First Published: 2017-08-16

دولة فاسدة في العراق، ما أخبار المجتمع؟

 

توسعت دائرة الفساد في العراق بحيث تخطت حدود الدولة لتصل إلى المجتمع.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

في العراق دولة فاسدة. حقيقة لا ينكرها أحد. بل أن البعض يؤكد أن الفساد هو عقيدة تلك الدولة، إن سقط الفساد تسقط الدولة.

"أما كان الوضع أفضل في ظل الاحتلال الأميركي؟" يتساءل الكثيرون من غير أن يأملوا في استعادة زمن النظام السابق، لا في سنوات احتضاره يوم كان العراق محاصرا ولا في سنوات تألقه يوم كان العراق منفتحا على العالم.

كان الاحتلال الأميركي نوعا من الحل من وجهة نظر اليائسين من قدرة الشعب العراقي على إزاحة الطاغية عن عرشه.

ولكن الحل الأميركي كان قد انطوى منذ فقرته الأولى على فكرة تفكيك الشعب العراقي واعادته إلى ما كان عليه قبل قيام الدولة العراقية الحديثة في عشرينات القرن الماضي.

لقد استند الأميركيون على نظرية بريطانية سبق للشعب العراقي أن أفشلها من خلال تخطيها بنسيجه الاجتماعي المتماسك. غير أن المعارضة العراقية السابقة التي وجدت في الاحتلال سلما للوصول إلى السلطة وجدت في نظام المحاصصة الطائفية فرصتها التاريخية للاستيلاء على ثروات البلد.

من غير اعتماد ذلك النظام لم يكن في إمكان اللصوص الأميين استلام مفاتيح الخزانة العراقية. وكما يبدو فإن سلطة الاحتلال لم تجد مَن هو أكثر كفاءة في تنفيذ مشروعها في تدمير العراق من الداخل سوى أولئك اللصوص.

كان المشروع الأميركي قائما في الأصل على شرعنة الفساد.

لم تلتزم سلطة الاحتلال الأميركي بالقوانين الدولية التي تنظم وضع الدول المحتلة وبالأخص على مستوى الحفاظ على القوانين والممتلكات العامة، لا لشيء إلا لأن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة قامت على أسس كاذبة لا يقرها القانون الدولي.

بدا واضحا أن الموضوع لا يهدف إلى استبدال نظام بنظام بل استبدال عراق بعراق آخر. بحيث يبدو العراق الذي ستنتجه الماكنة الأميركية في ما بعد عراقا غريبا عن نفسه.

وهو ما حدث فعلا. لقد تمت إزالة كل الثوابت ولم يعد العراق قادرا على ادامة زخم مقومات وجوده كدولة قادرة على الجمع بين مواطنيها وهي جزء من محيطها الطبيعي.

لن يكون بعيدا عن الواقع القول إن ذلك العراق الغريب عن نفسه كان غريبا عن مواطنيه كما لو أن سلطة الاحتلال حين ركبته كانت تفكر بالغنائم التي سيجنيها أتباعها من منتسبي الأحزاب التي قضى منتسبوها جل أعمارهم في بلدان اللجوء دون سواهم.

وهكذا فقد تحول العراق إلى ما يشبه الصراف الآلي الذي يلبي طلبات حملة الجنسيات الأخرى ومَن يخدمهم من المواطنين المحليين في مشروع فساد غير مسبوق في التاريخ.

في ظل عقيدة الفساد التي تجمع في سقيفتها مختلف الأحزاب ذات الشعارات الدينية ليس هناك مجال للتفكير في حق الشعب بالتمتع بثروته بطريقة ديمقراطية شفافة، تسيل من خلالها الثروات على هيأة خدمات في التعليم والسكن والعلاج الصحي والطرق والنقل العام والأمن والصرف الصحي والكهرباء والماء الصالح للشرب والضمان الاجتماعي.

بدلا من كل ذلك قام الفاسدون بتأسيس نظام اجتماعي يقوم على الفوضى. فنشأت بسبب الانهيار الأخلاقي المدعوم بفقر، لم تجد فيه المؤسسة الدينية ما يسيء عصابات للخطف والقتل بالأجرة والمتاجرة بالأطفال والنساء وبيع الأعضاء البشرية ناهيك عن إحلال العرف العشاري محل القانون في فض النزاعات بين الأفراد والجماعات.

لقد توسعت دائرة الفساد في العراق بحيث تخطت حدود الدولة لتصل إلى المجتمع. هناك اليوم ملايين المحرومين ممَن لم يعد يهمهم البحث عن أسباب ومسببي حرمانهم بقدر ما يهمهم أن ينافسوا الفاسدين في ما يملكونه من ثروات.

صار الحصول على المال هدفا في حد ذاته بغض النظر عن وسائل الوصول إليه. وهي حقيقة محبطة ما كان لها أن تفرض وجودها لولا قيام نظام المحاصصة الذي أتاح الصعود إلى السلطة للفاسدين.

في العراق اليوم دولة فاسدة. ولكن الأخطر من ذلك أن ينظم المجتمع حركته منسجا مع املاءات فساد الدولة.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الكذب بإسم المقاومة
2017-12-12
لماذا الشارع وليست الحكومات؟
2017-12-11
مسؤولية العرب عما فعله ترامب
2017-12-10
لماذا لا تحاور بغداد الأكراد؟
2017-12-09
السعودية والإمارات، تعاون من أجل المستقبل
2017-12-07
'لولا الحشد الشعبي لوصل داعش إلى قلب باريس'!
2017-12-06
اللعب مع الثعابين
2017-12-05
لقد فعل العراقيون الأسوأ
2017-12-04
العرب والحلف الإيراني التركي
2017-12-03
مقاومة كذبة المقاومة
2017-12-02
المزيد

 
>>