First Published: 2017-08-07

له أمر البلد ولغيره أمر اليوم

 

يستطيع حزب الله الانتصار على الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا والصين، لكن حين يعود إلى لبنان، يرجع لبنانيا بين اللبنانيين وحزبا بين الأحزاب وكتلة نيابية بين الكتل.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: سجعان القزي

منذ سنة 2000 وحزب الله يحكم لبنان. لم يحصل شغور في ولايته سوى بضعة أشهر بعد المغفور لها "ثورة الأرز" سنة 2005. يشغل الآخرين بتداول السلطة. ينظمها ويشرف عليها وعليهم. لا يأبه للشغور الرئاسي وللتمديد النيابي. هذه أحداث ثانوية في دولة انتقالية ولا تؤثر على مجرى التحولات الاستراتيجية في المنطقة، خصوصا حين تكون الملاءة صنو الشغور.

حزب الله يحكم عمليا لبنان من القصور والساحات، من الحكومات والمؤسسات. لم يعد حزب الله عدوا أو حليفا، ولا حتى شريكا، إنه الحاكم. على خلفية سلاحه يدير البلد على أساس الديمقراطية التوافقية من دون توافق ديمقراطي. واللبنانيون ينتظرون خطابات السيد حسن نصرالله لا خطابات غيره، وبيانات حزب الله لا بيانات غيره. له أمر البلد وللجيش أمر اليوم. له البلد وللدولة البلدية. ما يحرمه يجمد وما يحلله يقر. يخوض المعارك حسب توقيته وينهيها حسب مصالحه. يحدد ساعة الاستحقاقات الدستورية والسياسية فتحترم "على الدقيقة". هو الشرعية والشريعة بثلاثية أو بدونها، لا بل أصبحت معادلة "الجيش والشعب والمقاومة" عبئا عليه. بدونها هو حزب ومقاومة وسلاح، فلا يضطر إلى التنسيق ورفع علمين بدل علم.

قال حزب الله: لا رئاسة جمهورية فحصل الشغور. هذا هو مرشحي الوحيد فانتخب عون رئيسا. لا مانع من سعد الحريري رئيسا للحكومة فعادت السرايا وآلت إليه. لتؤلف الحكومة بثلاثين وزيرا قبل رأس السنة الماضية فتألفت هكذا. كفى سجالا حول البيان الوزاري فصدر البيان. صار وقت توزيع المربعات النفطية فنال كل طرف نصيبه منها. ليوقف الاحتكام إلى "إعلان بعبدا" فتوقف الحديث عنه. لا بد من النسبية الموسعة في قانون الانتخابات فحلت النسبية قانونا مقدسا. السلاح خارج التداول فصار السلاح أمرا منسيا. هذه هي حدود تطبيق القرار 1701 فجرد القرار من فاعليته. هذه صلاحيات القوات الدولية فصار وجودها "سياحيا". نسقوا مع النظام السوري فبدأ التنسيق جوا وبرا. لا للمحكمة الدولية فصارت المحكمة شهيدة تبحث عن ضريح. وغدا يسأل: أين شهداؤكم؟ فيجيبونه: ليس لدينا شهداء، بل ضحايا مواد غذائية غير مطابقة لمواصفات هذا الزمن.

لا نلومن حزب الله، بل الذين يتراجعون أمامه: يطلب فيستجاب، يقرع فيفتح له، يرفع الأصبع فتنحني الرؤوس. طرح هؤلاء وجود سلاحه في لبنان ثم قبلوا به شمال الليطاني. طالبوا بوضع سلاحه في كنف الشرعية فأصبحت الشرعية في كنفه. نادوا بنزع سلاحه فأصبح أقصى مناهم أن يعود بسلاحه من سوريا إلى لبنان. وصفوا سلاحه بغير الشرعي ثم كلفوه عملية جرود عرسال. رفضوا الاعتراف بشهدائه ضد إسرائيل ثم نظموا اليوم مهرجانات لاستقبال أسراه العائدين من معارك سوريا. رجوا أميركا أن تضع عقوبات عليه، ثم هرولوا إلى واشنطن يستعطفونها أن ترجئ صدورها. فرحوا بأن يشمل بيان قمة الرياض فقرة تصفه بالإرهابي ولما استجوبوا في بيروت أنكروا علمهم (ما شفت حاجه).

حتى الأمس القريب، كان حزب الله يبرر سلاحه بمقاومة إسرائيل، فصار بعد عرسال يبرره بمقاومة الإرهاب أيضا. وحين شاركت الدولة في استقبال أسراه الذين اعتقلوا أثناء قتالهم في سوريا أعطته اعترافا آخر بمشروعية تدخله في حرب سوريا.

ويأتي من يحدث الناس عن تسوية وطنية أحيت الجمهورية، في حين أن الأمر لا يتعدى اعتراف الفريق الآخر (14 أذار) بانتصار حزب الله وفريقه الإقليمي فقام يهنئ ويحد من الخسائر. ما كان الأطراف المحليون ليسلموا بالأمر الواقع لو لم يلمسوا أن حلفاءهم العرب غير مستعدين أن يحركوا ساكنا أو ريالا أو حتى رصاصة مطاطية من أجلهم. فاليمن والعراق وسوريا وليبيا حاليا أهم من لبنان. والصراع الكبير أهم من صراعات اللبنانيين، خصوصا وأن كل ما فعله الغرب والخليجيون من أجل حلفائهم اللبنانيين كان تعبئة ماء في وعاء مثقوب.

لقد نجح حزب الله في وضع أخصامه في موقع الدفاع برغم أحقية مواقفهم، وأن يجعل الدولة اللبنانية أداة تفاوضية يستخدمها لتحقيق مشروعه الاستراتيجي الرامي إلى توسيع حصة الشيعة في نظام لبنان الجديد وفي دول الشرق الأوسط الجديدة. دولة لبنان الحالية هي جهاز العلاقات العامة والتواصل الدولي لحزب الله. ولولا الشماتة، لكانت الدول الغربية تتفاوض معه لا مع أركان الدولة، فهو إن وعد وفى وإن التزم نفذ. هو حزب يحترم نفسه، ولا يتخلى عن ثوابته ومبادئه وحلفائه وشهدائه. أجل، سيأتي يوم تكفر فيه الدول الغربية بتخاذل الدولة اللبنانية فتستدير نحو حزب الله ما دام حلفاؤها اللبنانيون سبقوها إلى ذلك.

السوابق كثيرة في هذا المجال: السابقة الأولى لبنانية وتعود إلى الثمانينات حين اعتمدت إسرائيل "الخيار الدرزي" في الجبل ثم "الخيار الشيعي" في الجنوب بعدما نكث الزعماء الموارنة بوعودهم تجاهها. والسابقة الثانية لبنانية أيضا حين وافقت دول خليجية وغربية في تشرين الأول 2016 على انتخاب مرشح حزب الله رئيسا لجمهورية لبنان. والسابقة الثالثة عراقية حين نقلت أميركا سنة 2003 حكم العراق من السنة إلى الشيعة. والسابقة الرابعة إقليمية حين وقعت الدول الخمس زائدة واحدة سنة 2015 الاتفاق النووي مع إيران وسط ذهول السعودية. والسابقة الخامسة سورية حين سحبت أميركا وفرنسا سنة 2017 شرط إسقاط بشار الأسد بعدما تيقنت من فشل حلفائهما في المعارضة السورية. ويخطئ من يظن أن العقوبات الأميركية والأوروبية ضد حزب الله ستكون عائقا، فحين يصدر القرار السياسي، تصبح العقوبات المدخل الجاهز لإجراء مفاوضات مع حزب الله وإيران بمنأى عن الدولة اللبنانية والمكونات السياسية الأخرى.

صار صعبا التعاطي مع حزب الله كأنه حزب عادي أو ميليشيا مسلحة أو حتى مقاومة داخلية. لست سعيدا بذلك، لكنه واقع أسهمت 14 أذار في صناعته بضعفها وجبنها وتسوياتها ومساوماتها وخلافاتها وتنازلاتها. والمكابرة مستمرة.

لكن هذه القوة الإقليمية التي جمعها حزب الله تبقى غير مسيلة بسبب الواقع اللبناني الديمغرافي والجغرافي والتاريخي. إذ يستطيع حزب الله الانتصار على الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا والصين، لكن حين يعود إلى لبنان، يرجع لبنانيا بين اللبنانيين وحزبا بين الأحزاب وكتلة نيابية بين الكتل. ولأنه يدرك هذه الثوابت الموانع، يمتنع حزب الله حتى الآن عن تحويل قوته من أمر واقع إلى حالة دستورية.

 

سجعان القزي

نائب رئيس حزب الكتائب اللبنانية ووزير العمل

 
سجعان القزي
 
أرشيف الكاتب
أورشليم ترجم بائعها*
2017-12-11
من تسليم سلاح حزب الله إلى التسليم به
2017-12-04
عشر عبر من أزمة واحدة
2017-11-27
من باب فاطمة إلى باب المندب
2017-11-20
فما لجرح إذا أرضاكم ألم
2017-11-14
النظام اللبناني تغير من دون مؤتمر تأسيسي
2017-11-07
عهدك عهد التغيير والإصلاح يدعى...
2017-10-30
تعايش وتنافس بين الحروب والتسويات
2017-10-23
دعوا الشعوب تبني دولها
2017-10-16
هبوط اضطراري في موسكو
2017-10-09
المزيد

 
>>