First Published: 2017-07-30

مَن يشتري روسيا

 

أنقذ بوتين أوروبا من حيرتها وهي التي لا تملك مقومات القطب الذي يقف في طريق الولايات المتحدة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

هناك الكثير من الجهل بحقائق التاريخ في التعامل مع روسيا، كما لو أنها من اختراع بوتين.

ولطالما تم النظر إلى الرئيس الروسي باعتباره ضيفا طارئا على الكرملين هو أقل من يكون مؤهلا للوقوف أمام الغرب.

نسي الكثيرون أن روسيا هي الدولة التي حكمت الاتحاد السوفييتي يوم تم تأسيس مفهوم توازن الرعب على أساس السباق النووي.

لم يكن تخيل احتضار روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في محله. ذلك لأن الروس فاجئوا العالم بفلاديمير الثاني بعد لينين وهو بوتين.

لم يرث رجل المخابرات السابق النظام الشيوعي وحده بل ذهب في حفرياته السياسية إلى النظام القيصري ليرثه.

قيصر روسيا الجديد كان أوروبيا أكثر مما كانت أوروبا تتطلع إليه، غير أنه في الوقت نفسه كان حازما في التعامل مع أوروبا على أساس المسافة التي تفصلها عن الولايات المتحدة.

من وجهة نظر بوتين فإن الغرب لم يكن واحدا ولن يكون كذلك. هناك أوروبا وهناك الولايات المتحدة. وهما طرفان مختلفان لا طرف واحد.

كان ذلك التصنيف أمرا مريحا بالنسبة لأوروبا وهو ما يسر لبوتين مسألة قبول روسيا أوروبيا بالرغم من الاستياء الأميركي.

وقد لا يكون نوعا من المبالغة القول إن بوتين كان قد أسعد الأوروبيين بمغامرة إعادة ضم جزيرة القرم إلى روسيا. وهي أرض روسية أصلا.

ما فعلته روسيا بثقة في القرم أكد لأوروبا أن بوتين لم يكن رجل دولة وهو ما كانت تأمله الولايات المتحدة بل كان رجل تاريخ وهو ما كانت أوروبا تنتظره وفي حاجة إليه.

يكمن السر في ذلك أن العالم كان في حاجة إلى استعادة توازنه من خلال وجود قطبين. لقد شعرت أوروبا بيتمها حين انفردت الولايات المتحدة بالعالم باعتبارها القطب الوحيد الذي يحكم.

أنقذ بوتين أوروبا من حيرتها وهي التي لا تملك مقومات القطب الذي يقف في طريق الولايات المتحدة.

مع بوتين عادت روسيا قوة كبرى.

يضحك الكثيرون على أنفسهم حين يتحدثون بلغة المافيا الروسية.

روسيا التي وهبت البشرية بوشكين وغوغول وتشيخوف وباسترناك وتروتسكي وجايكوفسكي وكاندنسكي وازنشتاين هي ليست خطأً في التاريخ.

تحدث أحيانا أخطاء في الجغرافيا غير أن التاريخ كفيل بتصحيحها.

حين ظهرت روسيا في سوريا بدا الأمر كما لو أن العالم يستيقظ على واحدة من حقائقه الضاربة في عمقها. بالنسبة لأوروبا كانت روسيا تعيد الميزان إلى صوابه. كانت روسيا تعيد رسم الخرائط السياسية بما يتناسب مع نظرية القطبين وهي النظرية الضرورية من أجل أن يبقى الغرب منقسما على نفسه.

لقد انقذت روسيا الغرب من عاره في سوريا. ذلك لأنها منعت سوريا من الانزلاق إلى مصير العراق المظلم الذي صنعته الولايات المتحدة.

في تلك النقطة بالتحديد هناك مَن راهن على غرق روسيا في المستنقع السوري. غير أن ما أنجزته روسيا في سوريا على مستوى محاربة الإرهاب كان درسا عظيما للغرب بشكل عام وللولايات المتحدة بشكل خاص.

أدارت روسيا الحرب في الوقت الذي كانت ترسم فيه مخططها لمستقبل الصراع في سوريا كما في المنطقة.

لقد حيد الحزم الروسي الكثير من الجماعات المعارضة المسلحة حين وُضعت تركيا على الرف وبعدها أخذت إيران بالاختفاء تدريجيا من المشهد.

انجاز مزدوج بارع في حبكته، غير أنه في الوقت نفسه كان تعبيرا حقيقيا عن رغبة صادقة في انقاذ سوريا من الفوضى لتي لحقت بها بسبب مشاريع الدول التي تدعي صداقة الشعب السوري.

وكما يبدو فإن بوتين الذي انتزع النصر في سوريا من قبضة الغرب كان قد خطط لبقاء روسي طويل في المنطقة. الامر الذي لا يملك الغرب له ردا بالرغم من كل ما ينطوي عيه من تغيير للخرائط السياسية.

الارتياح الأوروبي الصامت لخطوات بوتين يقابله انزعاج أميركي صارخ لا من روسيا وحدها بل وأيضا من أوروبا. وهو ما يؤكد أن روسيا تظل حاضرة في البيت الغربي باعتبارها خصما ضروريا وهي ليست مجرد ضيف عابر.

 

فاروق يوسف

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

عدم التعاون بين الجميلين لا يعني نقصان في جمالهما. قبح الحضارات والثقافات والصناعات في الصراع على الأخذ لك شيء. عطاء الحضارات والثقافات والصناعات جبري لإنتاج حضارة خط التجميع الأمريكية الروسية لتعديل الحضارات.

2017-07-31

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
أمام برج ترامب
2017-10-22
خبراء ولكنهم اسمعونا ما نحب سماعه
2017-10-21
لماذا مسعود؟
2017-10-18
أليست هناك أميركا أخرى؟
2017-10-17
لا تنتظروا شيئا من أميركا
2017-10-14
أميركا التي تكره أميركا التي ينبغي أن نحبها
2017-10-12
أميركا فوق، أميركا تحت
2017-10-10
خانه شركاؤه ولن ينصفه التاريخ
2017-10-09
رئيس يودع رئيسا والعبرة في وداع العراق
2017-10-07
لغة الآي آي في التايم سكوير
2017-10-06
المزيد

 
>>