First Published: 2017-08-04

مقتدى الصدر في السعودية... يظلّ حدثا

 

تدخل السعودية على العراق من بوابة مقتدى الصدر ولكن من دون تجاهل الابواب والمسائل الأخرى التي يمكن الرهان عليها من نوع فشل المشروع الإيراني.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

بكل مقياس من المقاييس، كانت زيارة الزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر للمملكة العربية السعودية في غاية الاهمّية، خصوصا انّه التقى نائب الملك وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان في جدّة، على الرغم من انّ مقتدى لا يشغل منصبا رسميا.

لا شكّ ان الخطوة السعودية المتمثلة في استقبال مقتدى الصدر في غاية الذكاء، إضافة الى ان توقيتها كان مناسبا، على الرغم من انّ ثمّة من يعتبر انّها تأخرت كثيرا. وهذا قول يمكن ان يكون مثار اخذ وردّ طويلين اذا اخذنا في الاعتبار انّه سبق للسعودية ان أرسلت الى بغداد سفيرا، هو ثامر السبهان، ما لبث ان تعرّض لحملة قوية رافقتها تهديدات أدت الى سحبه. ولكن، ما يبقى ثابتا قبل كلّ شيء انّ لا عداء سعوديا للعراق والعراقيين بغض النظر عن الطائفة والمذهب والمنطقة والقومية. اضافة الى ذلك، هناك تململ عراقي، ليس معروفا بعد الى ايّ حدّ سيبلغ مداه، من الوجود الايراني الضاغط ومن الأحزاب المذهبية التي رعتها وما زالت طهران ترعاها من اجل تكريس واقع جديد لا عودة عنه في العراق تحت لافتة "الحشد الشعبي". يمثّل "الحشد" في الواقع امتدادا لـ"الحرس الثوري" الايراني في الأرض العراقية لا اكثر.

كان لا بدّ من خطوة سعودية جديدة لتأكيد المؤكّد لجهة انّ المملكة منفتحة على كلّ ما من شأنه تطوير العلاقات السعودية – العراقية في وقت تمرّ فيه المنطقة في مرحلة في غاية الدقّة. في أساس هذه المرحلة التي تصب في إعادة تشكيل الشرق الاوسط، بما في ذلك منطقة الخليج، الزلزال العراقي الذي بدأ في العام 2003 والذي لا تزال المنطقة كلّها تعيش في ظلّ تداعياته.

سارعت ايران في 2003 الى وضع يدها على العراق. حصل انكفاء عربي عن هذا البلد الاساسي، بل المحوري، خصوصا ان إدارة جورج بوش الابن خاضت الحرب الهادفة الى اسقاط نظام صدّام حسين بمشاركة إيرانية واضحة. الاهمّ من ذلك كلّه، ان ايران لم تكتف بالحلول مكان الاحتلال الاميركي بعدما عملت على ازاحته، بل ساهمت بشكل مباشر في اختراق كل المؤسسات العراقية او تدميرها من جهة وتغيير طبيعة العراق ومدنه، بدءا بالبصرة القريبة منها، من جهة أخرى.

يمثّل مقتدى الصدر حالة عراقية لا يمكن الاستهانة بها بغض النظر عن مزاجيته والشكوك في مدى قدرته على الذهاب بعيدا في السير في خط مستقلّ عن ايران. لكنّ ما لا يمكن الاستخفاف به انّه يمتلك قدرة على تجييش قسم لا بأس به من العراقيين وتعبئتهم ليس من زاوية شيعية فحسب، بل من زاوية عربية أيضا. هل يمكن الرهان على مقتدى الصدر، ام ان مثل هذا الرهان يفترض ان يكون على مسائل أخرى في الوقت ذاته؟

ما يطرح هذه المسائل التي قد يجوز الرهان عليها الصعوبات التي تواجه المشروع الايراني في العراق. قام هذا المشروع على الحاق العراق بايران بموافقة أميركية. كان ابرز تعبير عن هذه الموافقة مؤتمر المعارضة العراقية الذي انعقد في لندن في كانون الاول – ديسمبر من العام 2002، أي قبل أربعة اشهر من بدء الحملة العسكرية على العراق. لولا ايران، لم يكن في الإمكان عقد هذا المؤتمر، الذي اشرف عليه مسؤولون اميركيون وقتذاك. كان هناك الضوء الأخضر الايراني لانعقاد المؤتمر. قبضت ايران سلفا ثمن الضوء الأخضر اذ سمحت بمشاركة فصائل شيعية فيه. صدر عن المؤتمر بيان يشير الى "الأكثرية الشيعية" في العراق. حصلت ترجمة عملية لهذه العبارة لاحقا حين حل المفوض السامي الاميركي بول بريمر الجيش العراقي وحين تشكّل "مجلس الحكم الانتقالي" الذي كرّس تهميش السنّة العرب في العراق.

يكاد يمرّ خمسة عشر عاما على مؤتمر لندن. الثابت الوحيد انّ العراق لن تقوم له قيامة. كان العراق مفيدا جدا لإيران وخشبة خلاص لاقتصادها في مرحلة ارتفاع أسعار النفط. استطاعت ايران الاستفادة الى ابعد حدود من موارد العراق ومن مليارات الدولارات التي جناها البلد في مرحلة كان فيها سعر برميل النفط يزيد على مئة دولار.

لعلّ اهمّ ما فعلته ايران في العراق منذ 2003 لا يتمثل في القضاء على المدن، بدءا بالبصرة وانتهاء بالموصل، مرورا ببغداد طبعا. يظلّ اهمّ ما فعلته هو التخلص من الوجود الاميركي، بعدما استسلم لها باراك أوباما من جهة، وخلق قوى تابعة لها مباشرة مثل ميليشيات "الحشد الشعبي" من جهة اخرى. هذا النموذج، الذي اسمه "الحشد الشعبي" هو ذلك المطلوب تعميمه في المنطقة كلها، في العراق وسوريا ولبنان واليمن وحيث امكن.

تدخل السعودية على العراق من بوابة مقتدى الصدر ولكن من دون تجاهل الابواب والمسائل الأخرى التي يمكن الرهان عليها أيضا من نوع فشل المشروع الايراني الذي ليس لديه ما يقدّمه للعراق باستثناء نشر البؤس والتخلّف والميليشيات المذهبية التي كان تدمير الموصل آخر إنجازاتها.

سيبقى في نهاية المطاف سؤال محيّر، يترافق بالطبع مع أسئلة أخرى من نوع هل من افق للمشروع الايراني في العراق، بل في داخل ايران نفسها؟

هذا السؤال المحيّر مرتبط بإدارة ترامب وموقفها الفعلي من ايران. الى ايّ حد ستكون هذه الإدارة واعية للدور الذي تلعبه ايران انطلاقا من العراق في نشر كلّ أنواع الفوضى في المنطقة وفي كلّ اتجاه من الاتجاهات. ليس ما يشير، الى الآن، الى استيعاب أميركي في العمق للدور التخريبي الذي تلعبه ايران وذلك على الرغم من كلّ التصريحات الصادرة عن كبار المسؤولين في إدارة ترامب. ولكن هل يعني ذلك الاستسلام العربي لإيران في العراق؟

من هذا المنطلق، كان استقبال محمّد بن سلمان لمقتدى الصدر حدثا بحد ذاته. اعطى الاستقبال بعدا جديدا للسياسة السعودية في المنطقة. مثلما ان ايران تستطيع اللعب في اليمن من اجل مضايقة السعودية وكلّ دولة من دول الخليج العربي، تستطيع السعودية البحث عن حلفاء طبيعيين في العراق. تفعل ذلك كي تثبت ان قرار تحويل العراق مستعمرة ايرانية وجرما يدور في الفلك الايراني ليس قدرا، على الرغم من كل ما قام به جورج بوش الابن. تكمن مصيبة جورج بوش الابن وادارته في اهمال البعد الايراني للمسألة العراقية وحصر الهمّ الاميركي بالتخلص من صدّام حسين ونظامه البائس الذي بدأ بعض العراقيين يترحمون عليه حاليا.

أيا تكن نتيجة استقبال السعودية لمقتدى الصدر، يظلّ ان العراق يبدو مقبلا على احداث كبيرة، خصوصا ان ليس ما يشير الى ان الاكراد الذين وعدوا بـ"الفيديرالية" في مؤتمر لندن للعام 2002، مثلما وعد الشيعة بالهيمنة على العراق، ليسوا على استعداد للتراجع. بل انّهم مصرون اكثر من أي وقت على الذهاب الى ابعد في ضوء الحلف القويّ مع الولايات المتحدة واليأس من اصلاح ايّ شيء في النظام الذي انشأته ايران في العراق بفضل اشخاص عادوا الى بغداد على دبّابة أميركية.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
اميركا تعيد اكتشاف ايران
2017-10-16
تصالح الفلسطينيين مع الواقع والحقيقة
2017-10-15
مآل 'ثورة أكتوبر'... مآل النظام الايراني
2017-10-13
بعد انتصار الحوثيين على علي عبدالله صالح
2017-10-11
الغاء الاتفاق مع ايران... من دون الغائه
2017-10-09
عن كذبة إعادة اعمار سوريا
2017-10-08
كي يكون للمصالحة الفلسطينية معنى
2017-10-06
تراجع المشروع التوسّعي الايراني
2017-10-04
وهم انتصار النظام السوري على لبنان
2017-10-02
نعم... الاكراد انتهازيون!
2017-10-01
المزيد

 
>>