First Published: 2017-07-30

لبنان واميركا... والحذر

 

ترامب يحذر من حزب الله ويقرن بينه وبين داعش. ماذا يأتي بعد الأقوال؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

لعلّ آخر ما يحتاجه لبنان هو زج نفسه في صراعات إقليمية لا تسمح له تركيبته الداخلية وظروفه الراهنة بتحمّل نتائجها وانعكاساتها. لم تكن تمثيلية جرود عرسال، التي لعب "حزب الله" دور البطولة فيها، سوى فصل آخر من مسلسل يستهدف جرّ لبنان الى ان يكون جزءا لا يتجزّأ من "محور الممانعة" الذي صار اسمه "البدر الشيعي" حسب التوصيف الايراني.

هذا معناه ان يكون لبنان تابعا لإيران، حاله حال النظام السوري او الحكم العراقي الذي قبل ان يكون "الحشد الشعبي" الذي يضمّ ميليشيات مذهبية تابعة لاحزاب معيّنة، عنوانا لمستقبل العراق. الأكيد ان لبنان الذي يخوض منذ العام 1969، تاريخ توقيع اتفاق القاهرة المشؤوم، معركة المحافظة على الذات، يجد نفسه مضطرا الى اعتماد سياسة الحذر.

يبدو الحذر اكثر من ضرورة عندما يتعلّق الامر بالتعاطي مع الولايات المتحدة التي امتلكت في كلّ وقت سياسة تتجاوز لبنان وحدوده. كانت هناك دائما سياسة أميركية تنظر الى لبنان من زاوية الاهتمام بالمنطقة ككلّ بعيدا عن التفسيرات المضحكة لبعض المسيحيين اللبنانيين الذين اعتقدوا ان الانزال العسكري الاميركي على الشاطئ اللبناني في العام 1958 كان من اجل لبنان او من اجلهم، في حين انّه جاء بعد الانقلاب العسكري الدموي في العراق يوم الرابع عشر من تمّوز – يوليو من تلك السنة. كان الهدف الاميركي من الانزال عرض قوّة على الشاطئ اللبناني لطمأنة حلفاء الحلفاء الاقليميين والحؤول دون ان يكون للانقلاب العراقي فعل الدومينو في المنطقة.

في أواخر العام 1975، جاء المبعوث الاميركي دين براون الى لبنان. طوّر الغباء المسيحي فكرة انّه اتى من اجل تهجير المسيحيين منه وانّه اصطحب معه سفنا أميركية لاخذ المسيحيين الى اميركا. هل من خيال مريض يستطيع بلوغ هذا الحدّ من الهلوسة المتمثلة في سفن أميركية تتسع لمسيحيي لبنان كي ينتهوا في الولايات المتحدة او غير الولايات المتحدة؟

لم يكن من هدف أميركي في تلك المرحلة سوى ضبط الوضع اللبناني والحؤول دون مواجهة عسكرية سورية - إسرائيلية يمكن ان يتسبّب بها الوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان الذي يُعتبر نتيجة مباشرة لاضطرار البلد الى توقيع اتفاق القاهرة.

كان مسيحيو لبنان واللبنانيون ولبنان كلّه آخر هموم الإدارة الاميركية حين كان هنري كيسينجر الرجل الاساسي في واشنطن بصفة كونه وزيرا للخارجية ومستشارا للامن القومي في مرحلة انتقالية تلت استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون وحلول جيرالد فورد مكانه. كان كيسينجر يفكّر فقط في كيفية السيطرة على "مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية". وجد ضالته أخيرا في الجيش السوري بعدما ابدى حافظ الأسد استعدادا لتولي مهمة وضع اليد على كل المواقع التي كان مقاتلو منظمة التحرير موجودين فيها في لبنان. بالطبع، وضعت إسرائيل لاحقا ما سمّته "الخطوط الحمر" لانتشار الجيش السوري في لبنان. كانت "في حاجة الى الاشتباك بين وقت وآخر مع الفلسطينيين في جنوب لبنان". عزت ذلك الى اسباب مرتبطة بتفاهم ما مع النظام السوري على بقاء جبهة الجنوب مفتوحة لأغراض تخدم الجانبين، خصوصا بعدما استتب الهدوء التام على جبهة الجولان منذ العام 1974.

لا حاجة الى العودة الى مرحلة الوجود السوري في لبنان والى حرب 1982 التي شنتها إسرائيل من اجل اخراج المقاتلين الفلسطينيين من لبنان. لا حاجة بالطبع الى التذكير بان لبنان كان الخاسر الاوّل في تلك الحرب ولا الى الوعود الاميركية الى الرئيس امين الجميّل التي بقيت مجرّد وعود. عند اوّل هجمة على السفارة الاميركية في بيروت، وهي عمل ارهابي تلاه تفجير مقرّ "المارينز" قرب المطار، انسحبت الولايات المتحدة من لبنان.

كانت اميركا في عهد رونالد ريغان تعرف جيدا من وراء تفجير سفارة بيروت ومقرّ "المارينز" في العام 1983. لم تفعل شيئا. فضلت الانسحاب وترك لبنان للنظامين السوري والإيراني وذلك في وقت بدأت طهران تعزز وجودها في لبنان بكل الوسائل الممكنة.

كذلك، لا حاجة الى العودة الى ما تعرّض له لبنان في العام 1990، حين جددت الإدارة الاميركية للوصاية السورية في لبنان مكافأة لحافظ الأسد على مشاركته في حرب تحرير الكويت الى جانب الجيش الاميركي.

من يسمع كلام الرئيس دونالد ترامب لدى استقباله رئيس مجلس الوزراء اللبناني سعد الحريري يدرك ان الإدارة الاميركية تدرك تماما ما هو "حزب الله" وما يشكله من تهديد للبنان واللبنانيين وللمنطقة ككلّ. كان مهمّا ان يجمع ترامب بين الارهابين السنّي والشيعي وان يصف "حزب الله" بطريقة دقيقة. لم يفرّق بين "داعش" السنّي و"الدواعش" الشيعية. اظهر في الوقت ذاته ان ادارته ليست مستعدة للتغطية على ما ترتكبه ايران وميليشياتها المذهبية في المنطقة من اجل حماية المفاوضات في شأن ملّفها النووي، على غرار ما فعل باراك أوباما. كان الاتفاق في شأن الملفّ النووي الايراني هدفا بحد ذاته لاوباما. يمكن ان يكون ترامب مستعدا للتعايش مع هذا الاتفاق، كما يمكن ان يتخلّص منه يوما.

ليست لدى ترامب عقدة ايران. على العكس من ذلك، يبدو انّه يعرف، مع الرجال الأساسيين في ادارته، ما هو الدور الايراني في مجال الاستثمار في اثارة الغرائز المذهبية وتأجيجها. كلّ ما يصدر عن الرئيس الاميركي كلام سليم، بما في ذلك موقفه من بشّار الأسد ونظامه. ولكن هل ما يشير الى انّ الإدارة الاميركية ستنتقل من الكلام الى الاعمال... ام تبقى مجرّد متفرّج على ما يدور في المنطقة تاركة لبنان لمصيره في ظلّ غياب أوروبي فاضح وقناعة عربية، تزداد يوما بعد يوم، بانّ البلد وقع تحت الوصاية الايرانية؟

من حقّ الرئيس سعد الحريري ان يكون في غاية الحذر، خصوصا ان الهدف بالنسبة اليه هو حماية لبنان. وحده الحذر يسمح للبنان بحماية ما بقي من مؤسساته، بما في ذلك مؤسسة الجيش اللبناني. هذا الحذر الضروري سمح بتفادي الفراغ الرئاسي في لبنان وسمح للبلد بكسب بعض الوقت في انتظار انتخابات نيابية قد تجري او لا تجري في ايّار - مايو 2018. هذا الحذر أتاح للبنان فسحة التفكير في كيفية العمل من اجل ان لا تكون العقوبات الاميركية على "حزب الله" عقوبات على المصارف اللبنانية التي تشكل بالفعل العمود الفقري للاقتصاد اللبناني.

لا شكّ ان لبنان في وضع غير مريح. كان سيكون في وضع أسوأ لو لم يعتمد سعد الحريري الحذر. فترامب نفسه في وضع قلق. كذلك، ان الصعوبات التي يواجهها تزداد يوما بعد يوم، خصوصا بعد تمرّد الحزب الجمهوري عليه وقرر فرض عقوبات جديدة على روسيا. وهذا تطوّر لا يمكن الاستخفاف به ويفرض طرح أسئلة من نوع هل السياسة الواضحة للرئيس الاميركي تجاه ايران وادواتها وتجاه النظام السوري ستجد ترجمة لها على ارض الواقع بما يعزز دور مؤسسات الدولة اللبنانية ام تبقى كلاما جميلا لا اكثر؟ انّه كلام كان يقوله رونالد ريغان قبل ان يترك لبنان لمصير بائس، في ليلة ليس فيها ضوء قمر، تحت رحمة النظامين في سوريا وايران؟

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
ايران والكلام الاميركي السليم والجميل
2017-10-23
الفصل ما قبل الأخير في صنعاء
2017-10-22
هزيمة كركوك لم تطو المشروع الكردي
2017-10-20
الملك و'الزلزال السياسي' في المغرب
2017-10-18
اميركا تعيد اكتشاف ايران
2017-10-16
تصالح الفلسطينيين مع الواقع والحقيقة
2017-10-15
مآل 'ثورة أكتوبر'... مآل النظام الايراني
2017-10-13
بعد انتصار الحوثيين على علي عبدالله صالح
2017-10-11
الغاء الاتفاق مع ايران... من دون الغائه
2017-10-09
عن كذبة إعادة اعمار سوريا
2017-10-08
المزيد

 
>>