First Published: 2017-07-28

لا بديل من مصر

 

أمام مشاريع وقوى مثل إسرائيل وإيران وتركيا، تبرز الحاجة لمصر كموازن استراتيجي عربي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

في الذكرى الخمسة والستين للانقلاب العسكري في مصر، او ما يسمّى "ثورة 23 يوليو"، لا بدّ من طرح سؤال في غاية البساطة: اين مصر؟

لا تزال مصر موجودة، لكنّ وضع مصر بكلّ ثقلها ودورها الذي مرّ بمراحل عدّة مختلفة، يوحي بجملة من الملاحظات تصبّ كلّها عند نقطة واحدة. هذه النقطة هي انّ لا بديل من مصر ولا غنى عن مصر من اجل استعادة بعض التوازن على الصعيد الإقليمي في وقت تلعب قوى غير عربية دورها في تفتيت الشرق الاوسط وإقامة مناطق نفوذ فيه. هذه القوى هي إسرائيل وتركيا وايران في طبيعة الحال. تمتلك إسرائيل مشروعها الخاص الذي يتمثّل في منع قيام دولة فلسطينية مستقلة، فيما لدى تركيا همّ لعب دور القوّة المهيمنة في محيطها مع الترويج في الوقت ذاته لمشروع متخلّف هو مشروع الاخوان المسلمين الذي لم يجلب الّا الخراب والمصائب حيث حلّ. لعلّ افضل دليل على ذلك ما قامت به تركيا في غزّة في العام 2010. جعلت اهل غزّة، الذين يعيشون في ظلّ "الامارة الإسلامية" التي اقامتها "حماس" يعتقدون ان الحصار الاسرائيلي سيزول، فاذا به يترسّخ بفضل الدور التركي القائم على غياب ايّ فهم لحقيقة ما تعاني منه غزّة في ظلّ حكم "حماس".

امّا ايران فهي تمتلك مشروعا توسّعيا يقوم على الاستثمار في تأجيج الغرائز المذهبية وضرب المجتمعات العربية من داخل. ما فعلته ايران في لبنان وما زالت تفعله في العراق وسوريا يعطي فكرة عن سياسة لا تستهدف سوى التدمير من جهة وجعل دول عربية بمثابة جرم يدور في الفلك الايراني لا اكثر من جهة أخرى، وذلك على غرار ما كانت عليه دول حلف وارسو وغيرها في ايّام الاتحاد السوفياتي السعيد الذكر. ليس تدمير المدن العربية الواحدة تلو الأخرى، آخرها الموصل، وقبلها حلب، سوى مرآة للطموحات الايرانية.

اين مصر من كلّ ذلك؟ لا بديل من مصر. هذا واقع يفرضه التاريخ والجغرافيا على الرغم من كلّ الدور السلبي الذي لعبته "ثورة 23 يوليو" على الصعيد الداخلي وعلى صعيد المنطقة كلّها.

الحقت مصر، منذ تخلّصها من الملكية اضرارا لا تحصى بالمنطقة العربية، وصولا الى مرحلة صارت فيها القاهرة، التي كانت مدينة اشعاع للنهضة العربية، تتأثّر باي فكر متخلف مصدره الخارج، بما في ذلك قطاع غزّة. في السنوات الأخيرة من عهد حسني مبارك، صارت غزّة تؤثر في مصر وليس العكس.

لم يكن "الضباط الاحرار" الذين انقلبوا على النظام على الملك فاروق سوى حاقدين على المدينة لا يمتلكون ايّ ثقافة سياسية حقيقية تجعلهم مرتبطين بالقيم الحضارية التي جعلت من مصر نموذجا لما يمكن ان تكون عليه دولة حديثة مطلع خمسينات القرن الماضي. لم يستوعب جمال عبدالناصر، خصوصا بعد التخلص من محمد نجيب ووضعه في الإقامة الجبرية، معنى ارتباط مصر بالضفة الاوروبية من المتوسّط. اخذ البكباشي جمال عبدالناصر مصر والعرب من كارثة الى أخرى. لم يفهم معنى ان بقاء الجاليات الأجنبية في مصر اهمّ بكثير من قرار لا معنى له في المدى الطويل، مثل قرار تأميم قناة السويس. كانت القناة ستعود الى مصر بعد سنوات قليلة من صدور قرار التأميم في العام 1956. الأخطر من ذلك كلّه، ان جمال عبدالناصر لم يستطع استيعاب معنى انسحاب بريطانيا وفرنسا عسكريا من القناة وانسحاب إسرائيل من سيناء. اعتقد انّه حقّق انتصارا عسكريا على ثلاث دول دفعة واحدة. لم يتوقف لحظة عند معنى الانسحاب البريطاني والفرنسي والإسرائيلي من الأراضي المصرية وانّ هناك قرارا اميركيا اتخذه الرئيس دوايت ايزنهاور، وقتذاك، بمعاقبة الذين يقفون خلف "العدوان الثلاثي" على مصر. أراد ايزنهاور افهام كلّ من يعنيه الامر من الحلفاء ان شنّ حروب من خلف ظهر الولايات المتحدة ليس مقبولا بايّ شكل!

لم يكن من خطأ الّا وارتكبه جمال عبدالناصر الذي يعتبر المؤسس الفعلي لمرحلة الانقلابات العسكرية، علما ان الانقلاب الاول في العام 1949 كان في سوريا وقام به ضابط ارعن هو حسني الزعيم. تسبب جمال عبدالناصر في سقوط النظام الملكي في العراق. لم يرّ العراق يوما ابيض منذ اغتيال افراد العائلة المالكة في الرابع عشر من تمّوز ـ يوليو 1958. اسّس، عن طريق الوحدة التي استمرّت ثلاث سنوات، للنظام الأمني سوريا. لا تزال سوريا تعاني الى اليوم من تركة عبدالناصر والتأميمات والاشتراكية المرتجلة التي هجّرت كلّ سوري يمتلك ايّ مؤهلات من سوريا.

هذا غيض من فيض ما ارتكبه عبدالناصر الذي لم يمتلك ما يكفي من الوعي لفهم انّ لا مصلحة لمصر في معاداة الولايات المتحدة. كانت النتيجة هزيمة العام 1967 التي لا تزال المنطقة تعاني منها الى اليوم.

في الإمكان وضع كتاب عن المآسي التي تسبب بها ناصر ورجاله من أمثال عبدالحكيم عامر. لكنّ الواقع يبقى الواقع. ماذا يعني ذلك؟ يعني انّ المنطقة العربية في حاجة، هذه الايّام، الى مصر اكثر من ايّ وقت.

كان القرار العربي القاضي بإنقاذ مصر من براثن الاخوان المسلمين من بين اكثر القرارات شجاعة التي اتخذت على المستوى الإقليمي. دعمت دول عربية عدّة ثورة الشعب المصري على الاخوان في الثلاثين من حزيران ـ يونيو 2013. عاد هناك امل في مصر بعد المساعدات التي سارعت المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة والكويت الى تقديمها لمصر. ادّى القرار الذي اتخذه العرب الواعون الى انقاذ مصر. حال القرار دون سقوطها. كانت ايران تنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض على محمد مرسي وكانت تركيا تنتظر خلف الباب بعدما اصبح رئيس مصر من الاخوان المسلمين. وكانت هناك اطراف اقليمية تعتقد انّ مصر تحكم من خارج مصر وفق ما يخطط له التنظيم العالمي للإخوان المسلمين.

لا مفرّ من الاعتراف بانّ مصر تعاني من مشاكل كثيرة، يعود بعضها الى ما تسبب به الانقلاب العسكري للعام 1952، لكن ما لا بدّ من الاعتراف به أيضا انهّ لم يكن هناك بديل من انقاذ مصر والحؤول دون تحولها الى شركة مساهمة تركية – إيرانية ورئيسها مجرّد موظّف عند الاخوان المسلمين؟

تبقى مصر حاجة عربية. ليس بسبب ثقلها السكاني وموقعها الجغرافي فقط، بل بسبب الحاجة الى جيشها أيضا. تسببت مصر بكوارث كثيرة، لكنهّا تبقى حاجة، لا لشيء سوى لأنّ الامل لم يفقد بعد في امكان إعادة الحياة الى اقتصادها الذي سيظل يواجه تحديا مصيريا في أساسه الاستقرار الامني والنمو السكاني الهائل وتقلص المساحات الزراعية فضلا عن البرامج التعليمية المهترئة التي لا تنتج سوى اشباه اميين مؤهلين لان يكونوا إرهابيين بامتياز.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
ايران والكلام الاميركي السليم والجميل
2017-10-23
الفصل ما قبل الأخير في صنعاء
2017-10-22
هزيمة كركوك لم تطو المشروع الكردي
2017-10-20
الملك و'الزلزال السياسي' في المغرب
2017-10-18
اميركا تعيد اكتشاف ايران
2017-10-16
تصالح الفلسطينيين مع الواقع والحقيقة
2017-10-15
مآل 'ثورة أكتوبر'... مآل النظام الايراني
2017-10-13
بعد انتصار الحوثيين على علي عبدالله صالح
2017-10-11
الغاء الاتفاق مع ايران... من دون الغائه
2017-10-09
عن كذبة إعادة اعمار سوريا
2017-10-08
المزيد

 
>>