First Published: 2017-08-30

خنياب يقترح وضع نصوص تشـريعية عقابية ضد مجرمي جرائم الحاسوب والإنترنت

 

الباحث القانوني يرى في دراسته لظاهرة النصب والاحتيال؛ ضرورة إيجاد قواعد لتنظيم التفتيش عندما يكون الحاسوب متصلاً بآخر خارج الدولة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

جريمة النصب لم تكن معروفة في التشـريعات القديمة

تتوغل ظاهرة النصب والاحتيال في الكثير من المجتمعات العربية وتنتشر جرائمها عبر الكثير من الأشكال، وتتنوع ما بين العمل التنظيمي لجماعة أو مجموعة من الأفراد والعمل الفردي، وذلك دون أن تكون حكرا على طبقة أو فئة أو مجال بعينه، فقد امتدت من السياسة إلى الاقتصاد والثقافة والدين والفنون، ومن الواقع الحياتي للمجتمع إلى الفضاء الإلكتروني الذي ساهم بشكل ملحوظ في تطور الظاهرة.

الأديب والقانوني د. كريم منشد خنياب رئيس الدائرة القانونية في الاتحاد العربي لحماية الحقوق الفكرية بجامعة الدول العربية، درس هذه الظاهرة دراسة قانونية مقارنة في كتابه "جرائم النصب والاحتيال.. وعلاقتهما بالجرائم المشابهة لهما في القانون الجنائي"، انطلاقا من تعريف مفهوم جريمة النصب وسايكولوجية النصاب والمحتال وأركان الجريمة وعقوبتها في القوانين العربية.

وكذا فعل مع جريمة الاحتيال مفهومها وخصائصها وأركانها سواء المادية أو المعنوية، وأفرد فصلا كاملا للجرائم الإلكترونية والتمييز بينها وكيفية إجراء التحقيق فيها، معرفا بجرائم الحاسوب وجوانبها الفنية والقانونية، ومميزا بين جريمة الاحتيال الإلكتروني وجريمة النصب الإلكتروني، وآليات ومعوقات التحقيق في الجريمتين، والأساليب الحديثة لمواجهة جرائم النصب والاحتيال والجرائم المشابهة لهما.

بداية أوضح د. خنياب أن جريمة النصب لم تكن معروفة في التشـريعات القديمة، وقال كانت في القانون الروماني صورة من صور جريمة سلب مال الغير، من بينها السـرقة وخيانة الأمانة. ولم تبرز جريمة النصب بذاتها إلا بعد قيام الثورة الفرنسية، فكانت قبل ذلك تكيّف تارة على أنها سـرقة وتارة أخرى تزوير. فكان يعاقب على استعمال أسماء أو صفات كاذبة على أساس جريمة التزوير، بعدها أصبحت جريمة مستقلة بذاتها عن غيرها من الجرائم الشبيهة بها، ووضع لها نص خاص في تشـريع سنة 1791 الذي أتت به الثورة الفرنسية، بعدها نصت على جريمة النصب بموجب تشـريع 1810، واعتبرت جريمة النصب جريمة قائمة بذاتها، لها خصائص ومميزات تميزها عن جريمة السـرقة والتزوير وخيانة الأمانة.

ولفت في كتابه الصادر عن الآن ناشرون وموزعون إلى أن مصطلح النصب استعمل لأول مرة في نص المادة (405) من قانون العقوبات الفرنسـي تحت لفظ الطرق الاحتيالية بدلا من لفظ التدليس، وحدد ماهية الأفعال المكونة للنصب والمتمثلة في استعمال أسماء أو صفات كاذبة أو وسائل التدليس والاحتيال. وبتاريخ 08 أكتوبر 1935 أضيفت فقرة إضافية لتلك المادة بموجب مرسوم تشـريعي نص فيها على الظروف المشددة لجريمة النصب، والمتمثلة في ارتكاب النصب في مواجهة الجمهور، وأضاف إلى جانب ذلك العقوبات التكميلية؛ والمتمثلة في الحرمان من الحقوق الوطنية كلها أو بعضها والمنع من الإقامة وهي عقوبات جوازية.

وأكد خنياب أنه لحق بجريمة النصب تطور كبير وهائل مع تطور العصـر، ولم تعد ترتكز على إتباع الوسائل التقليدية لارتكابها، وتطورت مع مرور الزمن واتخذت عدة صور وتنوعت أساليب النصابين ووسائلهم الاحتيالية وتطورت مع التطور التكنولوجي، خاصة مع ظهور الإعلام الآلي والشبكات الإعلامية والإنترنت، التي عصـرنت الوسائل التدليسية المستعملة، بحيث أصبح من الصعب على الأشخاص العاديين اكتشافها بسهولة وتفادي الوقوع فيها، خاصة في عمليات البنوك والبيع والشـراء عن طريق الإنترنت، واشتهرت في الآونة الأخيرة هذه الظاهرة وتفشت في الدول الغربية، حيث سهلت الوسائل الحديثة على المحتالين ارتكاب جرائهم بسهولة دون ترك أي أثر أو دليل، وهذا ما يصعب من العمل القضائي لأنه من الصعب العثور على هوية الجناة.

رأى خنياب أن النصب هو استخدام التضليل من أجل الحصول على أموال الآخرين أو الامتلاك غير المشـروع قانوناً وبطرق الغش والخداع والمراوغة والتزييف، بإعطاء ضمانات وهمية كافية لإقناع المجني عليه ضحية النصاب وبوسائل مبتكرة. وإنه شخص شديد الذكاء والمكر وانعدام الخلق والضمير.

وقال إن النصاب شخصية نرجسية مضطربة مضادة للمجتمع طماع، محتال، مستفز، يعاني من حرمان مادي وحرمان من تقدير المجتمع له. ويستخدم أساليب غير مشـروعة قانوناً واجتماعياً للحصول على أموال الآخرين وأحياناً يتحين الفرص للاستفادة من ثغرات القانون وسلب الحقوق من الناس.

وأشار إلى أن الركن المادي لجريمة النصب هو الفعل المادي الظاهري الذي يجرمه قانون العقوبات وهو الواقعة الجرمية أو الفعل الجرمي الذي ينصب على الشـيء المحمي بالقانون، والجريمة هي السلوك الإجرامي والنتيجة الجرمية والعلاقة السببية. وبالطبع هناك فرق بين انتحال شخصية موظف حكومي وآخر يحمل صفة رسمية، فجريمة انتحال الصفة تنطبق على كل من يتخذ صفة غير صفته العادية بأعمال منافية للقانون ويقترن الانتحال بوسائل احتيالية أو صفة غير صحيحة وقد خصص عدد من القوانين العربية عقوبات جزائية لكل من يمارس هذه الحالة كونها جريمة نصت عليها القوانين كونها جرائم عمدية.

وأضاف د. خنياب جريمة السـرقة تعد من أقدم الجرائم وهي أخذ مال الغير والاستيلاء عليه بدون رضا صاحبه وقد نصت القوانين العقابية العربية على تعريفها على تحديد العقوبة الجزائية كونها فعلاً مخالف للقانون واستثني من جريمة وقوع السـرقة الشـيء المباح مثل الهواء ولا يمنع أن يكون محل السـرقة مواد ممنوعة أو يجوز التعامل معها.

ومن الاستحالة المطلقة والقانونية سـرقة شخص أمواله إذ يعتبر فعله المنص على أمواله استعمالاً مشـروعاً وتخرج من نطاق العقاب، ولا يحاسب قانوناً. وفي حالة تغيير نية الأمين في حيازته للمال المنقول بحيث يبدلها من حيازة ناقصة إلى حيازة كاملة أو يمتلكها يتحقق الإختلاس عند رفض رده إلى صاحبه عند الطلب.

وقال إن من الجرائم الدولية الخطرة جريمة غسل الأموال لتأثيرها سلباً على الاقتصاد الدولي كونها جريمة منظمة تفترض تعدد الجناة ووحدة الجريمة مادياً ومعنوياً بحيث يساهم كل عنصـر فيها من العناصـر المؤثرة للجريمة. وقد استعملت الوسائل التقنية الحديثة فيها في مجال الخدمات البنكية المصـرفية والمعاملات التجارية والمالية، وقد فرضت التشـريعات العربية على الأشخاص والمؤسسات التي تخالف أحكام قانون غسيل الأموال عقوبات أصلية وعقوبات أصلية وعقوبات تكميلية.

وأكد د. خنياب أن الشيك يقوم بدور بالغ الأهمية بوصفه أداة وفاء كالنقود ومع ذلك لا يوجد في القانون تعريف واضح للشيك بيد أن الفقه القانوني وضع له تعريفا بأنه محرر مكتوب وفقاً لأوضاع شكلية معينة. واختلاف الفقهاء حول طبيعة الشيك في ظل القانون التجاري السابق هل يعتبر عمل مدني أم عمل تجاري وعليه الرجوع إلى العرف، فإذا وجد عرف طبقت قواعده بغض النظر عن تجارية الشيك أو مدنيته وفي حالة خلو العرف فيجب التفرقة على أساس الشكل الظاهر للشيك.

أما جريمة الحاسوب الآلي فرأى د. خنياب أنها تعتبر من أنواع الجريمة المتعارف عليها وهي استخدامه كأداة للإجرام التجاري، وهي كجريمة السـرقة والغش والابتزاز وذلك بتسخير أو إساءة استخدام الحاسب الآلي، وإنها في نطاق القانون الجنائي سلوك محظور يخل بأمن المجتمع وقرر لها عقوبة أو تدابير احترازية في أغلب التشـريعات العربية لإدخال بيانات مزورة في الأنظمة.

وقال "اختلاف الظاهرة الإجرامية الناشئة عن استخدام الحاسوب من الوجهة التقنية ومن الوجهة القانونية حيث تباينت التعريفات لها فيما إذا كانت متعلقة بالقانون الجنائي أم متعلقة بحقوق الملكية الفكرية وعليه فإنها سلوك غير مشـروع يعاقب عليه قانون العقوبات كونها وسيلة للاعتداء على الأموال المادية والمعنوية.

ومن آثار جريمة النصب والنصب الإلكتروني أنها تؤثر على الناحية الاقتصادية والاجتماعية خاصة مع تطور التكنولوجيا الحديثة، وظهور الإنترنت بقيام مشاريع سكنية وهمية أو مكاتب تصدير واستيراد أو شـركات استثمار.

ونظراً لشيوع جرائم النصب والاحتيال وتطورهما في الآونة الأخيرة إضافة إلى الوسائل الحديثة فكان للأجهزة الأمنية دور فاعل في مكافحتها وكذلك للإعلام الذي من ضروراته أن يتم إيصال الخبر والمعلومة عن الجريمة كمهمة إنسانية وقانونية لمكافحتها إضافة لدور الأفراد في المجتمع للإخبار عنها، لحمايته من الناحية الاقتصادية والاجتماعية.

وأوصى د. خنياب في ختام دراسته بعدد من التوصيات، قال:

ـ من الضروري حل إشكالية تسمية جريمة النصب من جريمة الاحتيال، إذ أن التشـريعات الجنائية للدول العربية انقسمت حول التسمية فعدد من قوانين العقوبات في الدول العربية أطلقت عليها جريمة الاحتيال، والبعض الآخر أطلق عليها جريمة النصب ومنها أطلق عليها جريمة الغش.

ـ نقترح أن يضع المشـرع المصـري تعريفاً لجريمة النصب كونها من جرائم الاعتداء على أموال المواطنين واكتفى عند نصه على النسب بأنه صورة من صور وطرق التدليس التي يستخدمها الجاني في جريمته.

ـ نوصـي بضرورة تشديد عقوبة انتحال الصفة لأنها استهانة لحقوق الناس وحياتهم وخاصة مهنة الطبيب وضباط الشـرطة والمحامين.

ـ نوصـي أن توحد التشـريعات القانونية بضم القرار (160) لسنة 1983 الذي يتطرق إلى جريمة انتحال صفة موظف حكومي وأن تكون هذه الجريمة من جرائم النصب والاحتيال في قانون العقوبات العراقي رقم (456) والغاية هي عدم تشتيت جهد السلطة القضائية للتداخل الواضح في هذه الجرائم.

ـ ضرورة وضع فروق مهمة تميز بين جرائم الاحتيال والنصب وخيانة الأمانة وإعطاء شيك بدون رصيد وجريمة غسل الأموال ومع ان شـراح القانون أجمعوا على أنها الاعتداء على مال منقول مملوك للغير وتشترك كلها في نية اغتنام المال وحرمان صاحبه منه. حيث إن قانون العقوبات المصـري جمع بين جريمة الاحتيال وعدد من الجرائم الأخرى في باب واحد. وجمع بين النصب وخيانة الأمانة وجريمة الاحتيال والسـرقة.

ـ نقترح على المشـرع العراقي لكي يتوصل التحقيق جريمة غسل الأموال إلى توافر القصد الخاص للجاني إضافة إلى القصد العام في نطاق الركن المعنوي للجريمة وكما تم توضيحهما في جرائم الاعتداء على أموال الأشخاص.

ـ نقترح عدم مساواة المشـرع القانوني العراقي في عقوبة جريمة غسيل الأموال التامة وبين جريمة الشـروع فيها.

ـ جريمة خيانة الأمانة من الجرائم التي تقع على الأموال والمقترح أن تكون خيانة الأمانة التي تقع على سـر من الأسـرار المتعلقة بالأشخاص أو المؤسسات وليس فقط على الأموال والمعاملات التجارية.

ـ ضرورة إعطاء أهمية لجرائم الحاسوب والإنترنت لمواجهتها بالسـرعة الممكنة وحفظ وحماية البرمجيات والبريد الإلكتروني بتشديد العقوبة على الجاني كونها جرائم واقعة على أموال باستخدام أساليب فنية وجريمة يتوافر فيها القصد الجنائي العام والخاص لإيقاع المجني عليه في فعل التدليس.

ـ نقترح تشكيل فريق عمل من الفنيين والاختصاصيين ذوي الخبرة الطويلة في مجال الحاسوب والتحقيق الجنائي بشكل عام والتحقيق الجنائي الإلكتروني بشكل خاص وأن يستعينوا هؤلاء المحققون بخبراء في مجال الحاسوب والإنترنت ليتكمنوا من التوصل إلى كل جريمة وملابساتها.

ـ نقترح وضع نصوص تشـريعية عقابية ضد مجرمي جرائم الحاسوب والإنترنت حيث إن هذه الجريمة ستتفاقم وخاصة في المعاملات التجارية والإجراءات الإلكترونية. وخاصة فإن قانون أصول المحاكمات الجزائية يفتقر إلى كثير من النصوص القانونية لمواجهة الطبيعة الخاصة لجرائم الحاسوب والإنترنت.

واقترح د. خنياب لغرض التوصل وضبط الجريمة التي ترتكب من خلال الحاسوب والإنترنت:

أولا: إيجاد قواعد لتنظيم التفتيش عندما يكون الحاسوب متصلاً بآخر خارج الدولة.

ثانيا: تحديث نظرية الإثبات الجنائي يتوافق مع قبول الدليل المعنوي في الإثبات. ثالثا: اتخاذ الإجراء اللازم للدخول إلى ملفات مستخدم الحاسب عند إجراء التحقيق للحصول على أدلة تثبت تورطه بارتكاب جريمة.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
تفاصيل المشروع الصهيوني لاختراق مصر من 1917 حتى 2017
2017-11-21
سلامة كيلة يؤكد عودة شبح الشيوعية مع الصراع الطبقي وتأزم الرأسمالية
2017-11-20
بدايات الصحافة الفلسطينية في معرض يضم صورا وصحفا وأفلاما وتسجيلات
2017-11-18
محمد بنطلحة: ليس هناك حرب أهلية بين الشعر والرواية
2017-11-17
معاوية إبراهيم يستعرض التاريخ المشترك للأردن وفلسطين
2017-11-16
تشانغ وي: الفوضى والانقسام مصير الصين إذا طبقت النموذج الغربي
2017-11-15
سميح مسعود: جذوري نادتني فكانت ثلاثية 'حيفا بُرقة... البحث عن الجذور'
2017-11-12
عبدالمالك أشبهون يرصد ظاهرة التطرف الديني في الرواية العربية
2017-11-11
باحثون عرب: الخروج بالبحث العلمي الأساسي والتطبيقي العربي من أزمته يحتاج إلى قرار سياسي
2017-11-09
مؤسسة عبدالحميد شومان تطلق جوائزها للابتكار العلمي بقيمة مليون دينار أردني
2017-11-08
المزيد

 
>>