First Published: 2017-08-29

عبدالرحمن مرعي يوثق سيرة أهل الكتاب في القرآن الكريم

 

الباحث يتناول موقع أهل الكتاب من خلال الجانب اللغويّ، والتركيز على التسميات والألفاظ التي عبّرت عن السّياقات المتنوّعة التي صيغت فيها الآيات.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

التوثيق مرجع مهم على مدى العصور والأجيال

يبحث هذا الكتاب "أهل الكتاب في القرآن الكريم.. دراسة معجميّة في السِّياقات والمفاهيم اللفظيّة" للباحث د. عبدالرحمن مرعي السّياقات اللغويّة التي أُنزلت أو ذُكرت فيها الآيات المتعلقّة باليهود والنصارى وبالأنبياء ذوي الصلة بهم. حيث إن ما يميّز القرآن عن الكتب السماويّة التي سبقته، بأنّه لم ينزّل على أمّة أو ملّة محدّدة، بل هو موجّه للبشرية جمعاء رحمة من ربّ العالمين، وهدىً للمتقين أينما حلّوا في هذا الكون.

إنّ الظروف التي نزل فيها القرآن كانت صعبة للغاية، حيث اعترض له بشدّة، على وجه الخصوص؛ وعلى الدعوة الإسلاميّة عموماً، المشركون من العرب وأصحاب الدّيانات اليهوديّة والنصرانيّة والصابئة، وعليه، أُنزلت آيات قرآنيّة كثيرة بحق اليهود والنصارى، بأسمائهم أو بخطابهم بأهل الكتاب (أي التوراة والإنجيل).

الباحث الذي كتب العديد من الدّراسات القيّمة التي تناولت مسألة أهل، رأى أنّ لكتابه هذا وقعاً خاصاً في فهم أهل الكتاب وفق سياقات أخرى في القرآن الكريم، إذ يتناول موقعهم من خلال الجانب اللغويّ، والتركيز على التسميات وعلى الألفاظ التي عبّرت عن السّياقات المتنوّعة التي صيغت فيها الآيات.

ولتحقيق هذه الغاية، اتبع أسلوبين؛ الأوّل: النهج المعجميّ، والذي تحرّى جميع الألفاظ التي يتناولها القرآن في حديثه عن أهل الكتاب. والثاني: تبيان المفردات المتكرّرة في السّياقات التي وصفت فيها حالة أهل الكتاب.

هكذا يعد الكتاب الصادر عن الآن ناشرون وموزعون مرجعاً مهماً في توثيق سيرة أهل الكتاب في القرآن الكريم الدينيّة والتاريخيّة والاجتماعيّة وعلاقتهم فيما بينهم وبين الآخر.

ووفقا للمؤلف فإن "هذا التوثيق بمثابة مرجع مهم لهم على مدى العصور والأجيال. واعتمدت الدّراسة على هذا التوثيق من وجهة نظر لغويّة معجميّة شاملة، وليست دينيّة بحتة، كما هو متّبع في غالبيّة الأبحاث".

وأضاف "المنهج البحثيّ للكتاب في السّياقات التي ورد فيها ذكر أهل الكتاب كلّ على انفراد، أو كلاهما سوياً أو الأنبياء والرّسل الذين بُعثوا إليهم اعتمد على محورين أساسيين، وهما: التسميات ودلالاتها؛ والتكرار في الألفاظ والقوالب اللغويّة.

أمّا التسميات فقد اندرجت تحت عدّة مصنّفات ومفاهيم: تسميات مباشرة وسياقات مباشرة وتصريحيّة وتلميحيّة وضمنيّة وليدة الحدث الذي ذكرت فيه؛ بالإضافة إلى تسميات ذات صلة بدلالاتها لليهود والمسيحيّين. وضمن هذه المصنّفات المعجميّة تفرعت المفاهيم الثانويّة الخاصّة بالموضوع.

وما يخصّ التكرار فقد تمحور في ثلاثة أمور: الآيات القرآنيّة المتشابهة التي تكرّرت في مواطن مختلفة بالقرآن في تناولها نفس السّياق؛ والقوالب اللغويّة التي ذكرت نفس الموضوع بنفس التركيب اللغويّ؛ وتكرار ألفاظ معيّنة مكوّنة من الأفعال وتصريفاتها وردت في عدّة آيات وذلك للتأكيد على حدث ما أو للتعبير عن حالة معيّنة من أجل إظهار مخاطرها والتحذير منها.

وأكد الباحث أن العرب اهتموا منذ القدم بالمحافظة على اللغة العربيّة خوفاً من ضياعها واندثارها، فعملوا على جمعها في المجامع اللغويّة. وتعدّ المعاجم مرجعاً نحوياً مهماً في تصريف الكلمة واشتقاقاتها ومعرفة تطوّرها التاريخيّ. وفي هذا الكتاب، تمّ استخراج جميع الألفاظ الرّئيسة والفرعيّة لأهل الكتاب وعرضها بأسلوب سهل وواضح. هذه الألفاظ بمثابة معجم لغويّ، ولكن الأهمّ في المعجم أنّه عُرض من خلال السّياق القرآنيّ الذي ورد فيه. وعليه، يستطيع القارئ أو الباحث الاستفادة منه كمعجم وكدليل على أهل الكتاب في القرآن الكريم في آنٍ واحد.

هكذا تعاين الدراسة أهل الكتاب على ضوء ما ورد في القرآن الكريم، باعتباره وثيقة دينيّة تاريخيّة شاملة يحكي قصّتهم الله سبحانه وتعالى، والمبلّغ عنهم هو الصّادق الأمين رسول الله الأعظم، محمد صلى الله عليه وسلم.

إنّ المنطلق الأساسيّ هو معاينة الجانب اللغويّ للآيات القرآنيّة، التي ذُكر فيها أهل الكتاب. وفي مواضع معيّنة تمّ الاستعانة بأسفار التوراة (العهد القديم) وبالأناجيل (العهد الجديد) لتوضيح أفكار وردت في سياق الدراسة.

وأوضح الباحث أنّ الألفاظ هي المحور الرئيس للبحث، وقال "هو يقع أيضاً في تصنيفات المعجم. وبشكل عام، اهتم الباحثون بدراسة المعاجم المفهرسة لألفاظ القرآن الكريم، مثلاً: "المعجم المفهرس" الذي وضعه محمد عبدالباقي (1987)، وكتاب "قائمة معجميّة بألفاظ القرآن ودرجات تكرارها" لمحمد أبوالفتوح (1990).. فالبحث يختلف عن هذين الكتابين من حيث الهدف والتوجّه، إذ يدمج بين نهج البحث العلميّ الذي يتناول على وجه الخصوص أهل الكتاب من خلال تبيان الألفاظ والسياقات التي وردت فيها. هذه الألفاظ تشكّل معجماً لكل من يهتم بالاطلاع على أحوال أهل الكتاب في إطار النصّ القرآنيّ.

اشتمل الكتاب على خمسة فصول وملحق، تناول الفصل الأوّل العلاقة بين الديانات السماويّة الثلاث، المؤمنة بالله: اليهوديّة والنصرانيّة والإسلاميّة. وتتمثّل هذه العلاقة في الأمور الدينيّة والاجتماعيّة والسياسيّة في بداية الدعوة الإسلاميّة وتطوّرها في ما بعد. بالإضافة إلى مقارنة بين الآيات المتشابهة في القرآن والتوراة والألفاظ الدّخيلة من العربيّة والعبريّة في الكتابين المقدسين لدى المسلمين واليهود. وأيضا تبيان الإشارات التصريحيّة والتلميحيّة في التوراة والإنجيل التي بشّرت بقدوم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

وعاين الفصل الثاني توثيق سيرة اليهود في القرآن الكريم، إذ أوضح الباحث أن الدّيانة اليهوديّة في أساسها كانت قبليّة، اختصّت الملّة اليهوديّة وحدها. فالديانة اليهوديّة منذ نشأتها تزداد وفق معيار الولادة وليس الهداية، أي أنّ المنتسبين إليها يكونون بإطار الوراثة، الذين ينطبق عليهم التعريف باليهوديّة من قِبل والدته. ومن يبغي الانتساب إليها خارج العامل الوراثيّ عليه تنفيذ عدّة شروط حتّى يدخل في هذه الملّة. وفيما بعد، تبعتها المسيحيّة التي تمحورت بشخص عيسى عليه السّلام، إذ خرجت شيئاً ما عن الدائرة القبليّة، واعتنقتها أقواماً أخرى. وتوّج هذا المنحى بالدّيانة الإسلاميّة، التي كانت دعوتها موجّهة للناس كافةً، متجاوزة حدود المكان والزمان والسّلالات والأقوام.

ورأى أنّ "هنالك الكثير من نصوص القرآن وآياته تناولت اليهود وأخبارهم وتعاملهم وسلوكهم وموقفهم من الدعوة الإسلاميّة. فعندما ظهر الإسلام في المدينة، قاومه اليهود مقاومة خفيّة وعلانيّة، ورأوْا به حاجزاً منيعاً يقف في طريقهم، يهيمن على مقاليدهم، ويعزلهم من القيادة الاقتصاديّة والأدبيّة التي كانوا يتمتّعون بها، وهناك من صدّق به.

تمّ التركيز على تبيان تسميات اليهود في القرآن الكريم وهي متعدّدة منها: التسميات المباشرة والسّياقات المباشرة والتصريحيّة والتلميحيّة والضمنيّة. ناهيك عن السّياقات اللغويّة التي تتمحور في التكرار اللغويّ، كالتشابه بالآيات، والقوالب اللغويّة، والتركيز على أفعال وتصريفاتها. والتسميات ذات الصلة بدلالاتها باليهود، مثل المواقع الجغرافيّة، وأسماء الأطعمة، وتسميات الأشخاص، وتسميات غير بشريّة، وبيّنات موسى، والعقيدة اليهوديّة، وتعريفات في الهُويّة اليهوديّة".

وانصب الفصل الثالث في تجلّي صورة النصارى في القرآن الكريم. وصفت هذه الصورة غالباً بالإيجابيّة، وذلك لما أبداه النصارى من معاملة جيّدة تجاه المسلمين في بداية الدعوة المحمديّة.

أخذت التسميات والسياقات المباشرة والتصريحيّة والتاريخيّة واللغويّة التي تشير إلى المسيحيّة حيّزاً مهماً في هذا الفصل، إضافة إلى أماكن العبادة والمجموعات التي اتبعت المسيح في عصره.

وانفرد الفصل الرابع بدراسة مفهوم أهل الكتاب مع التركيز على السّياقات العامّة التي ذكر فيها مفهوم "أهل الكتاب" أو "اليهود والنصارى" صراحة سوياً؛ أو من خلال الإشارة إليهم في سياقات تلميحيّة. ثمّة اهتمام خاصّ في التحدّث عن أهل الكتاب من خلال السّياقات اللغويّة التي تجلّت في أطُر الآيات المتشابهة والقوالب اللغويّة الثابتة والألفاظ المتكرّرة.

وفي الفصل الخامس، والأخير، سلّط الباحث الضوء على الأنبياء والرّسل ودورهم في تثبيت الدعوة إلى الله.. وتمّ التركيز على الأنبياء ذوي الصّلة بأهل الكتاب كما تظهر صورتهم بالقرآن مقارنة ما كُتب عنهم في التوراة.

وقد لفت الباحث إلى أن "المعلومات في القرآن صيغت بالإيجاز، بينما في التوراة كتبت بالتوسّع والتفصيل. فالاستعانة بالتوراة تساهم في تزويد المعلومات حول الأنبياء والرّسل الحاضرين في القرآن. لقد ابتدأنا الحديث عن أبي الأنبياء إبراهيم الخليل وتناولنا جميع الأنبياء والرّسل الذين بعثوا إلى بني إسرائيل وفق التسلسل الزمنيّ وانتهينا بيحيى الذي جاء قُبيل عيسى عليهم السّلام".

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
تفاصيل المشروع الصهيوني لاختراق مصر من 1917 حتى 2017
2017-11-21
سلامة كيلة يؤكد عودة شبح الشيوعية مع الصراع الطبقي وتأزم الرأسمالية
2017-11-20
بدايات الصحافة الفلسطينية في معرض يضم صورا وصحفا وأفلاما وتسجيلات
2017-11-18
محمد بنطلحة: ليس هناك حرب أهلية بين الشعر والرواية
2017-11-17
معاوية إبراهيم يستعرض التاريخ المشترك للأردن وفلسطين
2017-11-16
تشانغ وي: الفوضى والانقسام مصير الصين إذا طبقت النموذج الغربي
2017-11-15
سميح مسعود: جذوري نادتني فكانت ثلاثية 'حيفا بُرقة... البحث عن الجذور'
2017-11-12
عبدالمالك أشبهون يرصد ظاهرة التطرف الديني في الرواية العربية
2017-11-11
باحثون عرب: الخروج بالبحث العلمي الأساسي والتطبيقي العربي من أزمته يحتاج إلى قرار سياسي
2017-11-09
مؤسسة عبدالحميد شومان تطلق جوائزها للابتكار العلمي بقيمة مليون دينار أردني
2017-11-08
المزيد

 
>>