First Published: 2017-07-30

صحافة تهتف مع المشجعين

 

في كل مرة تذكر بعض وسائل الإعلام شيئا لطيفا عن رجال دين يبغضون الحرية ويشجعون التخلف، أو عن سياسيين فاسدين، يفقد الجمهور هدوءه وثقته بوسائل الإعلام برمتها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

يفترض كورنيل ساندفوس، أستاذ الإعلام والصحافة في جامعة هدرسفيلد، شمالي إنكلترا، وجود مشجعين سياسيين كالمشجعين الرياضيين، وهو أمر معتاد فعلا، لكن أن يتصاعد مفهوم المشجعين عند وسائل الإعلام، فهو يعني بالضرورة سقوطها في هوة الصوت الذي لا يتوقف عن الصراخ، فلا يفهم منه أحد شيئا.

مشجعون صحافيون، ظاهرة غير مفهومة في وسائل الإعلام اليوم إلا بحدود خضوعها إلى المال بغض النظر عمن تشجع تلك الوسائل ومتى وإلى أي حد، إنها تستمر بالتشجيع حتى يتوقف المموّل عن رفدها بالمال، لتذهب إلى فريق أخر، وليس مهما بعدها مواقف ما كانت تشجه بالأمس وإن كان نقيضا لما تشجعه اليوم، المال دافع للتشجيع حتى ينضب.

في كل مرة تذكر بعض وسائل الإعلام شيئا لطيفا عن رجال دين يبغضون الحرية ويشجعون التخلف، أو عن سياسيين فاسدين، يفقد الجمهور هدوءه وثقته بوسائل الإعلام برمتها.

لسوء الحظ، نسبة مؤثرة من وسائل الإعلام انضمت إلى جوقة الفاسدين ورجال الدين المتخلفين، لذلك سيجد الجمهور وسيلة أخرى للحصول على المعلومات، في الأحرى قد وجد فعلا تلك الوسيلة أو في الطريق النهائي إليها.

فإلى أي مدى دبّ الضعف والوهن في متن وسائل الإعلام بعد انضمامها إلى جوقة المشجعين، بينما دورها الحقيقي أن تكون على المنصة العليا ويزداد المشجعون حولها يوما بعد آخر.

ليس صعبا معرفة لماذا نزلت وسائل إعلام إلى ارض المشجعين وصارت منهم وتركت منصتها، التمويل يجد الجواب الشافي، وليس صحيحا القول إن وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت وحدها من أصاب وسائل الإعلام في مقتل وجعلها متأخرة جدا في العصر الرقمي.

الأموال التي صارت بيد السياسيين الفاسدين ورجال الدين دفعت وسائل إعلام إلى أرض المشجعين ليس إلا.

تجمع عناوين وتحليلات ومشاهد وسائل إعلام اليوم، على الهتاف والصراخ وكأنها في مباراة ملاكمة، وليس مهما في نظرها أن تتلاشى فكرة صناعة المعلومة والحياد واحترام وعي القارئ.

ومع أن التشجيع وفق سايمون كوبر الكاتب في صحيفة فايننشيال تايمز، يعمل بشكل أفضل في الأنظمة السياسية المكوّنة من حزبين مثل الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة، لأنها تُحاكي شكل “نحن-ضدهم” في الرياضة.

لكن في الإعلام لا يمكن أن تكون مجرد مشجّع وإنما أيضاً “مشجّع مناهض” وليس من أجل هذا وجدت وسائل الإعلام.

يريد مشجعو نجوم الموسيقى والرياضة أبطالا يهتفون لهم بحماس ومتعة ويتألمون عند خسارتهم، لكن حتى هذا الشعور غير متاح للصحافة عندما تنزل إلى دور المشجع وتغادر دورها التاريخي الصلد الحامي لقيم الديمقراطية والمانع لتغوّل الفساد والمراقب لأداء الحكومات.

ليس بمقدور أي وسيلة إعلام أن تجد شخصية سياسية أو دينية ساحرة لتكون في جوقة المشجعين لها، لأنها في واقع الأمر تقوم بدور لم يرسم لها مطلقا، لذلك ستبقى مشجعة وحيدة تصرخ حتى ينتهي المال المموّل لصراخها.

في العراق وجدت “صحافة المشجع” بامتياز وكانت تصرخ بمال المموّل كوقود يضخ في جسدها، لكنها انطفأت بمجرد توقف ضخ هذا الوقود الفاسد بعد أن هبطت أسعار النفط وانكشف اقتصاد البلاد الريعي.

تكاد تكون وسائل الإعلام في العراق أنموذجا فاسدا في ذلك بحكم الرثاثة السياسية التي تحكم البلاد، لكن من السهولة بمكان تشخيص مثل هذا الإعلام الهابط حتى في أعرق الديمقراطيات.

إذا كان التشجيع يمنح الناس هوية، فإنه مع الصحافة يكون قد وضعها في طبقة ضحلة وآيلة إلى الموت مع استمرار الإهمال من قبل الجمهور.

“الصحافة المشجعة” لا تحقق ذاتها بصراخ التشجيع بل تنصاع لرغبة المموّل الفاسد وتجعل من الأكاذيب حقائق والمزاعم وقائع، في زمن لم يعد يخفى فيه على الناس شيء، ولأن هذه الصحافة تدرك الدور المطلوب منها، فأنها ستبقى تمارس الصراخ حتى ينتهي وقودها.

تقول جوان سي ويليامز مؤلفة كتاب “الطبقة العاملة البيضاء”: نحن لا نقول “أنا أحب فريق سين لأنني أعتقد أن رمية مهاجمه بارعة، بل نقول أنا أحب فريق سين لأنني أحبهم بشدة” ومثل هذا التفسير غير متاح لصحافة التشجيع لأنها تدرك أن تشجيع السياسيين ورجال الدين الفاسدين، ليس لحبها الشديد لهم كما هو حال مشجعي الفرق الرياضية، بل لأنها تنصاع لأموالهم.

المشجعون المتشددون يتمسكون بفخر بفريقهم في المِحن وعند الهزائم القاسية. لكن الصحافة المشجعة تتخلى عن سياسيّها لمجرد توقف المال، وتظل تبحث عن سياسي أو رجل دين آخر لتشجعه!

مع ذلك علينا أن نحذر، لأن معظم “المشجعين الصحافيين” هم في الواقع مؤيدون عرضيون لا ينفعون الجمهور ولا الذي يشجعونه، فعندما تبقى وسيلة إعلام تمارس الصراخ طوال الوقت لا أحد يجد متسعا للاستماع إليها، لأن الصراخ عاجز عن صناعة الأفكار.

في كل الأحوال، الجمهور لا يثق بصحافة التشجيع، وكذلك المموّل الفاسد لأنه بمجرد إيقاف التمويل ستغيّر هذه الصحافة ولاءها وتبحث عن سياسي آخر فاسد لممارسة فعل الصراخ عن إنجازاته.

في أوج أزمة الصحافة التي دخلت السوق المريضة منذ منتصف تسعينات القرن الماضي، كان كل الذين يؤمنون بالدور النير للصحافة يعوّلون على القرّاء الأوفياء الذين لن يتخلوا عن صحفهم، بعد أن تقدم لهم المحتوى المتميز، ولم يعوّلوا كثيرا على المعلنين لإنقاذ الصحافة. لكن صحافة التشجيع لا تمتلك القدرة على التفكير في المحتوى المتميز لتنقذ نفسها، لأنها وجدت أصلا من أجل المحتوى الرديء.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

الاستقالة: تنبع من عدم جدوى الحاضنة أو المحضون. الإعلام المدجن كديك يصيح لاسماع النيام من القطيع خروج الشمس من الغرب على أنه زوال للنهار. الإعلام مثل السياسيين وأجهزة المخابرات أبطال مسرحية إدارة القطيع حتى لا يضيع.القطيع يأكل لكي يضيع.

2017-07-31

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
أحتفظ بربطة عنقي احتراما لقواعد اللغة
2017-09-19
ماذا يحدث عندما تتوقف الصحف عن الإصدار
2017-09-17
قلوبنا أقل جودة
2017-09-12
لا توجد دروس في التاريخ تتعلمها الصحافة
2017-09-10
شكرا يا عمر!
2017-09-05
الشعور السيء يمكن أن يكون جيدا!
2017-08-29
انحياز عقلي في عالم ما بعد الحقيقة
2017-08-27
تلفزيون الواقع العربي
2017-08-20
كاظم الساهر نجمة عالية في علم العراق الوطني
2017-08-15
الأخبار بيئة صعبة تبحث عن هوية
2017-08-13
المزيد

 
>>