العبودية والجهل هو القوة.

اكتشف بويل أن الأخبار تشغله عما يجري حوله: الجيران، النباتات والحيوانات، الأرض التي تحت قدميه، بل كل ما يجري خارج عتبة باب منزله.

لكنه على الجانب الآخر اكتشف أيضا أنه رجل غير مسؤول لعدم مواكبته ما يحدث في العالم، أزمة اللاجئين السوريين محنة إنسانية يجب أن يكون للناس موقف واضح تجاهها، القتل العشوائي في العراق وتدمير المدن، وليس من العدل ألا يكون المرء مطّلعا على ما لا يحصى من الأزمات البيئية التي تصيب العالم.

تجاهل مثل هذه الأمور لا يمنح الإنسان القدرة على الاستجابة بشكل مناسب. ومع ذلك يدعو مارك بويل إلى صحافة بناءة وإعطاء العالم نظرة أكثر توازنا لما يحدث فيه.

سبق وأن حذر كاتب متخصص بفلسفة الاقتصاد من تأثير الأخبار على صحة الإنسان، معتبرا قراءتها تفاقم الخوف وتتسبب في العدوانية، وتعيق قدرة الدماغ على الإبداع وعلى التفكير العميق.

ونصح الكاتب السويسري رولف دوبلي في كتابه “الأخبار فن التفكير بوضوح: عمق الفكرة وعمق القرار” بالتخلي عن متابعة الأخبار وقراءتها من أجل سعادة الإنسان. وعرض دوبلي التأثير السيء للأخبار على الإنسان عبر عناوين مقترحة وقيامه بتفسير دلالتها في استعراض لقصص إخبارية.

ووصف الأخبار بأنها مضللة وحشو فارغ ولا تفسر ذاتها وتسمم البدن وتزيد من الأخطاء الإدراكية وتغزو مساحة التفكير في الدماغ، وأن الأخبار كالمخدرات، وهي مضيعة للوقت وتجعل قارئها متلقيا سلبيا وتقتل الإبداع في داخله.

واجه حينها دوبلي ردودا قاسية، واتهم بالمبالغة وطرح أفكار خطيرة لعزل الإنسان عن المحيط الاجتماعي والسياسي، ليصبح فارغا ذهنيا.

وقالت ماداين بونتنغ المحررة في صحيفة الغارديان إن أفكار رولف دوبلي متطرفة أكثر مما ينبغي، وعلينا تخيّل كيف تكون حياة الإنسان عندما ينقطع عن متابعة أخبار العالم.

إلا أن دوبلي قال إنه قرأ عشرة آلاف خبر على مدار سنة كاملة، ولم تساعده على اتخاذ قرار بشأن مسألة مهمة في حياته. بينما توصلت ماداين بونتنغ على عكس ما توصل إليه المحلل السويسري، إلى أن عدم متابعة أخبار العالم وليس الإدمان عليها تفقد الإنسان بصيرته.

ولأن مارك بويل نباتي بامتياز ويذهب بعيدا من أجل أن يكون جزءا فعليا من الطبيعة، فهو رافض للتكنولوجيا برمتها ويرى أن طريقة استهلاك الأخبار المعاصرة هي نتاج تكنولوجيا مدمرة للإنسان في النهاية.

لم يدخل في فكرة الضرر التي اقترحها العالم السويسري بشأن قراءة الأخبار، إلا أنه يرى أننا بحاجة إلى أفكار مدروسة وأكثر هدوءا وصحافة أقل إثارة وضررا، وتجاهل أخبار المشاهير التي تشتت الذهن وتزيد الإحساس بالتشكيك في شخصية الآخرين.

ويقول هذا النباتي السعيد بعزلته الطبيعية “نحن بحاجة إلى عدد أقل من الناس يصرخون على بعضهم البعض، والمزيد من الناس الذين يستمعون إلى بعضهم البعض. نحن بحاجة إلى البدء في التحدث إلى جيراننا مرة أخرى، لمعرفة كل الأشياء الجيدة والسيئة التي تحدث لهم”.

وإلى أن يبدأ ذلك، لا توجد أخبار جيدة في وسائل الإعلام.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

إن إثبات أن الكلب حيوان وفي ، يتم من خلال الإثبات انه حيوان ينبح . المشكلة ان صراخ الإنسان هو إثبات أن الإنسان لا يفهم على الإنسان. إثبات أن الإنسان وفي ، يتم من خلال الإثبات انه حيوان متمرد على التاريخ والواقع ، وليس مقولب بقوالب عدائية.

2017-07-16

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
عرض مسجد للبيع
2017-11-14
الكاتب الكبير عند وكالة رويترز
2017-11-12
تمارض هنا، ومريض ويعمل هناك
2017-11-07
عدسة كوبيرن الصحافية غير رؤية ماثيو للعالم العربي
2017-11-05
نايبول ونكهة طعام نظيرة
2017-10-31
الحكومات تريد أن تبقي الصحف على قيد الحياة
2017-10-29
الرجل كسول، ماذا عن المرأة؟
2017-10-24
الصحافة جبانة قبل أن تكون شجاعة
2017-10-22
إليسا ليست مطربة
2017-10-17
نكبة الإعلام في العراق
2017-10-15
المزيد

 
>>