First Published: 2017-08-10

أفعى الشاعر الجزائري عزوز عقيل تخضع للدرس الأسلوبي

 

المجموعة الشعرية التي أجري حولها الناقد إسماعيل دراجي تأتي في ثماني عشرة قصيدة تتوزّع مناصفة بين العمودية والحرة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

رفقاً بقلب اشتهاك مقاماً ** يا من تريد لغيرنا الإقداما

عزوز عقيل شاعر جزائري من مواليد 07/12/1963 بمدينة "عين وسارة"، وبها تلقى تعليمه بكل مراحله. وفي 1985 تحصل على شهادة الكفاءة المهنية ليلتحق بالمعهد التكنولوجي للتربية بالجلفة ليتخرج معلماً، وبعد خمس سنوات نجح في شهادة الكفاءة المهنية ليلتحق بالمعهد المذكور آنفاً ليتخرج منه أستاذاً للغة العربية، ولا يزال يشتغل بالتعليم إلى يومنا هذا. له مجموعتان شعريتان مطبوعتان الأولى بعنوان "مناديل العشق"، والثانية بعنوان "الأفعى"، وهي المجموعة التي خصص لها الناقد إسماعيل دراجي كتابه هذا "تجليات الخطاب.. في مجموعة (الأفعي) للشاعر عزوز عقيل" الصادر عن الآن ناشرون وموزعون، وله مجموعتان أخريان تحت الطبع "فاطمة" و"السنبلة"، وله أعمال أخرى تتعلّق بالتأليف المدرسي هي الأخرى قيد الطبع.

المجموعة الشعرية التي أجري حولها الناقد إسماعيل دراجي "الأفعى" تأتي في ثماني عشرة قصيدة تتوزّع مناصفة بين العمودية والحرة، وهي: فاتحة، محطات، الصعلكة، عقيل، عروس البحر، أبتي، لم أعد، عتابات، منافقة، خيانة، إني عشقتك، تباً لعاشقة، الأسير، شراع الليل، النافذة، راقية، العصافير ترتوي بالغنا، الأفعى.

لفت دراجي في مقدمة دراسته إلى أن النص الشعري يختلف عن غيرِه مِن النصوص؛ إذْ تضبطه قواعد تخصّه دون غيرِه؛ كالوزن الذي هو أهمّ أركانه، أو ذلك التناسق والتناغم الذي تفرضه اللغة الشعرية فيأتي نسيجه في دقة متناهية ينبعث منها ما يطرب له القلب، ويرتاح له السمع مِن ذلك الإيقاع الداخلي أو الخارجيّ. وتطبعه ديباجة تطرّزها تلك الانزياحات لكثيرٍ من التراكيب لِتوضَع لغير ما وُضعَت له في الأصل الأوّل، فتثير الذهن وتشد الانتباه بذلك الاستعمال غير المألوف، فتطالعنا رموز موغلة في الدلالة. إن هذا كلّه وغيره نستطيع أن نسميه "الأسلوب"، ومحاولة تسليط الضوء عليه ودراسته، وبيان قوّته أو مدى تأثيره، أو دلالة عناصره وإيحاءاته وأبعاده ونتائجه... كل هذا يمكن أن يُصطلح عليه بـ "الأسلوبية" التي ما هي في الحقيقة إلّا عِلم يدرس الأسلوب.

وأكد أن جولةً في مجموعة "الأفعى" للشاعر عزوز عقيل تشكل دعامة هذا البحث الذي يتكوّن من أربعة فصول، الأول منها يقدم تعريفاً للأسلوبية ومفهومها وأشهر أعلامها، مع محاولة الاقتصار على الـمُحْدثين منهم، توخّياً للدِّقَّة والاختصار، لأن كلّ منعرج في مثل هذه الدراسة يصلح أن يكون بحثاً مستقلاً. وكذا مهامّها، وبيان أهمّيتها. الثاني يتناول الجانب الصوتي، من إيقاعٍ ووزنٍ موسيقي، كدلالة الأصوات. وأهمية القافية والروي وكل ما يتعلق بهذا الجانب. ويتناول الثالث الجانب الصرفي من صيَغٍ ودلالةِ استعمالها، وما مدى نجاح الشاعر في الاختيار، والاستعمال وما مدى تأثيرها في هذه المجموعة. أما الفصل الرابع فيتناول الجانب التركيبي، وقد كان التركيز فيه على الجُمَل بمختلَف تقسيماتها، سواء التقسيم الأسلوبي، كالنفي والتأكيد، أو التقسيم النحوي كالاسمية والفعلية، مع التركيز الذي تركتْه هذه الاستعمالات.

وفي قضية الوزن والموضوع الشعري قال دراجي "إن هناك ملاءمة بين الوزن والموضوع الشعري، "وعلاقة الوزن بالموضوع أو النص الشعري وقَفَ عندها النقّاد القدماء والمحدثون كثيراً، واختلفوا حولها، فمنهم مَن قال: إنّ لَمِن تمام الوزن أن يكون مناسباً للغرض، فرُبّ وزن يناسب غرضاً آخر". وهناك مَن يقول: إنّنا نستطيع ونحن مطمئنون أن نقرر أن الشاعر في حالة اليأس والجزع يتخير عادة وزنا طويلا كثير المقاطع، ويصبّ فيه من أشجانه ما ينفّس عن حزنه وجزعه، فإذا قال: الشعر وقت المصيبة والهلع تأثر بالانفعال النفسـي، وتطلب بحراً قصياً يتلاءم وسرعة التنفّس وازدياد النبضات القلبية". وإن كان هناك مَن لا يعتدّ بهذا اعتداداً كبيراً، "إلا أنه من غير الصواب أن نربط كل بحر بموضوع لا ينبغي أن يتجاوزه إلى غيره، ذلك أنّهم رأوا أنّ البحر الواحد كُتبت به عدة موضوعات مختلفة حتى التناقض، من دون أن يؤدي ذلك إلى القعود في القصيدة".

وأضاف "لعل الخليل هو أول من أشار إلى هذه الملاءمة بين الوزن والموضوع الشعري. "قال الأخفش: سألت الخليل بعد أن عمل كتاب "العروض": لمَ سمّيت الطويل طويلاً؟ قال: لأنه طال بتمام أجزائه. قلت فالبسيط؟ قال: لأنه اِنبسط على مدى الطويل، وجاء وسطه (فعلن) وآخره (فعلن). قلت: فالمديد؟ قال: لتمدّد سباعيته حول خماسيته. قلت: فالوافر؟ قال: لوفور أجزائه وتداً لوتد. قلت: فالكامل؟ قال: لأن فيه ثلاثين حركةً لم تجمع في غيره من الشعر. قلت: فالهزج؟ قال: لاضْطرابه كاضْطراب قوائم الناقة عند القيام. قلت: فالرمل؟ قال: لأنه شبه الحصير لضم بعضه إلى بعض. قلت: فالسـريع؟ قال: لأنه يسرع على اللسان. فالمنسرح؟ قال: لانسراحه وسهولته. قلت: فالخفيف؟ قال: لأنه أخف السباعيات. قلت: فالمجتث؟ قال: لأنه اجتث - أي قُطع- من طويل دائرته. قلت: فالمتقارب؟ قال: لتقارُب أجزائه، لأنها خماسية كلها يشبه بعضها بعضا".

ومنه؛ فهناك مَن أوجب المحاكاة بين الأغراض الشعرية وما يناسبها من الأوزان "وقد أشار حازم القرطاجني إلى هذه المحاكاة حتى تكون صورة الشعر أكثر قدرة على إحداث التغيير المناسب".

ورأى دراجي إنّ جولةً في المجموعة وبعملية إحصائية نجد أنّ الأصوات المجهورة كانت أكثر حضوراً، ويكفي أنّها بلغت تقريباً ضعف الأصوات المهموسة، حيث بلغت نسبة الأولى (المجهورة)65.51% وبلغت الثانية (المهموسة) 34.49%..

وفي الأمر دلالة واضحة على جرأة الشاعر، فهو لا يكثر الهمس ولا يبالغ في الإسرار، ويؤكد هذا الوضوح وهذه الجرأة تلك القلقلة التي استحوذت على نسبة معتبرة من الأصوات، حيث بلغت عدد الأصوات المقلقلة (ق ط ب ج د) 16.69%، ويؤكد هذا كذلك نسبة الأصوات المستعلية (خ ص ض غ ط ق ظ) التي بلغت 10.51%.

إنّنا نلاحظ هذا الجهر وهذه المصارحة من أول القصائد، ففي قصيدة "فاتحة" ورغم أنّ العنوان به شيء من الهمس لكن بعده مباشرة ترتفع الوتيرة، حيث تسيطر القاف والجيم والطاء. "فالوحدة المعجمية (ق ل ق ل) تدلّ في أصلها على التصويت والحركة والحزن وغيره". ومما ورد في هذه القصيدة:

رفقاً بقلب اشتهاك مقاماً

يا من تريد لغيرنا الإقداما

يا طفلة عبث الجميع بقلبها

فتعلمت في قلبي الإجراما.

أو قوله في موطن آخر "راقية":

وعلى جدار القلب أنقش اسمها

فالاسم قلت تظلّ دوماً راقية.

أو في قصيدة "العصافير ترتوي بالغناء":

وجعي قلبي قلبها أم تراه الصباح...

يا صبحها المدن الماطرة

وعلى جرح قلبي

تحط العصافير

كي ترتوي بالغناء.

وحلل دراجي الروي والقافية في مجموعة عزوز بادئا بتعريف وتحديد القافية، حيث ذكر تعريف الخليل: "القافية مِن آخر حرفٍ في البيت إلى أوّل ساكنٍ يليه مِن قبْله مع حركة الحرف الذي قبل الساكن".

وقال "إن الكلمات التي اِنتهت بها القصائد، وعلى سبيل المثال: قصيدة "فاتحة" والتي اِحتوت القافية والروي (الإقداما/ بسّاما/ الإجراما)؛ تدل على الانطلاق والحركة، فالميم شفوية خيشومية أعطاها المدّ الذي لحِقَها اِستمراراً وطلاقةً وبُعداً لامتناهياً، ونجد الأمر يتكرّر كلما كان الشاعر يصب غضبه على من يصفها بالإجرام والتفنّن فيه، والتي حوّلته إلى حقل تجارب تتعلّم من خلاله ضروب الخداع وفنون النفـاق: فتعلمت في قلبيَ الإجراما.

ونجد الأمر يتكرر ـ كذلك - مع "منافقة"؛ فهو يطلق آهاته مع هذا المد في الروي (الميم) وكأنه يودّ أن يتنفّس الصعداء، ويفك عن نفسه تلك المحاصرة:

لا شيء عندي قد يضيع مع الهوى

تباً لحبٍّ أذلني أعواما

عبثاً تحاول أن تثير مواجعي

ذي طفلة لا تعرف الأحلاما

كم ذا زرعت الورد في أرجائها

لكن سقيت بحبها الأسقامـا.

وأضاف "أما في قصيدة "خيانة" فينتهي الأمر كذلك بمد، لكنه نحو الأسفل (ياء المدّ)، وكأنه يوحي بتلك المناسبة بين الخيانة والياء الممتدة نحو الأسفل، فالخيانة يكون فيها الخفاء والسـرية، فجاء هذا المدّ ليعبّر عن ذلك. بل حتى الألفاظ التي حوت الروي والقافية من بين دلالاتها الخفاء (العين، الحزن، الظن، اللحن):

كنت أسقي ملء قلبي الناس شهداً

أصنع الأفراح من أعماق حزني

قلت لي يوماً أنا قد صرت وحدي

كلهم خانوا وخان الدمع جفني.

أما قصيدة "إنّي أعشقك" فكانت القافية فيها نوعاً من الوقف بذلك التسكين للروي الذي هو حرف الراء، هذا الحرف الدال على التكرار، وهو اِختيار موفَّق أيضاً، لأن هناك عملاً مكروراً متواصلاً:

إنّي عشقـــتك فانتظرْ

منّي الرّسائل والصّورْ

لا أخشى شيئاً في الهوى

لا أخشى في الحب الخطرْ

أنا مذ عرفتك يا فتــى

نارٌ بقلبي تستعـر.

فكلمة (تستعر) – مثلاً - توحي بتواصل الاشتعال المتكرر الآخذ في الزيارة والارتفاع.

أما في قصيدة "عروس البحر" فالقافية تحمل – أيضاً - نوعاً من المدّ المنتهي إلى هاء الغائب كرويٍّ، وهو حرف مهموس، وهو الوحيد بهذه الصفة تقريباً: (مراياه/ رباه/ خباياه/ عيناه...) وكأنّ الشاعر بهذا الجمع بين الجهر المنتهي إلى الهمس يبيّن أنّ بعد كل قوة ضعفاً، ولذلك هناك شيء من التوسّل والشكوى (رباه/ شكواه/ تمناه/ ويلاه/ تخشاه...)، وفيها تعبير عن معاناة وتضايق من الحاقدين والوشاة:

قال الوشاة وقال الحاقدون

يا أنت ويحك لا عشق بدنياه

قومي دعيه فإنّ البين يحرقه

قومي ولا تسمعي في الحب شكواه.

أما في قصيدة "راقية" تكررت لفظاً في كل أبيات المقطوعة، وقد اعتبر هذا التكرار قي أقل من سبعة أبيات من "العيوب الإيقاعية للقافية"، وبخاصة إذا كان للفظةٍ ذات معنى واحد، غير أنّي أرى أنّ ذلك دليل على قدرة الشاعر على توظيف هذه اللفظة رغم اِختلاف المعنى من بيت إلى آخر لتنتهي في آخر كل بيت إلى نفس المنتهى، فالشاعر من خلال هذه المقطوعة أراد أن يثبت قدرته، فبالرغم من أنّه كان قادراً على أن يوظف غيرها لكنه لم يفعل واِلتزم بها طوال الأبيات، ويشفع له كذلك أنّها تُعبِّر عن أكثر من معنى فهي اِسم من يتغنى بها، وأحياناً تدلّ على الرقي وعلو المهمّة.

وفي هذه القافية جهر وقلقلة وجلجلة، يوقفها هاء السكت، لها وقعها في الأذن وحضورها في الذهن، وفي هذا التكرار أيضاً تأكيد وإصرار على هذا التشبث من الشاعر بهذه الراقية لفظاً ومعنى. وقد يكون التكرار في الصوت أو الكلمة أو الجملة، وسنقف عند هذه الظاهرة بجداول إحصاء ونِسب واستقراء.

وخلص دراجي إلى إن الدراسة الأسلوبية هي محاولة لمعرفة هوية الخطاب، وبيان طبيعته، ومحاولة لتشريحه وسبر أغواره، وإجلاء لهدفه ووظيفته.. هي إذن محاولة للتوغّل في عالم النص. ومنه؛ فقد حاولت أن أتوغل إلى هذه المجموعة من القصائد المسماة بـ "الأفعى"، للشاعر عقيل بن عزوز، هذه المجموعة التي غلب عليها الجانب العاطفي، لكنها في ثوب من الحكمة، حيث تصلح لكثير من المناسبات الإنسانية، كالخيانة والغدر والتسويف وعدم الاكتراث بالآخر.. صاغها في قالب موسيقي جميل، متنوع بين بحورها، ونوّع في شكل القصيدة وكأنه يوازي بين العمودي والحر، فلا يغلب أحدهما على الآخر، ونوّع في القافية، وجاء بالجديد الذي يبقى محل نقاش وتعارض، كتكرار القافية، أو النظم على بحر الدائرة بدل بحر الاستعمال أحياناً، ووازى بين أساليبها وجُملها وإن غلب عليها الإثبات للثبات - كما أشرنا - لكنه ظلّ دائماً ينوّع، فكانت تلك الحركية والنشاط سمة غالبة على المجموعة.

ولجأ إلى الصورة كتبيان ووسائل إيضاح وإجلاء وتجميل، وطرقها كلها تقريباً، وكان المحسن المعنوي حاضراً أيضاً، تمثّل في الالتفاتات بخاصة، وفي الأمر دلالة على الحركة والنشاط كذلك. لقد حفل النص الشعري لدى "عقيل" بمعجم شعري يتنوع بين العاطفة والطبيعة، ولا عجب في ذلك؛ فالعاطفة تحتاج إلى عناصر الطبيعة.. تنميها وتؤججها.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
'حي بن يقظان' بين ابن سينا والسهروردي وابن طفيل
2017-10-22
محمد صابر عرب شخصية العام الثقافية بمعرض الشارقة الدولي للكتاب
2017-10-22
'الخال' .. راعي الغنم وحرامي الرمان الذي أحب الناس فأحبوه
2017-10-20
يوسف بكّار: ليس ثمّة ديوان كامل منفرد متفق عليه عنوانه 'رباعيّات الخيّام'
2017-10-19
غادة نصار تؤكد أن الجريمة الإلكترونية تشمل جميع أنواع الجرائم
2017-10-18
'الشارقة الدولي للكتاب' يستضيف عروضا مسرحية وفنية للأطفال
2017-10-17
فهمي الكتوت يحلل تحولات السياسيات الاقتصادية والاجتماعية في الأردن
2017-10-17
تيان شويه يوان يؤكد أن الشيخوخة هي مأزق القرن الـ 21
2017-10-16
حضور إماراتي لافت في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب
2017-10-15
أماني أبو رحمة تحلل أفكار فوكو عن السياسات الحياتية وتجلياتها
2017-10-14
المزيد

 
>>