First Published: 2017-07-25

في العراق شعب سعيد

 

أليس منطقيا أن يصطف اليوم مثقفو اليسار وراء يميني معتوه وصلف مثل نوري المالكي في الاحتفال بالنصر على الموصل؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

كان شعار الحزب الشيوعي العراقي ولا يزال "وطن حر وشعب سعيد".

ربما تبدو عبارة "لا يزال" غريبة. لقد أعلنت الأحزاب الشيوعية في العالم عن تفهمها لما شهده العالم من تحولات فتماهت مع تلك التحولات وتخلت عن شيوعيتها المطلقة. وحده الحزب الشيوعي العراقي لا يزال شيوعيا سعيا منه وراء انجاز مفردتي شعاره العتيد.

إذا ما تركنا الوطن الحر جانبا فإن الشعب يبدو اليوم أكثر سعادة مما أمل الحزب الشيوعي فيه. لقد ابتهج مثقفو ذلك الشعب بغض النظر عن أماكن اقامتهم بالنصر المؤزر الذي حققه جيش طائفي على مدينة سبق لذلك الجيش أن سلمها بطريقة سلسة لتنظيم إرهابي كانت أهدافه في تدمير ارث العراق الحضاري معلنة.

لا بأس أن يُقال إن ذلك الجيش استعاد شيئا من شرفه العسكري الذي فقده كاملا حين هرب من الموصل قبل وصول الدواعش إليها. ومع ذلك فإن ذلك الشرف المستعاد كان ناقصا حين سُمح لميليشيات لا سيطرة لجهة حكومية عراقية عليها أن ترى في المدينة المنكوبة غنيمة حرب.

كان الشعب سعيدا بذلك الجيش الذي سلم واحدة من أعظم مدن العراق التاريخية مرتين. في المرة الأولى سلمها إلى داعش وفي الثانية تخلى عنها للحشد الشعبي.

الشعب الذي كان سعيدا بجيشه عرف مثقفوه كيف يبتزون الحقيقة حين رفعوا أيديهم احتجاجا في وجه كل مَن اعترض على ما جرى. لقد أعادنا أولئك المثقفون السعداء إلى الشعار القديم "لا صوت يعلو على صوت المعركة". فلم يكن مسموحا الحديث عن خيانة نوري المالكي ولا عن النزعة الطائفية الانتقامية التي جعلت من الموصل ارضا محروقة.

تلك حرب طائفية. خططت لها إيران وألبست شيعة العراق ثوب عارها.

الزعماء الطائفيون يرفعون بأنفسهم شعار المذهب الذي يحكم فيما يلوذ أتباع ذلك المذهب بالصمت. وحين تُرتكب المجازر في العراق فإن تبعتها تقع على الطائفة التي تحكم.

هذا هو حكم التاريخ.

لا أحد في إمكانه أن يبرهن على أن أتباع المذهب الشيعي لم يكونوا مرتاحين لما فعله زعماؤهم (المفترضون) بالعراق وشعبه.

ستكون هناك وثائق صورية وكتابات تثبت تاريخيا أن الشعب العراقي كان سعيداً بخلاصه من مكتبة آشور بانيبال ومن الثيران المجنحة ومن المئذنة الحدباء ومن أسواق وحارات الموصل القديمة وجامعتها ومكتباتها ومدارسها ومساجدها ومن النمرود وقبلها من كل أثر إنساني يشي بالنزاهة في مدينة عُرف سكانها بالاستقامة.

سبق للشيوعيين العراقيين أن ارتكبوا إحدى أهم حماقاتهم التاريخية في الموصل وذلك عام 1959. فمن أجل أن يكون الشعب سعيدا نصب الشيوعيون يومها المشانق في شوارع الموصل وقتلوا كل مَن يشتبهون بفكره.

أليس منطقيا أن يصطف اليوم مثقفو اليسار وراء يميني معتوه وصلف مثل نوري المالكي في الاحتفال بالنصر على الموصل؟

من المؤسف طبعا أن يكون مفهوم الشعب السعيد قد وجد معناه في مأساة واحدة من أهم حاضنات الحضارة العراقية القديمة. ولكن الاعتراض على تلك السعادة يمكن أن يلقي بصاحبه في اتون جحيم البعث وداعش وسواهما من الوصفات الجاهزة.

بفقره ومرضه وجهله وذله واضطهاده وعزله وهامشيته ومظلوميته وفقده وتعاسته وبؤسه وقطيعيته كان يجب النظر إلى الشعب العراقي باعتباره شعبا سعيدا بالانتصار على الموصل.

للأسف كان يساريو الفكر المطلق يعبدون الطريق أمام يمينيي الفكر المطلق لكي يفرضوا وصفاتهم لسعادة تتعلق بشقاء الآخرين.

كان العراقيون سعداء لأن أهل الموصل اجبروا على العيش بتعاسة عبر ثلاث سنوات من القهر الداعشي ثم انتهوا قتلى ومشردين ومعتقلين وأيتاما.

هل كان لزاما أن تأخذ داعش الموصل معها إلى جحيمها؟

لقد اختفت داعش ومعها اختفت الموصل. ولكن ألم يُحزن اختفاء الموصل الشعب الذي سعُد باختفاء داعش؟

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
هناك مَن لا يرغب في خلاص سوريا
2018-04-21
مجاهدون ومقاومون على طاولة واحدة
2018-04-19
ما لم تكن إيران تتوقعه من السعودية
2018-04-18
اختراع إيران
2018-04-17
من أجل حرب لن تنتهي في سوريا
2018-04-16
لا أحد يسمع النداء في بلاد الجثث
2018-04-15
المعارضة السورية في أسوأ أحوالها
2018-04-14
لغز البغدادي الخفي
2018-04-12
قتلة محترفون بمزاج انساني
2018-04-11
الشهداء يسكنون دموع أمهاتهم فقط
2018-04-10
المزيد

 
>>