First Published: 2017-08-27

باحث صيني: لا استنساخ ولا تسرع في بناء ديمقراطيتنا

 

مدير معهد العلوم السياسية بالأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية يقدم في كتابه 'ملامح الديمقراطية الصينية' رؤية متكاملة لتشكل الطريق الصيني للديمقراطية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

انطلاقا من تاريخ الصين والظروف الفعلية الخاصة بها

تعد الديمقراطية اتجاها عامًّا للتطور السياسي الذي شهده المجتمع الإنساني بعد دخوله الحقبة الصناعية. ولما كانت الصين حاليًّا في المرحلة التاريخية التي تحقق فيها تطور التصنيع والتحديث؛ كان وجود الديمقراطية نتاجًا حتميًّا لهذا التطور، وكل ما تحتاجه من أجل تنمية الصين المعاصرة. فاستكشاف وضعٍ ديمقراطيٍ يتلاءم مع احتياجات العصر، ويتفق مع ظروف الصين، ويلبي متطلبات التطور، يُعد بلا شك ضمانة سياسية كبيرة لتقدم التحديث والتصنيع.

الباحث الصيني الشهير فانغ نينغ الذي يشغل منصب مدير معهد العلوم السياسية بالأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، في كتابه "ملامح الديمقراطية الصينية" يقدم رؤية متكاملة لتشكل الطريق الصيني للديمقراطية انطلاقا من تاريخ الصين والظروف الفعلية الخاصة بها، مرورا بالاستقلال الوطني وتحقيق دولة قوية وغنية والعمل على تقدم المجتمع، والتأثر بالتقاليد التاريخية والثقافية والظروف المحورية، كما يسرد كيف تحولت الفكرة الأساسية للديمقراطية الصينية من إنقاذ البلاد والخلاص الوطني إلى بناء دولة اشتراكية قوية، مؤكدا أن الطريق الأساسي لبناء الديمقراطية الصينية وتطورها اعتمد على الحقائق الفعلية والحالية للبلاد والخبرات الذاتية التي مارستها الصين نفسها، فقد تمكنت من خلال تكرار البحث والاستكشاف المتواصل من تشكيل نظام سياسي ديمقراطي أكثر منهجية، يتناسب مع مرحلة التطوير ويتماشى مع متطلباتها.

يشير فانغ نينغ في كتابه الذي ترجمته آلاء سيد وصدر عن دار منشورات ضفاف ودار الأمان بالتعاون مع مؤسسة بيت الحكمة الصينية إلى أن عملية بناء الديمقراطية الصينية تتسم بأربع سمات أساسية مميزة هي: التعزيز المشترك لضمان الحقوق المدنية، ومركزية سلطة الدولة في وقت واحد، والتنمية الرئيسية للديمقراطية التشاورية، ووجود تطور اقتصادي واجتماعي يتناسب مع تطوير الحقوق المدنية وتوسيعها، واتخاذ دفع القضايا وتعزيز إجراء التجارب استراتيجيات أساسية لتعزيز الإصلاح السياسي والبناء الديمقراطي.

ويؤكد أن الديمقراطية الصينية هي الخيار التاريخي للشعب الصيني، وطالما كانت الاختيارات المجتمعية هي وحدة بين الذاتية والموضوعية، فأي من الاختيارات التي نفذت من قبل كانت نتيجة لمبادرة ذاتية، وقد خضعت للقيود والحدود التي فرضتها الظروف الموضوعية، فالشعب يقوم بصنع اختياره من خلال الظروف المتاحة التي تفرضها الأوضاع التاريخية ثم يضع هذا الاختيار موضع التنفيذ.

ولقد كانت جميع الأنظمة الديمقراطية في مختلف الدول بلا استثناء شيئا متأصلا في تاريخ تلك البلاد وحضاراتها، فهي أنظمة بنيت طبقا لظروف خاصة بتلك البلاد جميعها، فالتاريخ والظروف الفعلية عاملان أساسيان يلعبان دورا مهما في مرحلة تشكيل الأنظمة الديمقراطية، حيث يقومان بتعميق جذور تلك الديمقراطية وتأصيلها في البلاد.

ويرفض فانغ نينغ استنساخ نماذج الدول الأخرى أو التسرع في بناء ديمقراطية هشة لا تتوافق مع ظروف الصين، ويقول إن طريق الديمقراطية يجب أن يسلك خطوة خطوة وتطوير الحقوق لا يحدث إلا تدريجيا، والأمل في الاستعانة بـ "استنساخ" النموذج الخاص بالدول الأخرى، وسلوك طريق مختصر من أجل التقدم نحو طريق يوفي بجميع تعهدات الحقوق هو شيء غير عملي ولا يمكن حدوثه. فتجاوز المرحلة التاريخية الحتمية للتصور، والتسرع في التعهد بالحقوق هو تصرف غير مسئول، ولم يحدث أن لاقى نجاحا قط، فالحرص على تحقيق نجاح سريع، والحصول على فوائد فورية لا يساعد في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ولا يساهم في الاستقرار الاجتماعي، بل على العكس يقدم لهم مائة ضرر وضرر في مقابل منفعة واحدة، إن وجدت.

ولقد أثبتت التجارب التاريخية مرة أخرى أن الحقوق عملية تاريخية تتطور وتتحسن باستمرار في وجود نظام تطوير شكل بصورة ذاتية ونما تدريجيا ولا يمكن تنفيذها بين عشية وضحاها، وأن طريقة الحرص على تحقيق نجاح سريع والحصول على فؤائد فورية تنتهي بنتائج محزنة على الدوام.

ويرى فانغ نينغ أن التنمية السابقة لأوانها طالما ترتبط بـ "التقدم المتهور" و"التقدم السريع" و"الراديكالية" و"نفاد الصبر" وغيرها من المصطلحات وتنطلق دائما خلال الممارسة الفعلية السياسية المعاصرة في حركة تشبه الإعصار العنيف لتنتهي في نهاية المطاف بـ "الخروج عن السيطرة" و"الاضطراب" و"الانهيار" ومن ثم نجد أنه خلال طريق بناء الديمقراطية يكون هذا النوع من الأخطار أكبر بكثير من فوائد مسار تحقيق وضمان الحقوق المتسرع، لذا يلزم علينا التراجع لتجنب الصدام معها وتحاشيها، والانعطاف نحو البحث عن طريق إيجابي وآمن ومنظم ومنسق لتنفيذ الحقوق وضمانها، وتطوير الحقوق تطويرا تدريجيا والدفع الإيجابي للتطور المرحلي للحقوق.

ويضيف أن الصين وجدت بالفعل طريق التنمية السياسية الذي يتلاءم مع متطلبات التحديث والتصنيع بها، وانتهت من تأسيس نظام ديمقراطي ذي خصائص صينية، ولكنها لا تزال في مرحلة تطوير التصنيع والتحديث، وسوف يواصل بناء الديمقراطية الصينية استكشاف الطريق إلى الأمام بالتزامن مع تطوير المؤسسات والأعمال وتغيير العصور.

ويعد إصلاح النظام السياسي وتطوير الديموقراطية الصينية من حيث الجوهر، هو منتج تقدم التنمية الاجتماعية بالصين المعاصرة، ويجب ألا يتوقف النظام السياسي عن استيعاب تغيرات البنية الاجتماعية والاقتصادية والتكيف معها، فالديمقراطية شكلت من أجل تطوير المجتمع، فهي تقدم العون والضمان له، ويحتاج زيادة دفع بناء الديمقراطيات إلى سياسات واستراتيجيات صحيحة، وتحدد صحة استراتيجيات وسياسات دفع بناء الديمقراطية من عدمه، وما إن كانت تتوافق مع متطلبات التنمية أم لا؟

ويوضح أنه بدراسة تاريخ الصين وظروفها الأساسية ومراحل التنمية الاجتماعية بها، والمهام الفعلية التي واجهتها، يمكن التنبؤ بأن الطريق والاتجاهات التي ستختارها التنمية الديمقراطية المستقبلية بالصين لا يمكن أن تكون تنمية وتوسيع نظام التنافسية، الذي يتضمن تنفيذ الانتخابات التنافسية، وتعزيز وتوسيع الانتخابات الشعبية التي نفذت منذ أعوام عديدة. ففي المرحلة الحالية لا تمتلك الصين الظروف الاجتماعية لتنمية شكل الديمقراطية التنافسية، ولا تزال المهمة الرئيسية التي تواجهها الدولة والمجتمع تتمثل في التنمية الاقتصادية، أما بالنسبة لمهام ووظائف البناء السياسي التي تتوافق مع التنمية الاقتصادية فمازالت تتمثل بشكل رئيس في تكثيف التوافق الاجتماعي وتحفيز إيجابية الشعب على البناء والانتاج.

إن تعزيز بناء الديمقراطية وإصلاح النظام السياسي يحتاج إلى ثلاث استراتيجيات هي: نشر المشاركة السياسية المنظمة بمختلف المستويات، وتوسيع نطاق الديمقراطية التشاورية، ورفع جودتها، وتأسيس نظام تقييد السلطة وتطوير الإشراف الديمقراطي.

ويؤكد فانغ نينغ إن الديمقراطية التشاورية هي الشكل الديمقراطي الأنسب والأكثر ملاءمة للتطور الاجتماعي والاقتصادي الصيني في الفترة الحالية، وهي وفقا لتقرير المؤتمر الوطني الـ 18 للحزب الشيوعي الصيني "آلية عمل ونظام موسع ومتعدد المستويات وتتمثل قنوات التشاور الرئيسة في كل أجهزة السلطة السياسية ومواطني الدرجة الأساسية، أما محتوى التشاور فهو كافة القضايا الكبرى الخاصة بالتطور الاجتماعي والاقتصادي والقضايا الفعلية المتعلقة بمصالح المواطنين أنفسهم".

ويضيف "ترتيبات النظام التنافسي لا تتناسب مع المجتمع الصيني الحالي، في حين يمكن للتشاور الديمقراطي أن يقوم بتسوية التناقضات الاجتماعية والبحث عن أرضية مشتركة وزيادة التوافق، فوظيفتها الداخلية وتوجه قيمتها له القدرة على حل الصراعات الاجتماعية وتعزيز التوافق الاجتماعي وزيادة التناغم الاجتماعي ويعد اختيار الديمقراطية التشاورية هو الشكل الرئيس لممارسة الديمقراطية الصينية الحالية، ويكمن سبب ذلك في امتلاكها قيمة تاريخية ومعاصرة كبيرة".

ويلفت فانغ نينغ إلى أن الديمقراطية التنافسية تعمل على إحداث تضارب في المصالح بكل سهولة من خلال تعزيز الخلافات وتأثير مبدأ "الفائز يأخذ كل شيء" الخاص بها. بينما تسعى طبيعة التشاور إلى الوصول إلى التقاء المصالح والبحث عن العامل المشترك الأكبر، فتهتم بمصالح الأطراف كافة وتعمل على تعزيز التوصل إلى تفاهم وشكل المصلحة المشتركة، ولقد كان هذا بالضبط أكثر ما ساهم في حل التناقضات الاجتماعية، وتعزيز طريق التكامل الاجتماعي خلال الفترة الانتقالية للتصنيع وفترة تعدد التناقضات الاجتماعية.

ويظهر التوافق الاجتماعي وتعزيز التكامل الاجتماعي الذي تشكله الديمقراطية التشاورية في المرحلة الحالية ظهورا أساسيا في التنسيق والتكامل بين العلاقات الثلاث الكبرى: الأحزاب والمجموعات الاجتماعية الناشئة والقوميات، فالناقل الرئيس الذي يعتمد عليه التكامل الاجتماعي هو التنظيمات الحكومية وتنظيمات الأحزاب والتنظيمات المدنية.

يذكر أن الكتاب يأتي ضمن سلسلة كتب "فهم الصين" التي تنشرها الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية وتستهدف سرد قصة الصين بطريقة صحيحة، و"نحكي تجربتنا وخبرتنا، مستخدمين أسلوب التعبير الدولي؛ لتعريف العالم بأسره بالصين الحقيقية؛ ولنوضح لهم أن شكل الحداثة الغربية ليس هو نقطة النهاية لتطور التاريخ البشري، وأن الاشتراكية ذات الخصائص الصينية هي أيضًا ثروة ثمينة للفكر الإنساني، ويعتبر الأمر مهمة بالغة الأهمية لكل الباحثين الأكاديميين المُتحَلين بحس العدالة والمسؤولية".

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
القاهرة منتصف القرن التاسع عشر في عيون إدوارد وليم لين
2017-09-22
النجيحي وحمدان: الوساطة أضحت قبلة منشودة في أميركا وأوروبا
2017-09-21
غيث البطيخي يتساءل: كيف يدّعون الإيمان ويَقتلون؟
2017-09-20
محمد الطوالبة يؤكد أن أركون وقع أسـير الاستخدام الأيديولوجي
2017-09-19
تعزيز صناعة الكتاب في الإمارات على طاولة الوطني للإعلام وجمعية الناشرين
2017-09-18
'في غرفة العنكبوت' محاولة لكتابة قصة حب بين ذكرين
2017-09-17
سمير غطاس يؤكد أن هناك علاقات وطيدة بين الجماعات الموجودة في غزة وسيناء
2017-09-15
'الخلاص بالفن' يدعو الإنسان إلى التمسك بالحلم والتذرع بالأمل
2017-09-15
'الشارقة الدولي للكتاب' يستعد لدورته الجديدة
2017-09-14
مكتبة الاسكندرية تفتتح مؤتمر 'مستقبل القوى الناعمة المصرية'
2017-09-13
المزيد

 
>>