First Published: 2017-08-02

قطر من خلال واجهاتها الزجاجية

 

ما لم يعد السعوديون والاماراتيون النظر في حساباتهم تحت طائلة الشعور بالذنب العاطفي الذي تؤسس له قطر من خلال دعايتها النفسية، فإن دولة الغاز لن تخرج من مأزقها في وقت قريب وقد لا تخرج منه أبداً.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

كما لو أنها كانت مستعدة لحرب طويلة الأمد بدت دولة قطر ومنذ اليوم الأول للأزمة بتجهيز أسلحتها الناعمة بمواد وأدوات ليست دفاعية.

وليس صعبا التعرف على هدفها حين امتنعت عن الرد على الاتهامات المباشرة التي وُجهت إليها وإن أظهرت استعدادها للحوار الذي يعرف الجميع أن لا طائل منه بسبب عبثيته.

لقد اجتهدت قطر في تشييد متاهة انفقت عليها خلال وقت قياسي ملايين الدولارات مجندة في سبيل ذلك مراكز أبحاث ودراسات وخبراء وعلماء نفس وسياسيين متقاعدين وحقوقيين من أجل أن تكون تلك المتاهة محكمة الصنع، بحيث تعجز دول المقاطعة عن الخروج منها.

وإذا ما كانت قطر قد رفضت المطالب التي تقدمت بها الدول التي اتهمتها برعاية الإرهاب فإنها لم تستند في ذلك الرفض إلى براءتها من الاتهامات بقدر ما حاولت أن تؤكد أن أفعالها التي دفعت الآخرين إلى الغضب منها لم تكن ذنوبا تستحق من أجلها أن تُعاقب، بل هي إنجازات مهمة في مجالي حقوق الإنسان وحرية التعبير.

لم تدخل قطر في التفاصيل غير أنها لم تنكر انحيازها النضالي إلى جماعة الاخوان المسلمين وضمناً كل الجماعات الارهابية المسلحة التي تخرج أفرادها من مدرسة الإخوان كما أنها اعتبرت التحريض على العنف والدعوة إلى الفوضى ونشر بيانات التنظيمات الإرهابية نوعا من حرية التعبير.

لم تقترب من مسألة تمويل الجماعات الإرهابية غير أنها اعترفت أنها فعلت في ذلك المجال ما فعله الآخرون.

في كل ذلك لم تكن قطر معنية بإثبات براءتها من التهم الموجهة إليها، كما لو أن تلك البراءة كانت أمراً مفروغا منه. وهي الخطوة الأولى التي القتها قطر في طريق ستكون طويلة من وجهة نظرها. وهي كذلك بالنسبة للآخرين الذين لا أعتقد أنهم توهموا أن قطر ستنسف ماضيها وتعود إلى ما كانت عليه قبل أن تدخل طرفا في المحافل السرية.

وقد لا يبدو سرا أن قطر لا ترغب في استعادة علاقتها بدول المقاطعة ولا في رضا تلك الدول بقدر ما تسعى إلى إبعاد شبهة الإرهاب عنها.

لذلك عمدت من خلال أسلحتها الناعمة إلى الإيحاء بإن الدول العربية الاربع قد وقعت في مأزق حين قاطعت قطر وهي حائرة اليوم في إمكانية الخروج من ذلك المأزق.

شيء من السذاجة ممزوج بطول النفس الذي يستند إلى ثروات طائلة لا يمكن أن تنفد هو ما يجعل ذلك التخريج واقعيا. فقطر التي صارت ترفع شعار المظلومية التي لحقت بشعبها بسبب "الحصار" الذي فرض عليها تدرك جيدا أنها ليست محاصرة.

من كل مكان تصلها البضائع وطائراتها المدنية تصل إلى كل مكان.

غير أن ما يخيفها حقا أن تتم مراقبة نشاطها المالي بعد أن تغولت في أسواق المال العالمية.

مشكلة قطر أنها لن تستطيع استرضاء العالم ما دامت هناك أياد مرتفعة احتجاجا على نشاطها في تمويل الإرهاب.

من شأن شبهة الإرهاب أن تدفع أطرافا كثيرة إلى الامتناع عن التعامل مع قطر. كما أن ذلك سيكون سببا لكي تضع المصارف العالمية التحويلات القطرية بين قوسين. وهو ما يدفع بالقطريين إلى الضغط من خلال أسلحتهم الناعمة على السعوديين والاماراتيين بالذات من أجل دفعهم إلى الشعور بعبثية مسعاهم.

ما لم يعد السعوديون والاماراتيون النظر في حساباتهم تحت طائلة الشعور بالذنب العاطفي الذي تؤسس له قطر من خلال دعايتها النفسية، فإن دولة الغاز لن تخرج من مأزقها في وقت قريب وقد لا تخرج منه أبداً.

حتى اللحظة فإن قطر تدافع عن نفسها عن طريق الهجوم ولكن أحدا من الأطراف المناوئة لها لن يضره في شيء ذلك الهجوم. لسان حال تلك الأطراف يقول "لو أن قطر دافعت عن نفسها لوجدت من يتعاطف معها".

ما لا تفكر فيه مراكز البحوث والدراسات التي اعتمدت دولة قطر نصائحها أن هناك دولا محيت وشعوبا شردت بسبب الإرهاب التي تُتهم قطر بتمويله.

واجهات قطر الزجاجية يمكن أن يكسرها حجر واحد يرميه طفل يتيم ومشرد.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
أمام برج ترامب
2017-10-22
خبراء ولكنهم اسمعونا ما نحب سماعه
2017-10-21
لماذا مسعود؟
2017-10-18
أليست هناك أميركا أخرى؟
2017-10-17
لا تنتظروا شيئا من أميركا
2017-10-14
أميركا التي تكره أميركا التي ينبغي أن نحبها
2017-10-12
أميركا فوق، أميركا تحت
2017-10-10
خانه شركاؤه ولن ينصفه التاريخ
2017-10-09
رئيس يودع رئيسا والعبرة في وداع العراق
2017-10-07
لغة الآي آي في التايم سكوير
2017-10-06
المزيد

 
>>