First Published: 2017-08-21

رحيل بانون... يحمل ايجابيات

 

يبدو أن الإدارة الأميركية وجدت ضوابط لترامب في الداخل الاميركي وهي تتصرف بمعزل عنه، الى حدّ ما، في الخارج.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

ليس خروج ستيف بانون من إدارة دونالد ترامب حدثا عاديا بمقدار ما انّه دليل على انّ الإدارة في صدد إعادة تقويم لاوضاعها وترتيب لها. يمكن لهذه الإدارة في ضوء التخلّص من شخصية ذات نفوذ كبير تنادي بسياسات متطرّفة، خصوصا في مجال الهجرة او كيفية التعاطي مع أوروبا وبقية العالم، بما في ذلك الحلفاء، ان تتغيّر كلّيا. يمكن ان تصبح إدارة اكثر تماسكا، خصوصا انهّا تضم مجموعة من الشخصيات المهمّة التي تعرف العالم وتعرف اهمّية الدور الاميركي على كلّ صعيد بعيدا عن أي نوع من أنواع التطرّف. من بين هذه الشخصيات نائب الرئيس مايك بنس ووزير الدفاع جيمس ماتيس ومستشار الامن القومي الجنرال هربرت مكماستر ورئيس اركان البيت الأبيض الجنرال جون كيلي. يبدو ان كيلي ومكماستر لعبا، مع افراد عائلة ترامب، دورا حاسما في مجال التخلّص من بانون الذي ازعج تطرّفه كثيرين، خصوصا انّه اعتبر نفسه المنظّر الاول للسياسة الاميركية والمعبّر عن طريقة تفكير دونالد ترامب.

ظهر دور بانون المؤثّر في ترامب جليّا عندما اعلن الرئيس الاميركي في حزيران – يونيو الماضي الانسحاب من اتفاق باريس في شأن المناخ. رفض ترامب عمليا الاعتراف بالتغييرات التي يشهدها الطقس في انحاء مختلفة من الكرة الأرضية وبضرورة اتخاذ الدول الصناعية لإجراءات للحدّ من هذه التغييرات التي تترافق مع ارتفاع في درجة الحرارة.

سيتبيّن في الأسابيع المقبلة ما اذا كان رحيل بانون الذي عاد الى لعب دور اليميني المتطرف والمحرّض عبر موقع "بريتبارت" سيؤدي الى تحولات إيجابية في الإدارة. في الواقع، سيتبيّن هل المشكلة في بانون ام انّها في ترامب نفسه الذي لديه وجهة نظره التي تقوم على روح عنصرية متأصّلة في شخصيته. كان افضل تعبير عن تلك الروح تصريحاته المتناقضة بعد الجريمة التي ارتكبها متطرفون، يؤمنون بتفوق الجنس الأبيض، في شارلوتزفيل (ولاية فرجينيا غير البعيدة عن واشنطن). في تصريحه الاوّل، بعد الجريمة مباشرة، لم يميز ترامب بين القاتل والضحية. امتنع عن ذلك، علما ان شخصا عنصريا هجم على أناس مسالمين كانوا في احدى الساحات بواسطة سيارة وقتل احدهم. في تصريحه الثاني، دان الرئيس الاميركي التطرّف والمتطرفين من نازيين جدد وجماعة "كو كلوكس كلان" والمعجبين ببشّار الأسد وما شابهه من كائنات لا علاقة لها بالانسانية والحضارة. لكنّه ما لبث في تصريح ثالث ان عاد الى اصله رافضا التمييز بين عنصريين واميركيين مسالمين.

من الواضح انّ هناك داخل الإدارة الاميركية من يعي ان ترامب رجل خطير وانّ هناك مشكلة في رئيس اميركي يعتبر انّ في الإمكان التغاضي عن تصرّفات لعنصريين يلجأون الى دهس مواطنين في الشارع لمجرّد انّهم يمتلكون رأيا مخالفا لرأيهم.

لم يتردد الكاتب الاميركي بول كروغمان، أستاذ الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل واحد معلّقي "نيويورك تايمز" في وصف ترامب بانّه "أسوأ" من الامبراطور الروماني كاليغولا. اشتهر كاليغولا بانه كان يزرع بذور الكراهية بين كبار المسؤولين في الإمبراطورية الرومانية كي تكون هناك صراعات وخلافات في ما بين هؤلاء. وكان يعمل كلّ شيء من اذلال عليّة القوم. كذلك اشتهر بوحشيته. لكن القيمين على الإمبراطورية الرومانية، من رجال النخبة في روما، وجدوا أخيرا طريقة للتخلّص من كاليغولا. يأخذ كروغمان على اعضاء الكونغرس عدم اتخاذ ايّ اجراء من اجل التخلص من الرئيس الاميركي الذي "تفوّق" على كاليغولا، من وجهة نظره، في سوء الإدارة وزرع الشقاق بين كبار المسؤولين. لخص الوضع في واشنطن بالآتي: "بات كل شخص يعرف اننا امام رئيس لم يقصد ما يقوله عندما اقسم على احترام الدستور".

الثابت انّ هناك شبه اجماع في أوساط المسؤولين الاميركيين وفي أوساط رجال الاعلام وحتّى في الكونغرس على ان لا امل في اصلاح ترامب الذي يعتقد ان أكثرية الاميركيين ما زالت معه وان في استطاعته التخلي عن ايّ شخص متى لا تعود حاجة اليه. تخلّى عن بانون عندما صار عبئا، علما ان الأخير لعب دورا حاسما، بل الدور الحاسم، في وصوله الى البيت الأبيض وذلك عندما تولّى مسؤولية حملته الانتخابية في وقت كانت شعبيته في الحضيض.

لم يعد المعلّقون المحترمون في الولايات المتحدة يجدون عيبا في التوجه مباشرة الى ترامب والقول انّه لا يليق باميركا، بصفة كونها القوّة العظمى الوحيدة في العالم، ان يكون رئيسها في هذا المستوى. لكن ذلك لا يمنع من التفكير في انّ هناك جانبا إيجابيا لما يحدث في واشنطن، خصوصا بعد التخلص من بانون وقبله من جون فلين الذي كان مستشارا للامن القومي قبل مكماستر. بدأت الإدارة تعتمد على نواة صلبة يعرف افرادها ما يدور في العالم وما هو على المحكّ... وما الذي على الولايات المتحدة عمله كي تستعيد الدور الذي فقدته في ايّام إدارة باراك أوباما الذي اهمل أوروبا كلّيا وفضّل الاستسلام لإيران وسياستها القائمة على ممارسة الابتزاز.

المسألة مسألة وقت فقط كي يظهر هل إدارة ترامب تختلف في شيء عن إدارة أوباما. هل يختلف رجل انتهازي اسمه دونالد ترامب يمتلك نقطة قوة وحيدة تكمن في معرفة التوجه الى إرضاء غرائز الرجل الأبيض في الولايات المتحدة، عن باراك أوباما الذي كان همّه محصورا في تمرير الوقت. كان أوباما يعمل على تمرير الوقت معتمدا على ان المشكلة الوحيدة في هذا العالم هو "الإرهاب السنّي" وان استرضاء ايران يمكن ان يكون سياسة.

رحل بانون وبقي ترامب. ولكن بقي أيضا الثلاثي كيلي- مكماستر – ماتيس. بقي أيضا وزير الخارجية ركس تيللرسون الذي ظهر تباينات بين حين وآخر بينه وبين البيت الأبيض. الأهم من ذلك كلّه ان نائب الرئيس مايك بنس الذي ينتمي الى صلب المؤسسة الجمهورية لا يزال يشكّل عنصر ضمان يكبح ايّ مغامرات مجنونة قد تلي تصريحات لترامب من نوع التدخل العسكري في فنزويلا.

لا يمكن الاستهانة بعائلة الرئيس ودورها، خصوصا دور الصهر جاريد كوشنر المتزوج من ايفانكا ترامب. كان لكوشنر وزوجته دور في إزاحة بانون، الّا ان ما لا يمكن تجاهله هو الواقع المتمثل في انّ إدارة ترامب في حال بحث عن توازن في الداخل قد يسبقه إيجاد توازن على الصعيد الخارجي.

اذا كانت ازمة الصواريخ البعيدة المدى والتهديدات التي اطلقتها كوريا الشمالية دلّت على شيء، فانها دلّت على ان هناك ضبطا افضل لايقاع السياسة الخارجية. التصريحات النارية للرئيس الاميركي الموجّهة الى بيونغيانغ شيء، وقد ردعت زعيمها المجنون كيم جونغ اون، والتعاطي الهادئ لوزارتي الدفاع والخارجية مع ازمة في غاية الخطورة شيء آخر. التخبط الداخلي لا يعني بالضرورة تخبطا خارجيا. قد يعني ان الإدارة وجدت ضوابط لترامب في الداخل الاميركي وهي تتصرف بمعزل عنه، الى حدّ ما طبعا، في الخارج.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
ايران والكلام الاميركي السليم والجميل
2017-10-23
الفصل ما قبل الأخير في صنعاء
2017-10-22
هزيمة كركوك لم تطو المشروع الكردي
2017-10-20
الملك و'الزلزال السياسي' في المغرب
2017-10-18
اميركا تعيد اكتشاف ايران
2017-10-16
تصالح الفلسطينيين مع الواقع والحقيقة
2017-10-15
مآل 'ثورة أكتوبر'... مآل النظام الايراني
2017-10-13
بعد انتصار الحوثيين على علي عبدالله صالح
2017-10-11
الغاء الاتفاق مع ايران... من دون الغائه
2017-10-09
عن كذبة إعادة اعمار سوريا
2017-10-08
المزيد

 
>>