First Published: 2017-07-23

مشهد واقعي لأخبار مزيفة في عصر ما بعد الحقيقة

 

كيف تسنى لدول وحكومات أن ترد على أخبار مفبركة تمس أمنها وكأنها أخبار حقيقية، وتفاقم الاتهامات وتعرض لوقائع وتداعيات على خبر مزيف، وكأنها لا تعرف ماذا يحصل في أروقة حكومتها!

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

دعونا نرسم المشهد بواقعية وكأننا نملك كاميرا دقيقة لا تحيد عن زاوية المراقبة والتوثيق، كي لا نقع في نفس فخ الأخبار المزيفة. صحيفة سويسرية مرموقة ومعروفة لدى المصادر الإخبارية الدولية، لا تدور بشأنها أي من الشكوك، تنشر تصريحا لرئيس منظمة رياضية يشغل نشاطها العالم. التصريح عبارة عن حوار لا يثير الشكوك عند قراءته، فضلا عن كونه يتناول قضية متفاعلة عن تنظيم مونديال 2022 وهي الأكثر طلبا في وسائل الإعلام.

تقوم وكالة رويترز بنشر الخبر بوصفه حدثا استثنائيا، نقلا عن الصحيفة السويسرية، وتتابع التداعيات بشأنه، وتسأل الدولة المستهدفة بالخبر، فترد بطريقة لا تشك بالتصريح المنسوب لرئيس المنظمة الدولية، بل وتدافع عن نفسها وتكيل الاتهامات لدول أخرى محرضة. يعود بعدها مصدر في المنظمة الرياضية الدولية ويدلي بتصريح خجول بأنه لم يحدث مثل هذا الأمر.

وبعد كل هذه التداعيات يتحدث محرر مسؤول في الصحيفة السويسرية، بالقول إنه لن ينفي أو يؤكد الخبر، لأن صحيفته لم تنشره أصلا! ومن نشر الخبر أيها السيد؟ هناك موقع مزيف صمم بطريقة تشبه الموقع السويسري الأصلي ونشر التصريح، لذلك لا نتحمل مسؤوليته.

تعود وكالة رويترز لسحب الخبر وتضيف خبرا معدلا تأسيسا على تصريح المحرر المسؤول في الصحيفة السويسرية، وتبرر نشرها للخبر الأول بأنه كان نقلا عن موقع الصحيفة على الإنترنت.

أنا أملك سؤالا هنا: لو قمت بنقل تصريح عن موقع وكالة رويترز نفسها، وهو موقع معتاد على تصفحه من دون محاذير مسبقة، وظهر لاحقا أن هناك نسخة مزيفة من الموقع، ماذا بوسعي أن أقول؟

أرى أن المسألة هنا تكمن في طبيعة الخبر بغض النظر عن مصدره، التجربة في عصر “ما بعد الحقيقة” علمتنا أن نزيد حساسية مجاهر الاختبار. ولهذا تبدو حساسية الدولة المستهدفة في تصريح رئيس المنظمة الرياضية، رديئة!

وإلا كيف نفسر ردها المباشر على خبر مزيف يتحدث عن قضية كبرى تمس أمنها ووضعها وكأنه حقيقة! ألا تدرك ما يدور في ملفاتها الحساسة وتنقاد إلى كل ما ينشر؟ أما كان يجدر بها أن تقول لا يوجد مثل هذا الخبر أصلا، بدلا من أن تكيل الاتهامات لاحقا لدول أخرى تأسيسا على خبر مفبرك!

الأمر لا يدعو إلى الحيرة بقدر ما يدعو إلى الهدوء في مراقبة ما ينشر اليوم، لأن هناك أكثر من مليار ناشر على الإنترنت يعبّرون عن ضغائنهم ومشاعرهم وانحيازهم، من أجل تصديق ما يقولونه.

إذا كان الناس يسقطون بسهولة نسبية في فخ الصور المُحرّفة، فإن حزمة أسئلة ثقيلة تواجه وسائل الإعلام بشأن الأخبار المزيفة! هل بات من السهولة أن تسقط وكالات أنباء كبرى وصحف مرموقة في فخ الأخبار المزيفة؟

هل بتنا كصحافيين عاجزين عن معرفة الخبر إن كان ملفقا أم صحيحا؟ هل بات علينا أن نتخلى عن مجهر الحساسية الذي رافق سنين التجربة لأنه لم يعد قادرا على اكتشاف حقيقة الأخبار، والبحث عن أداة أخرى فائقة الحساسية.

ما معنى أن تتراجع وكالات أنباء كبرى عادة تكون “فلاتر” محرريها أدق من أن يتم عبور شوائب عبرها، عن أخبار “مهمة” بعد ساعات من نشرها. بل كيف تسنى لدول وحكومات أن ترد على أخبار مفبركة تمس أمنها وكأنها أخبار حقيقية وتفاقم الاتهامات وتعرض لوقائع وتداعيات على خبر مزيف، وكأنها لا تعرف ماذا يحصل في أروقة حكومتها!

أن ترد حكومة ما على خبر مزيف وكأنه حقيقة، هو فعل معادل لنشر الخبر المزيف نفسه. الأخبار المفبركة أمر يثير الاستياء والشعور بالخيبة والضعف لدى وسائل الإعلام بعد نشرها، والفبركة تُفقد ثقة الجمهور بالمصادر وعدم الإصغاء إليها مستقبلا، أو بتعبير روث ماركوس في صحيفة واشنطن بوست “مع كون الحقائق من الموضات القديمة، فإن الخطوة التالية التي لا ترحم سوف تكون الحد من كل الأخبار إلى نفس المستوى من عدم الثقة وعدم التصديق، وإن لم يكن هناك ما هو صحيح، فيمكن لكل شيء أن يكون كاذبا”.

اليوم نراقب باهتمام ما يقوم به محرك البحث العملاق غوغل في وضع المزيد من الأدوات لمساعدة المستخدمين في معرفة الأخبار المزيفة، مواقع التواصل الاجتماعي تقوم بدور آخر، فيسبوك يدرك أن استهداف مليار مستخدم بأخبار مزيفة أكثر فعالية وأرخص ثمنا من التحدث عبر التلفاز أمام جمهور عام.

أو وفق ما يقول تشارليلي غوردان، المسوق لدى وكالة أولد كونتيننت في بروكسل “يكون استهداف فيسبوك أكثر نجاحا في الأنظمة السياسية التي تعمل بنظام المقاطعات”.

تويتر يتحرك بنفس الاتجاه بإضافة ميزة جديدة يتيح من خلالها للمستخدمين الإبلاغ عن التغريدات التي تحتوي على معلومات مضللة أو كاذبة أو ضارة.

هذا يعني أن الأمر يتسبب بقلق سياسي دولي، لا يمس الحكومة فحسب بل يمس الثقافات الاجتماعية التي تربط الناس مع بعضهم، فعندما يصبح كل شيء نسمعه أو نطالعه موضع شك، فهذا يعني أننا بحاجة إلى دماغ مضاف للعيش في وضعين، أحدهما مطمئن والآخر مشكك بكل شيء.

ولهذا يجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الكثير ممن يصدقون كلامه المشكك بوسائل الإعلام، لأن هناك بالفعل أخبارا مزيفة تم كشف مضمونها المفبرك لاحقا بعد نشرها، هكذا يتحدث ترامب “بكل مصادرهم الكاذبة غير المسماة وتغطيتهم المنحرفة بشكل كبير والمحتالة، الأخبار الكاذبة تشوه الديمقراطية في بلادنا”.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

الاسم هارب ليس من الوهم
الدولة بلاد الله

كاتب المقال كرم نعمة ليس شجاعا يتحدث عن الفيفا وقطر ولم يذكر اسمها؟ فلماذا يطالب بالحقيقة؟

2017-07-26

الاسم هارب من اشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

لا تعليق

2017-07-23

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

قوة الدولة في جهاز المخابرات ، وقوة الإعلامي في الكلمة ، من هنا ولدت رغبة الدولة في السيطرة على الكلمة. اعلاميوا الدول عبيد ، وعليهم أن يبتكروا أكاذيب جديدة كل صباح لإثبات عبوديتهم ، أليس كذالك أيها الإعلاميون الحزانا ؟!؟!. حلو والله حلو.

2017-07-23

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

متى كان هناك عصر للحقيقة ؟!؟! والتاريخ الحقيقي للحضارة الحقيقية للعقل الإنساني لم تبدأ. إن تعليم الطفل أن يحبو لا يعني أنه يمشي ، ووصول الإنسان إلى الشيخوخة في الأرض لا يعني أنه سيبدأ حياة أخرى . مشكلة الحروب العالمية الحديث عن الحقيقة.

2017-07-23

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

الاخبار الكاذبة وسيله سياسية ، والأخبار الصحيحة وسيلة تعليمية ، وهذه مفاهيم الدول الديمقراطية . في الدول الدكتاتورية: الاخبار الكاذبة وسيله سياسية صحيحة ، والأخبار التاريخية الصحيحة وسيلة تعليمية كاذبة ، لهذا السياسات التعليمية العربية كاذبه

2017-07-23

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
عبث إخباري
2017-12-10
زهايمر متعمد
2017-12-05
مليون دولار من أجل حرية الصحافة
2017-12-03
رجال دين ببدلة الأفندية
2017-11-28
الإعلام القديم يترقب ما بعد الرقمية
2017-11-26
الإنسان صار بجودة أقل
2017-11-21
الصراخ التلفزيوني تعبير عن عصر العبث الإعلامي
2017-11-19
عرض مسجد للبيع
2017-11-14
الكاتب الكبير عند وكالة رويترز
2017-11-12
تمارض هنا، ومريض ويعمل هناك
2017-11-07
المزيد

 
>>