First Published: 2017-08-13

الأخبار بيئة صعبة تبحث عن هوية

 

في الوقت الذي تعيد الصحف تدوير الأخبار بطريقة مراوغة وفيها المزيد من التداعيات للإيحاء بأنها تقدم طبقا مختلفا عما هو متداول، فإن هناك نوعا مختلفا من الأخبار في النشرات التلفزيونية!

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

من يعيش صدمة مستمرة: الأخبار أم صناعتها؟ ما يمكن قوله أن بيئة الأخبار تغيرت ولم تعد من نفس الطراز القديم.

في الماضي غير البعيد، كانت وسائل الإعلام موجودة للدفاع عن جمهورها، كما بينت بيت هاميل في كتابها “الأخبار فعل”، ومع ذلك لم يتغير التعريف الكلاسيكي للأخبار وبقي كما هو، لكن تأثير الأخبار ضعف ولم يصبح الخبر أيا كان مصدره مفاجئا للجمهور.

هناك عدد غير قليل من التعريفات للأخبار يمكن العودة إليها، مثلا ما قاله اللورد نورثكليف مؤسس صحيفة ديلي ميل قبل قرن تقريبا، حين اعتبر أن الأخبار معلومات يريد أحدهم منع الناس من معرفتها، وما تبقى هو مجرد إعلانات.

اليوم نوعية الأخبار تغيرت تدريجيا، الناس كل الناس! استثمروا أفكارهم في تلك الصناعة من دون أن ينتظروا مردودا أكثر من التعبير عن أنفسهم والتواطؤ مع رغباتهم بغض النظر عن مشروعيتها والدافع الأخلاقي الذي يحركها.

ومع هذا التغير في بيئة هدفها اختراق العقول وصناعة الرأي العام، فإن الصدمة مازالت تهز الصناع التاريخيين للأخبار، صدمة من القوة بحيث جعلت منصاتهم الكبرى تبحث عن سبل لإدامة محتوى مقنع يشد الجمهور ويجلب الأرباح، كي لا تتحول الأخبار إلى صناعة خاسرة.

الأخبار صناعة بحاجة إلى التطوير وليس دق المسمار الأخير في نعشها. لذلك تم إطلاق العلامات التجارية للأخبار في جميع أنحاء العالم من قبل الممولين والسياسيين الذين استخدموها كأدوات، أو الذين قلصوا من مواردهم ومهاراتهم من أجل أعمال المراقبة.

أخبار السياسيين لم تعد ذات أهمية وتأتي متأخرة دائما في وكالات الأنباء والنشرات التلفزيونية والصحف، السياسيون يعلنون عن أخبارهم لحظة وقوعها، ولديهم من المتابعين على مواقعهم الشخصية ما يفوق عدد المشاهدين لأشهر المحطات التلفزيونية! لهذا يزعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه لم يعد بحاجة إلى وسائل الإعلام.

وفي الوقت الذي تعيد الصحف تدوير الأخبار بطريقة مراوغة وفيها المزيد من التداعيات للإيحاء بأنها تقدم طبقا مختلفا عما هو متداول، فإن هناك نوعا مختلفا من الأخبار في النشرات التلفزيونية!

كانت نشرة العاشرة مساء في هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” يوم الإثنين الماضي مثالا متميزا عما أصاب الأخبار، إصابة الأخبار بالصدمة جعلت محرر النشرة يبحث عن شيء مختلف كليا، وهذا لا يعود بالدرجة الأساس إلى عطلة الحكومة البريطانية، إنه مرتبط بأزمة صناعة الأخبار، إنها تتوسع بين الناس إلى درجة تفقد فيها الأخبار قيمتها عند الانتقاء منها حسب الأهمية.

اختار رئيس تحرير نشرة العاشرة مساء في “بي بي سي” خبرا رئيسيا عن توغل التكنولوجيا الرقمية في طبيعة حياتنا مستقبلا، وخبرا آخر عن طعام المسنين في بريطانيا، ثم أخبارا قصيرة جدا عن اختطاف عارضة وخبرا هامشيا عن نشاط رئيس حزب العمال المعارض جيرمي كوربين، تخللت النشرة أيضا بعض الأخبار الرياضية عن بطولة العالم لألعاب القوى.

لن يثير مثل هذا الانتقاء الاضطراري لأخبار النشرة، دهشة الأشخاص الذين لا يعيشون يومهم على وقع الأخبار، لكنه بالتأكيد سيثير استغراب أي متابع يتصفح هاتفه الشخصي عشر مرات يوميا على الأقل، لأنه لن يجد ما يثير اهتمامه في هذه النشرة، فقد مر عليه على مدار اليوم ما هو أكثر أهمية في صناعة إخبارية متدفقة، ومثل هذا الرأي لا يبعث على الاطمئنان بالنسبة إلى مؤسسة إخبارية كبرى كهيئة الإذاعة البريطانية.

ففي الوقت الذي تنهار فيه العديد من المطبوعات والمنصات التي تعد إرثا صحافيا، فإن التلفزيونات تحاول إعادة تأهيل صناعتها في ما يخص الأخبار.

اليوم شركات الأخبار تبحث مستقبلها بعدة وسائل، بينها عقد تحالفات في ما بينها كما حصل مؤخرا في الولايات المتحدة بإنشاء تحالف لشبكات إخبارية، حيث وصف ديفيد تشافيرن، الرئيس التنفيذي للتحالف الجديد، الوضع بالبيئة الصعبة لأي نوع من التشريع في الوقت الحالي “لكن علينا أن نحاول”.

وقال تشافيرن “الأخبار قيّمة ومن المناسب توقّع أن يتم تقييمها”.

ومثل هذا التصور جعل مارك لي هنتر ولوك فان واسنهوف مؤلفي كتاب “السلطة في كل مكان” يقولان “إن مستهلكي الأخبار المعاصرين يتقبلون الموقف التحريري غير المحايد، بشرط أن يكون هذا الموقــف شفافا، ويطابق آراءهم الشخصية، ولا يؤثر في موثوقية المعلومات التي تتم مشاركتهـا”.

لم تخسر وسائل الإعلام ثقة جمهورها فجأة ودون سبب، كما قال ليو جيرستنر ذات مرة لموظفي شركة “آي بي إم” أثناء مرور الشركة بأزمة.

يقول مؤلفا كتاب “السلطة في كل مكان”، “إن الجماهير يخبروننا بأنهم يريدون أن تعود المراقبة بشكلٍ يكفي لدفع ثمن خدماتهم. فإذا أردت النجاح في هذه البيئة، اسأل نفسك: من الذي أريد الدفاع عنه؟ كيف يمكنني أن أصبح جزءا منهم؟ يتم اختراع الإجابات في هذه اللحظة، ومزيد من الابتكارات على الطريق”.

ومع كل هذا الضجيج والقلق على مستقبل صناعة الأخبار، يبدو كبار الصناع يدورون في حلقة تفقدهم البوصلة، لأنهم وفق كل الأحوال لا يمكنهم مواجهة ملياري مستخدم لفيسبوك يصنعون أخبارهم بأنفسهم، ولا يمكن لهم سوى الاعتراف بأن سلوك القراء تغير ولم يعد بالإمكان إعادتهم إلى الوراء.

ما يصعب الإجابة عليه في كل الابتكارات التي تسعى إلى إنقاذ صناعة الأخبار من الصدمة وإخراج الصحف من السوق المريضة، هو عن أي خبر يمكن به الحديث عن إعادة الجمهور إلى تفاعله السابق؟

الحق لن يكون أي خبر مهما بلغت درجة أهميته موضع تفاعل وحديث بين الناس أكثر من بضع ساعات لا أكثر وليس كما كانت صدى الأخبار تستمر لأيام.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
عبث إخباري
2017-12-10
زهايمر متعمد
2017-12-05
مليون دولار من أجل حرية الصحافة
2017-12-03
رجال دين ببدلة الأفندية
2017-11-28
الإعلام القديم يترقب ما بعد الرقمية
2017-11-26
الإنسان صار بجودة أقل
2017-11-21
الصراخ التلفزيوني تعبير عن عصر العبث الإعلامي
2017-11-19
عرض مسجد للبيع
2017-11-14
الكاتب الكبير عند وكالة رويترز
2017-11-12
تمارض هنا، ومريض ويعمل هناك
2017-11-07
المزيد

 
>>