First Published: 2017-08-17

مصر من الانكفاء إلى الانخراط

 

الفاعلية الحقيقية لمصر تفرض تحديد الأهداف والعمل على تنفيذها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

سياسة الحذر والنفس الطويل التي اتبعتها مصر في التعامل مع الأزمات الإقليمية أحرزت قدرا من النتائج الإيجابية، وفتحت طريقا يمهد للقيام بدور فاعل يمكنها من أن تتحول إلى رقم مهم، إذا جرى التغلب على بعض المعوقات وتوظيف التطورات بصورة تجعل مصر عنصرا رئيسيا تملك زمام المبادرة ولا تنتظر من يمسك بيدها.

الدور الذي بدأت تلعبه في الأزمة السورية، جاء من رحم مناخ دولي مواتٍ، وحسابات إقليمية معقدة، ورؤية سياسية وضعت مجموعة من القواعد والثوابت جنبت مصر الانزلاق في مشاكل كثيرة، لا تزال هناك دول تعاني من تداعياتها.

الرهان على توسيع نطاق هذا الدور كبير، بما يتجاوز الوساطة في اتفاقي الهدنة في كل الغوطة الشرقية وشمالي حمص بين نظام بشار الأسد وكتلة من معارضيه، لأن مصر تملك مؤهلات تسمح لها بمزيد من التأثير، شريطة أن تحسن قراءة الخريطة الحالية، وتتحول بسلاسة من لاعب كان ينظر له البعض على أنه أثير المقعد الاحتياطي إلى لاعب مؤثر في الشوط قبل الأخير من المباراة الفاصلة التي جرت معظم أشواطها على الملعب السوري منذ سنوات.

المهارات التي تملكها مصر تساعدها بسهولة للتخلص من الجلوس على مقعد البدلاء الوثير، فهي لم تتورط في الحرب السورية ولم تتلوث يدها بدماء الأبرياء، ومقبولة من جانب عدد كبير من القوى السورية، ولديها شبكة جيدة من العلاقات الإقليمية والدولية، وعندها حزمة كبيرة من المصالح الإستراتيجية، وكلها مكونات من الضروري الاستفادة منها لزيادة دورها الإقليمي.

الأضواء التي سلطت عليها مؤخرا لم تأت من فراغ، وجاءت عقب فترة عصيبة من المعاناة والقلق والترقب والدعم المستتر، خوفا من دخول الأراضي السورية مرحلة عارمة من الانفلات والفوضى، وسط معركة وجدت فيها قوى ضالتها لتصفية حساباتها، وأخرى رأت فيها فرصة لانتزاع النفوذ، وثالثة حاولت من خلالها إعادة ترسيم خريطة المنطقة.

بعد أن لاحت في الأفق مؤشرات ظاهرة للأمن والاستقرار، من الضروري أن تتخلى مصر عما كان يوصف بـ "الانكفاء" لأسباب كانت مفهومة وتتعلق بترتيبات البيت من الداخل، ولا تتردد في انتزاع مكانتها حفاظا على الأمن القومي المعروف أن حمايته تبدأ من الخارج.

الفرصة المناسبة تحتاج إلى إرادة تتواءم مع المتطلبات الإستراتيجية، ورغبة تتماشى مع التحديات، وقدرة تستوعب الحسابات المتقلبة، والأهم رؤية صائبة تعكس الطموحات المصرية التي لم يتم التعبير عنها بوضوح حتى الآن، وكلنا يكتفي بتلمس خطاها من خلال بعض التصريحات التي تصدر من هنا أو هناك، دون أن تتبلور في مشروع متكامل يعبر عن خطة بعيدة المدى.

الفاعلية الحقيقية تفرض تحديد الأهداف والعمل على تنفيذها، وربما لاحظ كثيرون أن هذه المسألة كانت أشد وضوحا في الأزمة الليبية المعقدة، والتي تعاملت معها مصر بصبر وأناة، تتدخل عندما كانت هناك ضرورة للتدخل، وتحجم إذا وجدت سببا قاهرا للإحجام، وفي الحالتين المراقبة عن كثب لم تتوقف لحظة، وهو ما جعلها محطة رئيسية في جدول أعمال الأمم المتحدة، وكثير من القوى الليبية، فضلا عن نجاحها في جذب أنظار عدد معتبر من العواصم الدولية.

رأينا روما التي سحبت سفيرها بعد مصرع الطالب الإيطالي ريجيني، تعلن عودة سفيرها في القاهرة قبل يومين على قاعدة مصالح اقتصادية وسياسية مختلفة، بعضها في ليبيا، وتصم آذانها عن سماع صرخات أسرة الطالب ومحبيه وعديد من المنظمات الحقوقية، وتضرب عرض الحائط بمصدات وضعت لمنعها من استعادة العافية الدبلوماسية للعلاقات مع مصر، وتأكدت أنها قد تتعرض لمخاطر كبيرة بعد تلقي تهديدات من الجيش الوطني الليبي بإبعاد سفنها عن سواحل بلاده واتساع نطاق الامتعاض من ألاعيبها في مناطق كثيرة من ليبيا.

الظروف المواتية في الأزمة الليبية، محليا وإقليميا ودوليا، تسمح بعدم استبعاد دوائر التأثير، ويمكن أن تفضي لمضاعفة معالم النفوذ في المستقبل، عندما تدرك مصر أنها تملك عناصر قوة لا تتوافر لدى أطراف أخرى منافسة، وتستفيد من الرصيد، السياسي والأمني والاجتماعي وامتداداته على الساحة الليبية، لأن هناك قوى دولية متباينة أضحت على استعداد للبحث بجدية عن حل للأزمة الليبية.

الأجواء الراهنة في كل من العراق والقضية الفلسطينية وحتى اليمن وأفريقيا، مهيأة أيضا لتقبل دور مصري محوري، اكتسب ثقله الإيجابي من تراكمات التريث وتجنب الصدام مع قوى أخرى، ناهيك عن فرملة الدور القطري الذي لعب دورا مهما في إشعال الأزمات وسعى لوضع العراقيل في طريق جهات كثيرة حاولت الاقتراب من هذه الأزمات.

عقب الموقف الصارم من الدول الأربع (مصر والسعودية والإمارات والبحرين) تجاه الدوحة وكشف دعمها لجماعات إرهابية، انشغلت قطر بهمومها الداخلية والتفكير في أدوات ناجحة للحد من انعكاسات المقاطعة المفروضة عليها، ولم تعد تملك رفاهية التخريب عن عمد أو محاولة خلخلة الأمن والاستقرار في المنطقة.

التحول التدريجي المصري من الانكفاء للانخراط، يستلزم نظرة شاملة للأزمات، مع مراعاة الفروق بين أزمة وأخرى، والإدراك للحقيقة التي تؤكد أن مصر تحافظ على أمنها القومي عندما تنتقل من مرحلة رد الفعل إلى الفعل، وتتخلى عن السلبية مهما كانت دوافعها السياسية والأمنية والاقتصادية، وتتمسك بسلاح المبادرة ولا تنتظر من يقدم لها ما تجود به مصالحه.

من حسن الحظ أن الأزمات المشتعلة في المنطقة بدأت تلملم جانبا من أشلائها، ومصر تخطو خطوات كبيرة نحو الاستقرار، ونجحت في تقوية دفاعاتها الأمنية، بل امتلكت قدرة هجومية غابت عنها كثيرا، الأمر الذي يعزز القناعات أن المرحلة المقبلة هي مرحلة للفعل وليس الحذر، والتمركز في مكانة تتناسب مع الصعوبات التي تمر بها المنطقة، وعملية الفرز التي تجري على قدم وساق، وكل دولة تتموضع في الزاوية التي تناسب مؤهلاتها وطموحاتها وقدراتها وإرادتها.

ولعل الاختراق الذي بدت معالمه في أفريقيا يكون حافزا لتوسيع نطاقه، ويتحول من ترميم العلاقات إلى تأسيسها وفقا لتصورات لا تكتفي بمجرد تقليل الخسائر، لكن حسب رؤية تسعى إلى تعظيم المكاسب، ولن يحدث ذلك سوى بمزيد من الانخراط والمبادرات.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
أخطر من الدفاع عن مصر
2017-10-12
نمر فلسطين أم نمور إسرائيل؟
2017-10-05
مصير الأكراد وجنوب السودان
2017-09-28
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
المزيد

 
>>