First Published: 2017-09-02

خطة إنقاذ رجل العدالة المريض

 

النجيحي وحمدان يريان أن الوساطة حل لمشكلة القضاء، انطلاقا من وعيهما بأوجه القصور التي نالت جهاز العدالة الذي قضيا فيه أعواما طويلة.

 

ميدل ايست أونلاين

العمر أقصر من أن يضيع في ردهات المحاكم

القاهرة ـ لعل أنظمة العدالة في البلاد العربية لم تتعرض لامتحان بقدر ما تعرضت له خلال السنوات القليلة الماضية، وطوال هذا الامتحان العسير، لم تتوقف الأسئلة عن سبل إصلاح أجهزة التقاضي، والأنظمة القانونية التي صارت تفقد كثيرا من رصيد الثقة عند المواطنين، لأسباب تفاوتت لدى الباحثين بين كثرة القضايا، وقلة عدد القضاة، ونقص تدريبهم، وتهالك وقدم قاعات المحاكم، وتراجع كفاءة كليات الحقوق، وغيرها الكثير والكثير من الأسباب، وأصبح من المسلم به أنه لا بد من حل سريع لهذه الأزمة التي لا تريد أن تنتهي.

يبدو أن الحظ قد ابتسم لنا مؤخرا، وأصبح بين أيدينا أداة واضحة تقدم حلا مباشرا يشرحها كتاب القاضيين الشابين: شريف النجيحي وأحمد حمدان "المدخل لدراسة الوساطة في تسوية المنازعات"، والصادر مؤخرا عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة، في غلاف بديع من تصميم الفنان عمرو الكفراوي، غلافا يحمل روحا تراثيا، يطل على القارئ من قبل أن يبدأ رحلته مع الكتاب، ويقول له ببساطة: الحل موجود لديك، في تراثك، وإن كنا سنقدمه إليك بعد تنظيمه وتحديثه، في مصانع الفكر القانوني الأوروبي والأميركي، وإخراجه في ثوب أدبي عربي، فهنيئا لك!

منذ الصفحة الأولى في الإهداء الذي افتتح به المؤلفان الكتاب نجد الروح الذي سوف يطالعنا طوال صفحاته، يسر وبلاغة في الوقت نفسه، مع روح سمح، يناسب موضوع الكتاب، يقول الإهداء:" جهدُ المُقِلِّ، ونَتَاجُ الضعيف، وعطاءُ الفقير، نبذله قربانا لدُن قَبْريْ أبوينا، وقدَميْ أمَّيْنا، وقلْبيْ زوجينا، وفاءً، وبرّا، ومحبة، فإن أجدْنا، فإنما هي بضاعتهم ردت إليهم، وإن كان غير ذلك، فعذرنا أنّا، جميعا، أحفاد من لم يجد الإلهُ لَهُ عَزْما"!

هو إهداء دالٌّ يشي بما ينتظر القارئ من متعة خلال جولته مع صفحات الكتاب، فهو لا يكتفي بالبلاغة المجردة، ولا بالتقسيم البديع، بل يقدم إلينا كذلك فكرة أولية، ستستمر ملازمة لنا حتى الصفحة الأخيرة: الكتاب شديد الولاء للتراث، نصوصا وثقافة وروحا!

الأمر ذاته في التصدير الذي يلي الإهداء مباشرة فيفتتح المؤلفان تصدير الكتاب بمدخل قدسي "في البدء كانت الوساطة، ثم إن الأخصام نزلوا عن بعض سلطاتهم، فكان التحكيم، ثم إن الكيان الجديد، المسمى (دولة)، نزع ما بقي من تلك السلطات، فكان القضاء. أو إن شئت فقل: في البدء كان الوسيط، ثم إن الوسيط توسع في صلاحياته، فصار حَكَمَـاً، ثم إن الحكم تمادى، فأمسى قاضيا."

ثم يصحبانك برفق إلى جو الكتاب "هنا يتفاوض الأطراف بدلا من أن يتنازعوا، وفوق ذلك، توفر الوساطة لهم من يدير تفاوضهم، وسيطا، محايدا، خبيرا بموضوع النزاع، يتفق عليه كلاهما، يثقان به، يمنحانه التقدير والمكانة، دون أن يحمل أي منهما نحوه ذلك الشعور الذي يرغبون دوما في تفاديه كلما ولجوا قاعة المحكمة، أو مجلس التحكيم؛ شعور الرهبة. هنا لا رهبة، لا توجس ولا خيفة، بل ود وثقة، شعور الضيف نحو المضيف، شعور المسافرين نحو الدليل، شعور الصبية المتحلقين حول الجد الكبير، يتطلعون إليه وهو يغمرهم بالحكايات القديمة، وخلاصات الحكمة، ودفء الاحتواء." فلا تخرج من هذا البيان الافتتاحي، قبل أن يكون قلبك تعلق بهذا الكون الجديد، المسمى وساطة!

لكنه لا يتركك لقلبك وحده، بل يجادل عقلك، ويوضح له بشكل حاسم، أن الأمر خطير، وأن المسألة ليست مجرد ميل نفسي إلى وسيلة عدالة أكثر يسرا، بل هي في الحقيقة حتمية علمية تفرض نفسها بحكم حركة الزمن؛ فالمؤلفان يؤكدان أن "السبيل أمام الوساطة في المجتمع العربي لا ينتظر إلا إشارة البدء، فجميع الطرق تؤدي إليها، هي آتية كسيل لا مرد له، وأهل الاختصاص بالخيار، بين الإفادة من هذا التيار الجديد، ودعم مسيرته، فيعمهم أثره الطيب، أو التشبث غير المبرر بما ألفوا عليه آباءهم من نظم تطاول عليها العهد، فلا يكون أمام السيل حينئذ إلا مواصلة التدفق، مزيحا ما يعترضه من عقبات، جارفا ما يعوقه من عثرات، ليكمل مسيره المحتوم، شاء من شاء، وأبى من أبى! " نحن إذا أمام عهد جديد، وعالم جديد، فما هي ملامح هذا العالم؟

يرى المؤلفان أن الوساطة كائن حي، ملامحه كملامح الإنسان، له عقل وقلب وجسد، واسم يحدد الهوية! عقل الوساطة، قيمها التي تحكمها، وقلبها أهدافها التي تسعى إلى تحقيقها، وجسدها مراحلها وصورها التي تظهر بها، أما اسمها فهو التعريف الذي تمنحه لها القواميس!

عقل الوساطة ليس إذا إلا قيمها التي تحكم عملها، وعلى رأسها حرية أطراف الوساطة المتفاوضين في تحديد مصير التفاوض، فقدس أقداس الوساطة أن إرادة الأطراف يجب أن تبقى محمية لا تمس، وأن دور الوسيط، على الدوام، هو حماية هذه القيمة العليا من العبث أو الانتهاك. تليها قيمة الحياد الذي يجب أن يحكم عمل الوسيط، فيصبح، بموجب هذه القيمة، ملتزما بعدم الميل إلى جانب أي من الأطراف الذين يساعدهم على التفاوض أمامه خلال جلسات الوساطة، وأخيرا، تأتي السرية كقيمة شديدة الخصوصية، تلزم الأطراف والوسيط، معا، على عدم البوح بأيٍّ مما دار في جلسات الوساطة، لا أمام القضاء أو التحكيم، ولا أمام أيٍّ مما سواهما، وتلزم، الوسيط، بوجه خاص، ألا ينقل ما باح له به أي طرف في التفاوض، إلى الطرف الآخر، ما لم يحصل على إذن مسبق يسمح له بذلك.

أما قلب الوساطة فأهدافها التي تتغياها، وفي طليعتها: تيسير الخدمة المقدمة للخصوم المتفاوضين، مساعدتهم على الوصول إلى العدالة، مراعاة الجانب الشخصي لهم، صون العلاقات الاجتماعية التي تجمعهم، إرضاء الأطراف وخروجهم سعداء من مجلس الوساطة، وكلها أهداف كان يتمناها أطراف أي نزاع معروض على القضاء أو التحكيم، لكن الواقع كان يخيب آمالهم في معظم المرات، فيخرج كل منهم خالي الوفاض: من خسر القضية، بالطبع!، ومن ربحها، أيضا؛ إذ لم يصل إلى هذا "الربح" إلا بعد عنت ووقت وجهد وكلفة، لا يطيقها إلا أولو العزم، ولا يبقى معها للمنتصر وقت للابتهاج بهذا "النصر"!

وأما جسد الوساطة فمراحلها، بدءا من جلسة الافتتاح الصباحية، التي يجمع فيها الوسيط الأطراف على مائدة واحدة، يبسط كل منهم قضيته ومطالبه، بإيجاز، وهدوء، ثم يفصل الوسيط بينهما ليجلس كل منهم في غرفة منفصلة، لتبدأ مرحلة السبر والاستطلاع، فيستكشف كل طرف وجهة نظر خصمه، وما بيده من حجج ودفوع، فإذا ما رأى كل طرف خصمه، بوضوح، بعيدا عن التشنج والتربص الذي يصاحب المتقاضين في قاعات المحكمة، وتعرَّف حقيقة موقفه ومطالبه، أصبح حينئذ مستعدا للمرحلة الثالثة: التفاوض، وفيها تبدأ مرحلة العروض والتنازلات المتبادلة، وصولا إلى أرضية مشتركة، ونقطة التقاء، يدخلان بوصولها إلى المرحلة الرابعة، التسوية الختامية، ثم المصافحة الباسمة لدى الافتراق الخالي من الضغائن!

وأخيرا، يأتي التعريف، الاسم الذي يحمله كائن الوساطة الجميل! فيضع المؤلفان للوساطة تعريفا مفصلا يرى أن الوساطة هي: "مساعدة أطراف نزاعٍ قائمٍ أو محتمل، على إجراء تفاوض منظَّم، يديره طرف محايد، بهدف إعانتهم على تذليل عقبات التواصل، ومساعدتهم في عرض رؤاهم وأوجه خلافهم، على نحو يكفل مرونة الإجراءات ويصون خصوصية الأطراف؛ بما يتيح الوصول إلى اتفاق صريحٍ أو ضمنيٍّ بشأن النزاع، عن وعي واختيار."

أي أنها، وفقا لنص عبارة المؤلفين: "تفاوضٌ منظمٌ، يعاون أطرافه، ويدير مراحله، ويذلل عقباته، بحيادٍ وسرِّيَّة، خبيرٌ يثق به الأطراف؛ ليعينهم على تواصلٍ مرنٍ، غيرِ رسميٍّ، بشأن نزاعٍ قائمٍ أو محتملٍ، وصولًا لأرضيةٍ مشتركةٍ، ونقاط التقاءٍ، ومساحةٍ من التوافق الذي يفتح المجال لاتفاق صريح ينهي الخصومة كلها أو بعضها، أو ضمني، يرجئ حلها إلى مرحلة لاحقة، يتأهب فيها الأطراف لوسيلة أخرى، تحسم نزاعهم، وتنهي خصومتهم."

لا يكتفي النجيحي وحمدان بتشريح الوساطة ووصفها الساكن، بل ينتقلان من طاولة التشريح التي امتدت طوال القسم الأول للكتاب، والذي يشغل نصف حجمه تقريبا، ليصلا إلى واقع الحياة الذي يتحرك فيه كائن الوساطة في القسم الثاني من الكتاب، والذي يشمل، كسابقه، أربعة فصول، تتناول، تباعا، كيفية تحقيق الوساطة للعدالة في صورها المختلفة.

ثم يناقش الفصل الثاني موقفها من القانون، والنصوص، ومدى توافق فكرة الوساطة مع النظام العام، الذي لا يمكن أن يسمح للإرادة الحرة المستقلة للأطراف المتفاوضة أن تقرر ما تشاء بشكل مطلق من كل قيد!

ثم يتناول الفصل الثالث فكرة أشخاص الوساطة، الوسطاء القائمين بها، والوكلاء الممثلين للأطراف.

وأخيرا، ياتي الفصل الأخير ليبسط الفكرة التي لم تتوقف عن البزوغ في معظم فصول الكتاب، فكرة الاختيار الواعي، ذلك الاختيار الشبيه بتوقيع المريض على وثيقة قبول إجراء الجراحة التي سوف تنقذ حياته، مع علمه بالأعراض الجانبية المحتملة لها! كذلك يفعل الاختيار الواعي، فبقبول الأطراف لدخول قاعة الوساطة عن وعي واختيار، يسلِّمان للطبيب/الوسيط بقبولهم التنازل عن الخطوات الإجرائية التي تعرفها المحاكم، وطرق الطعن الطويلة التي تكفلها لهم قوانين المرافعات، وفرص العلاج الدوائي البطيء؛ وذلك حتى يمكنهم الوصول، سريعا، وبكفاءة، إلى التسوية/العلاج، دون معوقات.

القضاء، كما يراه الكتاب، أضحى أشبه بالرجل المريض، كما كان يطلق على الدولة العثمانية في أيامها الأخيرة، وفي صفحات الكتاب خطة سريعة لإنقاذه من المرض، فإذا كان انحناء ظهر هذا الرجل المريض راجعا إلى ثِقل الحمل الذي يبهظ كتفيه، فالحل الأسرع، حتما، أن نرفع عن كاهله هذا العبء، وإذا كان ضيق تنفسه راجعا إلى تراكم ملفات القضايا في بيته، فلنسحب هذه الملفات التي تكاد تسد طرقات البيت، وتغلق منافذ الهواء! وإذا كان قد ساءه تذمر الناس من بطء حركته، فلسوف نخلي له الطريق، ولسوف نشد عضده بأخ لا يكلفه شيئا، أخ أفصح منه لسانا، يستعين به، ويتوكأ عليه! فبدلا من تقويض البيت المتداعي، نخلي بعض طوابقه، وبدلا من أن إحالة الشيخ إلى الاستيداع، ننزع عن ظهره الأثقال التي ينوء بها!

الكاتبان إذا يريان أن الوساطة حل لمشكلة القضاء، انطلاقا من وعيهما بأوجه القصور التي نالت جهاز العدالة الذي قضيا فيه أعواما طويلة، وتأكيدا على إيمانهما بأن ما نجح في رفع كفاءة المحاكم في الولايات المتحدة وأوروبا، من شانه أن ينجح، بصورة أكبر، في المجتمعات العربية، بما لها من تراث طويل من الاعتماد على ثقافة التوسط، وإصلاح ذات البين، والتي، بكل تأكيد، من شأنها ان تكون رافدا قويا، يغذي هذا الوافد الجديد القديم.

بقي ان نشير إلى أن الكاتبين سبق لهما نشر العديد من الكتب والدراسات والمقالات، باللغتين العربية والإنجليزية، حصل بعضها على جوائز عربية مرموقة، ونشر عدد منها في دوريات علمية بالولايات المتحدة وبريطانيا، وقد أصدرا هذا الكتاب الذي بين أيدينا بالتعاون مع المركز العربي للوساطة، كما يشير غلاف الكتاب البديع، والذي لن تكون الشخص نفسه بعد قراءته، وذلك بشرط أن تعلم جيدا، ومنذ الصفحة الأولى أن "هذا الكتاب يحمل جرثومة العدوى فاحذروه! إنه دعوة إلى منهج خاص في النظر إلى الأمور، قبل أن يكون دراسة في سبل فض المنازعات، وهو منشور تحريضي قبل أن يكون بحثا أكاديميا، وهو مدخل إلى عالم كامل من الإنسانية الرحبة، التي ترى في الطبيعة الإنسانية الخير قبل الشر، وتخاطب في البشر أسمى جوانبهم، دون أن تتركهم لنزعات العناد والصدام، واللدد والعنت، والفُجر في الخصومة، إنسانيةٍ ترى أن العلاقات بين البشر، أثرى وأعمق من أن يبترها نص قانوني جامد، أو أن يجمِّدها إجراءٌ قضائيٌّ عقيم، وترى أن العمر أقصر من أن يضيع في ردهات المحاكم، وبين ملفات الأقضية، وغرامات البنوك؛ إن الكتاب هذا كله، قبل أن يكون أي شيء آخر!" أو كما قال المؤلفان!

 

اتفاق إماراتي مصري على زيادة التنسيق لدرء مخاطر الإرهاب

استفتاء الأكراد ينذر بتجدد الصراع في طوز خرماتو العراقية

إجراءات تركية وإيرانية تمهد لخنق كردستان العراق اقتصاديا

علاوي يطالب البارزاني بتجميد نتائج الاستفتاء

صخب في شوارع كركوك وفتور في التصويت على الانفصال

الطيران التركي يهاجم شمال العراق مع بدء استفتاء الأكراد

طائرات ايرانية بلا طيار فوق حدود سوريا والعراق

الامارات تثبّت الساعة صفر لتشغيل أول مفاعل نووي في الخليج

أكراد العراق يقترعون على الانفصال في رهان محفوف بالمخاطر

بغداد تطالب الأكراد بتسليم المطارات والمعابر ووقف تجارة النفط

السيسي في الإمارات لتعزيز التعاون والتنسيق بين القاهرة وأبوظبي

غارات أميركية تقتل 17 من الدولة الاسلامية بالصحراء الليبية

البارزاني يرسم حدود العلاقة مع بغداد بعد استفتاء الانفصال

مخاوف أمنية تدفع البشمركة لإغلاق طريق الموصل اربيل

بنك حكومي فرنسي يجازف بتمويل مشاريع في إيران

التزام مصري كامل بتقديم قتلة ريجني للعدالة

تأهب أمني في طرابلس وسط مخاوف من موجة عنف

تصعيد إيراني بحظر الرحلات الجوية مع كردستان العراق

قناعة أممية بوجود فرصة حقيقية لتحقيق الاستقرار في ليبيا

رسائل عسكرية ايرانية على تخوم كردستان العراق قبيل الاستفتاء


 
>>