First Published: 2017-08-13

الوحش الذي ابتلع لبنان

 

أخطأ اللبنانيون مرات عديدة حين رضخوا للغة سلاح حزب الله.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

في السياسة هناك مَن يفكر بروح رياضية. وهو ما يشبه النفاق. واقعيا يمكننا القبول بالمنافسة. ولكن ما يجري في العالم العربي لا علاقة له بالمنافسة الشريفة. هناك أطراف تمول قوى متشددة هي عبارة عن عصابات مسلحة تقف في مواجهة شعوب فقدت السيطرة على التحكم بمصيرها.

ففي لبنان على سبيل المثال لم تعد المعادلة السياسية قائمة على شيء من الانصاف. حزب الله الذي صار يحتكر ثلثي القرار السياسي اللبناني ما كان له أن يقوى على استدراج لبنان إلى موقع النأي بالنفس في مواجهة الحرب السورية لولا تمكنه عن طريق السلاح من الدولة اللبنانية.

لبنان السلبي هو في حقيقته بلد لا يملك حرية قراره.

لا يفكر حزب الله بمَن يحاوره من الأطراف اللبنانية. فهو في حقيقة موقفه لا يرى طرفا يمكنه أن يكون له نداً مناسبا للحوار. فما دام شعار المقاومة مرفوعا فإن كل حديث عن موضوعات أخرى يمكن أن يؤجل.

سيكون سؤال من نوع "مقاومة من؟" هو نوع من التشكيك بحق المقاومة.

لقد استثمر حزب الله فكرة المقاومة من أجل عسكرة جزء كبير من الشعب اللبناني. ذلك الجزء الذي لم يعد لبنانيا بسبب ولائه لإيران ما كان في إمكانه أن يرى لبنان بصورته الطبيعية.

لبنان حزب الله ليس هو لبنان الذي عرفه العالم. ولا لبنان الذي سبقنا العالم إلى التعريف به، ذلك الـ"لبنان" الذي يعرف نفسه بنفسه.

القبول بحزب الله من منطلق الأمر الواقع هو أسوأ حل للأزمة. هو حل لا ينهي تلك الأزمة بقدر ما يوسع من أطرها ويزيد في ضررها.

فبسبب عقيدته الشمولية فإن حزب الله لا يجد شراكته في الحكم إلا مرحلة مؤقتة ولا يرى في وجود الآخرين نوعا من الشراكة الدائمة.

لبنان الذي يجب أن يكون بالنسبة لحزب الله هو ذلك البلد الخاضع بالكامل للأجندة الإيرانية. لا يحتاج المرء إلى شيء من الذكاء الاستثنائي ليعرف أن حسن نصرالله يعتبر نفسه مختارا لضيعة اسمها لبنان.

ومن هنا فإن الكشف عن الخداع الذي ينطوي عليه مفهوم النأي بلبنان بعيدا عن أزمات المنطقة لا يعنيه في شيء.

لذلك لأن نصرالله وهو الذي زج بمقاتليه اللبنانيين في الحرب السورية لا يرى في ذهاب ممثلي حزبه من الوزراء والنواب في الحكومة اللبنانية إلى دمشق نوعا من الخرق لذلك المفهوم.

فلبنان بجزئيه الرسمي والشعبي هو صنيعته التي يمكنه أن يتحكم بحركتها مثلما يشاء.

وإذا ما كان حزب الله حرا في ما يؤمن به نظرياً وبالأخص على مستوى ولائه لفكر الولي الفقيه في إيران فإنه لا يملك الحق في أن يضع لبنان في خدمة المشروع الإيراني.

فلبنان الذي لا يعرفه حزب الله كان قبل ظهور حزب الله مشروعا حضاريا قائما بذاته. ذلك المشروع الذي كان يقوم على التعددية والتنوع وانتقال السلطة سلميا وضمان الحريات العامة وفي مقدمتها حرية التعبير.

صحيح أن كارثة الحرب الاهلية (1975 ـــ 1990) قد ألحقت ضررا كبيرا بذلك المشروع غير أنها لم تقتل روحه التي ظلت متشبثة بقواعده الأساسية التي لا تزال تضمن للبنان وضعا هو أفضل بكثير من الأوضاع في بلدان الربيع العربي.

وكما يبدو فإن حزب الله قد وضع نصب عينيه أن يسلب ما تبقى من تلك الروح حيا. ما لم تأخذه الحرب سعى ذلك الحزب إلى أن يخطفه.

من غير أن يصل إلى ذلك الهدف فإن كل التسويات المجانية التي يحاول الآخرون من خلالها تهدئة الوحش من أجل ترويضه لن تجدي نفعا.

لقد أخطأ اللبنانيون مرات عديدة حين رضخوا للغة سلاح حزب الله.

وها هو سلوك الحزب المذكور يؤكد أن شيئا من القبول لن بروضه، بل على العكس من ذلك تماما. فكلما رضخ اللبنانيون أزداد الوحش نهما.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
مسؤولية العرب عما فعله ترامب
2017-12-10
لماذا لا تحاور بغداد الأكراد؟
2017-12-09
السعودية والإمارات، تعاون من أجل المستقبل
2017-12-07
'لولا الحشد الشعبي لوصل داعش إلى قلب باريس'!
2017-12-06
اللعب مع الثعابين
2017-12-05
لقد فعل العراقيون الأسوأ
2017-12-04
العرب والحلف الإيراني التركي
2017-12-03
مقاومة كذبة المقاومة
2017-12-02
جنيف 8: مهزومان على مائدة واحدة
2017-11-30
لا أحد يحاور الأكراد
2017-11-29
المزيد

 
>>