First Published: 2017-08-14

صحة الحكومة اللبنانية هي العجب

 

لبنان بانتظار الحل الكبير المبني على هندسة دستورية جديدة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: سجعان القزي

كان لا بد لهذه الحكومة من أن تبلغ المأزق، لا بل تأخرت. فأول عوارض "التعايش" في الحكومات الجامعة يبرز عادة لدى اجتماع لجنة صياغة البيان الوزاري. لكن أسيادها ناموا يومها على الضيم حتى بلغوا مطب عرسال. ما كان أهالي عرسال يظنون أن بلدتهم ستصبح "محورا دوليا"، هم الذين عاشوا من نحت الحجر وقطف الكرز. بين أحياء بلدتهم وتلالها ووديانها تجمعت الأمم. كل دولة اتخذت تلة تنادي منها من لها عليهم. منهم من اكتفى بالسمع فخجل وصوب انحرافه، ومنهم من اشترط البدل ليعود عن زلته.

في زمن سابق، كانت ملابسات معارك عرسال تؤدي إلى استقالة رئيس الحكومة. لكن الرجال تغيروا. منهم من يفضل أن يحمل صليبه ولو لم يتبعه أحد، ومنهم من يحلو له أن يشهر سيفه ولو كان من خشب.

والعجب أن قوى لبنانية معهودة سيادية تقف حائرة حيال ما آلت إليه رهاناتها. تستغرب المشاركة الثلاثية (لبنان وسوريا وحزب الله) في معارك عرسال وتستهجن ذهاب وزراء إلى دمشق، كأنما لا تدرك أنها اشتركت في حكومة يطغى عليها المحور السوري الإيراني، وفي قراراتها تفصل قوى 8 آذار. حين انتقت قوى من 14 أذار مختارة لا مجبرة هذا المسار الرئاسي والحكومي سنة 2016، كان يفترض أن تعرف وكانت تعرف جيدا تداعيات خيارها ونقطة الوصول. فمن يأخذ وجهة الشمال يصل إلى طرابلس وليس إلى صور.

الذين يعارضون الحوار مع النظام السوري فاتهم أنهم جالسون في حكومة يتمثل فيها النظام السوري والنظام الإيراني. وفاتهم أن هذه الحكومة هي حكومة الأنظمة العربية والإقليمية لا حكومة المكونات اللبنانية فقط. وفاتهم أن ميزان القوى في لبنان والمنطقة سيبقى حتى صيف 2018 لصالح المحور الروسي الإيراني السوري. وفاتهم أن المحرج ليس ذهاب وزير إلى سوريا بل قتال حزب حكومي، هو سيد هذه الحكومة، في سوريا منذ أربع سنوات. وفاتهم أنهم اشتركوا في الحكومة من دون أن يضمنوا البيان الوزاري طلب انسحابه من سوريا.

ليست المسألة وزيرا يذهب إلى سوريا وثانيا إلى إيران وثالثا إلى السعودية، ولا قتال حزب الله في سوريا، ولا التنسيق الثلاثي في عرسال، ولا النأي بالنفس عن حروب الآخرين. هذه عوارض. الجوهر هو الخلاف العميق والتاريخي بين اللبنانيين على وجود لبنان وهويته وعلى مفهوم السيادة والاستقلال والولاء. وهو خلاف سبق بروز المحاور العربية والإقليمية الحالية، وإن كانت هذه المحاور تستغل خلافاتنا وتسعرها (بالمعنيين). بالنسبة لجماعة، لبنان هو المنتهى وبالنسبة لجماعة أخرى هو المبتدأ. بالنسبة لجماعة، لبنان هو كل من كل وبالنسبة لجماعة أخرى هو جزء من كل. بالنسبة لجماعة، لبنان هو كيان لدولة واحدة وبالنسبة لجماعة أخرى هو كيان لدول. وكلما حاول اللبنانيون، باسم التفاؤل والأمل والرهان على المستقبل، تخطي هذه الوقائع صدموا بأن الخلاف التاريخي أقوى من الوفاق اليومي، وأن الولاء الخارجي يعلو على الميثاق الوطني.

وعوض أن تضيق الحكومات الجامعة هذا الفالق الوطني، إذا بها توسعه. وفي ظل هذه الحقيقة المؤلمة، يستحيل منطقيا أن تنجح حكومة الوحدة الوطنية في غياب الوحدة الوطنية. ويستحيل سياسيا أن تنجح حكومة جامعة في غياب برنامج وطني جامع. ويستحيل ميثاقيا أن يستقيل مكون من حكومة وحدة وطنية ما لم يتأكد أن الحكومة ستسقط معه، لأن الاستقالة الإحادية تفقد الحكومة صفتها الميثاقية.

ورغم ذلك، أصبحت الحكومات الجامعة في لبنان هي القاعدة فيما هي الاستثناء في الأنظمة الديمقراطية. إن الاستعانة بحكومة وحدة وطنية يتم لاستباق شغور رئاسي أو بعد حرب أو إثر أزمة كبرى (أحداث 1958، حرب السنتين، حرب الجبل، اتفاق الطائف، إلخ.). وإذا صدف أن تألفت حكومة جامعة في ظرف عادي، يفترض أن تبرر وجودها بمشروع وطني جامع. فأين الحكومة الحالية من ذلك؟

الاستثناء أصبح قاعدة في لبنان، لأسباب عدة منها: 1) حصرية السلطة التنفيذية، بعد الطائف، بمجلس الوزراء. 2) تداخل التمثيل الميثاقي مع التمثيل الدستوري. 3) إحادية التمثيل الشيعي بحركة أمل وحزب الله. 4) الخشية من تفاقم الصراع السني الشيعي. 5) الالتباس الحاصل بين الموالاة والمعارضة إثر تبعثر قوى 14 أذار. 6) كون لبنان يعيش أزمة دائمة.

لكن هذه "القاعدة الاستثنائية" تخضع لواقع استثنائي هو سيطرة حزب الله. فعدا أنه، بحكم تمثيله الشيعي، فرض قيام حكومات جامعة، تمكن، بحكم قوته العسكرية، من فرض سياسته أيضا على هذه الحكومات. وما يجري حاليا دليل ساطع على ذلك.

بانتظار الحل الكبير المبني على هندسة دستورية جديدة للبنان، الخروج من المأزق الدستوري/الميثاقي الحالي، يحتم القيام بما يلي:

1) تكوين أكثرية سياسية متعددة الطوائف تعمل على أساس مشروع وطني شامل، وتكون مستعدة للحوار الجدي، وللمواجهة إذا لزم الأمر.

2) إيجاد آلية عمل وتقرير جديدة لمجلس الوزراء لأن الآلية الحالية شبه معطلة بحكم "حرية التصرف" التي يمارسها حزب الله، وبحكم ضياع الفاصل بين الموالين والمعارضين داخل الحكومة.

خلاف ذلك، يبقي البلاد في أزمات متتالية يخشى انتقال بعضها إلى الشارع، فتتعثر مسيرة العهد أكثر فأكثر، ويفقد التيار السيادي التاريخي في لبنان روحه وقضيته وصدقيته.

 

سجعان القزي

نائب رئيس حزب الكتائب اللبنانية ووزير العمل

 
سجعان القزي
 
أرشيف الكاتب
من تسليم سلاح حزب الله إلى التسليم به
2017-12-04
عشر عبر من أزمة واحدة
2017-11-27
من باب فاطمة إلى باب المندب
2017-11-20
فما لجرح إذا أرضاكم ألم
2017-11-14
النظام اللبناني تغير من دون مؤتمر تأسيسي
2017-11-07
عهدك عهد التغيير والإصلاح يدعى...
2017-10-30
تعايش وتنافس بين الحروب والتسويات
2017-10-23
دعوا الشعوب تبني دولها
2017-10-16
هبوط اضطراري في موسكو
2017-10-09
سياسة هز الشجرة وعدم قطف الثمرة
2017-10-03
المزيد

 
>>