First Published: 2017-08-25

مفاجأة واشنطن: ترامب ينقلب على باكستان!

 

شكوى واشنطن من العلّة الباكستانية يأتي متصاحباً مع وعد أميركي بترياق تكون الهند عنصر أساس داخله.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

تتحدث تقارير لأجهزة المخابرات الأميركية عن قيام روسيا بتسليح حركة طالبان في أفغانستان. لموسكو حساباتها الأفغانية، وهي وإن كانت قد اكتوت بجحيم أفغانستان، فليس لها مصلحة في أن تكون أفغانستان ذاتها جنة للأميركيين. وتتحدث تقارير أخرى عن خطّ إمداد عسكري لطالبان مصدره إيران، ناهيك عن أن العلاقات بين إيران وطالبان باتت علنية تتيح تردد قادة الحركة الأفغانية على العاصمة الإيرانية وسط تغطية إعلامية علنية كاملة. ومع ذلك، أغفل الرئيس الأميركي كلياً ذكر روسيا وإيران في معرض إعلانه لاستراتيجية بلاده الجديدة في أفغانستان.

ليس دقيقا الحديث عن جديد في استراتيجية واشنطن التي "بشّر" بها دونالد ترامب. فبعد 16 عاماً على الحرب هناك، لا يمكن وصف إرسال بضعة آلاف آخرين من "المستشارين" العسكريين الأميركيين بالنقلة الاستراتيجية النوعية الكبرى. وربما الجديد أن الرئيس الأميركي، الذي لطالما انتقد سلفه باراك أوباما مطالباً إياه بـ "إعادة أبنائنا" من أفغانستان وجٓعٓلٓ من الأمر وعداً في برنامجه الانتخابي، تخلى عن "حدْسه" الذي كان يحثّه على الانسحاب من أفغانستان وخضع لما تبوح به التقارير الأمنية والعسكرية المتخصصة من ضرورة بقاء القوات الأميركية في أفغانستان.

تحدث ترامب أمام جنرالات الجيش الأميركي بما اعتُبر اعترافاً بالدور الذي يلعبه البنتاغون بقيادة وزير الدفاع جيمس ماتيس وكافة المؤسسات الأمنية الأخرى التي يمثلها مستشار الأمن القومي هربرت ماكماستر في تحديد الخطوط الاستراتيجية الكبرى لحركة الولايات المتحدة في الخارج، وبما اعتُبر أيضا تهيباً من موقف منابر عسكرية كبرى، بما في ذلك رئيس أركان الجيوش الأميركية الجنرال جو دنفورد، من مسألة الموقف الملتبس لترامب عقب المواجهات التي حصلت في تشارلوتسفيل في ولاية فرجينيا.

ويخفي قرار واشنطن الاستمرار وتصعيد الضغط العسكري على طالبان لـ "جلبها إلى طاولة المفاوضات"، اعترافاً بقدرية الحركة وحتمية التفاوض معها للوصول إلى أي تسوية في أفغانستان. لا تعامل واشنطن طالبان معاملتها للحركات الإرهابية الأخرى ولا تتوجه للحركة بأي خطاب استئصالي على النحو الذي تقارب به تنظيمي داعش والقاعدة. توحي سلوكيات واشنطن منذ المفاوضات الفاشلة التي أجرتها مع طالبان في أماكن متعددة بما فيها الدوحة، أن الولايات المتحدة قد تعتبر طالبان شريكاً في تحديد مستقبل أفغانستان، وأن ما ترومه الإدارة الأميركية هو جر الحركة لمفاوضات وفق شروط وسطية ما زالت بعيدة عن خطاب طالبان.

على أن مداخل واشنطن إلى تموضع أقوى في أفغانستان لا يخيف طالبان ولا يرهبها. ولئن اعتبرت الحركة عقب خطاب ترامب أن أفغانستان ستكون "مقبرة للأميركيين"، فذلك أن ما تعد به واشنطن لن يغير شيئا في موازين القوى الميدانية، وأنه إذا كانت مقاربة الولايات المتحدة هي نصب طاولة مفاوضات في النهاية، فإن طالبان لا بد أنها تعتبر ذلك نصراً وإقرارا من الخصوم بنهائية وجودها وليس عدميته في مستقبل أفغانستان.

وإذا ما أريد للمراقب أن يدقق في فحوى السطور التي قرأها ترامب كنص جاهز وضعت المؤسسة العسكرية نقاطه وحروفه، فإنه سيتوقف ملياً عند التحذيرات التي توجهها واشنطن لحليفتها الاستراتيجية في المنطقة باكستان. وإذا ما كان من فحوى لعبارة "الاستراتيجية سوف تتغير دراماتيكيا" في أفغانستان التي وردت في خطاب ترامب، فإن الأمر لا ينطبق إلا على العلاقة الجديدة التي تريديها واشنطن مع باكستان.

شكّلت باكستان القاعدة الأولى لكل الاستراتيجية الأميركية في مكافحة الاحتلال السوفياتي لأفغانستان ما بين عامي 1979-1988. من باكستان دخل المدد العسكري الاميركي والدولي إلى المقاومة الافغانية على تعدد فصائلها. ومن باكستان، ومن بوابة بيشاور الشهيرة، دخل آلاف المقاتلين الأجانب الذين تم استقدامهم لـ "الجهاد" ضد المحتل الكافر في أفغانستان. ومن باكستان أيضاً، دخل آلاف من طلاب المدارس الدينية هناك ممن أطلق عليهم اسم "طالبان" ليطيحوا بممالك أمراء الحرب التي انتشرت عقب انسحاب القوات السوفياتية من أفغانستان.

تعتبر باكستان أفغانستان حديقة خلفية تتصل بأمن البلد الاستراتيجي. تٓعاقٓبت على البلد أحزاب وحكومات ورؤوساء، وبقيت أفغانستان قيمة ثابتة في أجندة أجهزة المخابرات الباكستانية. والبلد في مساحاته وقبائله ومشاربه يعمل داخل خريطة من الأجندات الغامضة التي أتاحت انتقال قادة تنظيم القاعدة من تورا بورا الأفغانية إلى داخل النواحي الباكستانية، بما في ذلك مؤسس وزعيم التنظيم أسامة بن لادن إلى أن تمكنت القوات الخاصة الأميركية من قتله في مسكنه في أبوت آباد غير البعيد عن العاصمة (2 مايو 2011).

وعلى الرغم من تبرّم إسلام أباد من النشاط العسكري الأميركي ضد القاعدة على الأراضي الباكستانية بما ذلك قيام الطائرات الاميركية المسيّرة بقتل مدنيين باكستانيين أثناء إغارتها على أهداف للقاعدة، فإن اسلام أباد بقيت تُعتبر حليفة لواشنطن في المشهد الاقليمي الذي يضعها في مواجهة الهند القريبة تاريخيا من الاتحاد السوفياتي سابقا وروسيا لاحقا. لذلك فإن كشف ترامب ووزير خارجيته ريكس تيليرسون عن غضب أميركي من الدور الباكستاني، بما في ذلك اتهام إسلام آباد بتمويل ودعم الارهاب، يُعد مفترقاً مفصلياً يستحق التأمل والبحث.

يعلن ترامب عبر "العذر" الافغاني عن انقلاب محتمل في تحالفات الولايات المتحدة أو بعضها في جنوب آسيا. يدعو الرئيس الاميركي الهند للانخراط، الاقتصادي والتنموي خصوصاً، في الجهود لفرض الاستقرار في أفغانستان. بكلمة أخرى، يرسم ترامب الهند شريكاً يتقدم على أرضية تأنيب للشريك الباكستاني. وداخل ذلك الجديد ضباب كثيف يخفي حقيقة الخرائط التي تنبسط في المنطقة بين ليلة وضحاها.

لا نقول جديدا في تسليط الضوء على حقيقة أن النظام السياسي الباكستاني بُني وفق خلطة متينة بين الدين والمؤسسة العسكرية تراعيها الأحزاب التي تخوض الانتخابات وتتداول الحكومات. ولا نقول جديدا في تأكيد حقيقة أن إسلام أباد صنعت وموّلت ودعمت وسلّحت كثيرا من الجماعات الإسلامية المسلحة لمناكفة الهند في كشمير وحتى داخل الهند نفسها وتعزيز الحضور الباكستاني في أفغانستان الذي يهدده تقدم هندي لافت ومقلق. ولئن تكتشف الولايات المتحدة قبل أيام خطورة التكتيكات الباكستانية التقليدية المغطاة مند حرب أفغانستان ضد السوفييت أميركياً، فإن باكستان نفسها غير جاهزة في القريب العاجل للتموضع وفق معايير واشنطن الجديدة، خصوصاً وأن شكوى واشنطن من العلّة الباكستانية يأتي متصاحباً مع وعد أميركي بترياق تكون الهند عنصر أساس داخله.

ستنطلق المؤسسات الدبلوماسية والمالية والعسكرية إلى باكستان في سعي لشرح منطق ترامب الجديد لقادة النظام السياسي في اسلام اباد. اعتبر الباكستانيون أن الموقف الاميركي الجديد "مخيب للآمال"، خصوصا أنهم أكثر الأطراف تعرضاً للإرهاب القادم من ما وراء الحدود. بدا أن باكستان أُخذت على حين غرة وهي تحاول استخدام رد فعل متأن على فعل أميركي جامح. لكن أسئلة كثيرة بدأت تفوح من عواصم المنطقة المعنية جراء "البقاء" الأميركي في أفغانستان وفق خطة عمادها الأبرز معاداة باكستان. وفي الأسئلة بحث عن الحكمة من تسليم باكستان للصين وروسيا في وقت ترتكز الاستراتيجيات الاميركية على مواجهة توسّع الصين وروسيا في العالم. علماً أن الصين تستثمر ما يقارب الـ 50 مليار دولار في تحديث البنى التحتية الباكستانية لا سيما ميناء غوادار، بما يعني أن واشنطن تستسلم لما بات قدرا صينيا متقدماً داخل دولة عُرفت بالتصاقها التاريخي بخيارات واشنطن.

قد لا يبدو الأمر واضحاً في هذه الساعات. بيد أن المقاربة الاميركية لأفغانستان، التي لا نعرف عنها الكثير، تبدو مربكة وهي تحرك بيادق على رقعة الشطرنج الآسيوية. وقد تبدو اليد الأميركية الممدودة للهند تشبه تمرينا لتبادل الأوراق وإعادة اللعب وفق شروط وقواعد أخرى. وربما للوهلة الأولى فإن خطبة ترامب بالنسبة لأطراف كباكستان والهند والصين وروسيا تشبه خطبة وداع أكثر منها إعلان استراتيجية طويلة الامد لتواجد أميركي لا نهائي في المنطقة.

بيد أن المسألة أعقد من اختصارها في خطاب يلقيه رئيس أميركي. وقد يبدو نافعا توسيع المجهر وادراج التفصيل الافغاني في الأجندة الاميركية من ضمن نشر للقواعد والقوات الذي في الحسابات الإيرانية مثلاً، سيكون مُحاصراً لنظام طهران شرقاً ويأتي مكملاً لورش أخرى تجري في العراق وسوريا غرباً.

يبقى أنه في لعبة تبادل الأوراق ما يمكن أن يناقش ماهية ما ستقدمه واشنطن لموسكو وبكين مقابل ترتيبات في سوريا وكوريا الشمالية. هي ببساطة "لعبة الامم" من جديد.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
خطايا مسعود وكارليس التي قد لا تغتفر
2017-10-20
ترامب وإيران: إطلالة واشنطن الجديدة على العالم
2017-10-16
لماذا ترتعد طهران من المسّ بالحرس الثوري؟
2017-10-13
أي رياح تنفخها الرياض صوب بيروت؟
2017-10-09
الدولة والدويلة في صلح حماس والسلطة!
2017-10-06
البيت الخليجي ما بعد أزمة قطر
2017-09-29
بارزاني ينتج ببراعة أمصالا مضادة لاستقلال دولته؟
2017-09-22
حماس تحل حكومتها: انتصار القاهرة!
2017-09-18
انتصار الأسد ونصرالله وشتائم المعارضة لدي ميستورا!
2017-09-15
حزب الله والجيش اللبناني: الصراع المؤجل!
2017-09-12
المزيد

 
>>