First Published: 2017-09-05

شكرا يا عمر!

 

في 'شكرا يا عمر' أعاد الفنان سرور ماجد بوصلة الغناء العراقي بعد انحدار مريع جعل من الأغنية العراقية خطبا عشائرية معبرة بامتياز عن التخلف، ومراثي طائفية موغلة في الانتقام والكراهية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

عمر وأتعدى السبعين لا يافلان!

أوقد الملحن سرور ماجد شمعة من فضة عراقية لم تصدأ بالرثاثة السائدة، وقاد الأسماع بتعبيرية باذخة محتفيا بصوت ياس خضر في "شكرا ياعمر" أغنية ستعد فاصلا تاريخيا بعد سنوات من الانحطاط الفني، لتعيد الأمل بأن قلادة الغناء العراقي لم تنقطع، كما كنا نعتقد.

ياس خضر وهو في عقده السبعيني، بدا مكابرا ليس أمام عقود السنين التي مرت، بل أثبت أن صوته يزداد إبهارا كلما تقدم في العمر، فكان أداؤه رسالة تعبيرية ممتدة منذ الألحان التي صاغها له الشهيد محمد عبدالمحسن وحتى الموسيقار الراحل طالب القره غولي.

في "شكرا يا عمر" النص التعبيري للشاعر حاتم النعماني، أعاد الفنان سرور ماجد بوصلة الغناء العراقي بعد أكثر من عقد من انحدار مريع جعل من الأغنية العراقية خطبا عشائرية معبرة بامتياز عن التخلف، ومراثي طائفية موغلة في الانتقام والكراهية. من يتأمل تجربة ملحن "شكرا يا عمر" لا يمكن أن يغفل كيف ارتقى بالأسماع في ثمانينات القرن الماضي في نص كاظم السعدي وصوت قاسم إسماعيل "ياعين وتقولين خل نسامحه" وأرخ بعدها لفاصلة مكملة في قلادة الغناء العراقي بلحن "يصبرني" لصوت أحمد نعمة بنص مفعم بالحزن الشفاف لكاظم إسماعيل الكاطع، لذلك بدا تعامله اللحني مع صوت ياس خضر وكأنه يكسر فكرة الأجيال في الغناء العراقي.

فسرور ماجد من جيل لحني عراقي متعلم برز مع كريم هميم وعلي سرحان في ثمانينات القرن الماضي، بينما صوت ياس خضر كان محصورا في ألحان أبناء جيله السبعيني.

هذه الأغنية التي تعيد الثقة بالموسيقى العراقية بعد أن فقد العراقيون الثقة في أن ينتج العراق ما يليق باسمه، وهو ينحدر في رثاثة سياسية ودينية واجتماعية انعكست على الفن، بدت رسالة فنية متكاملة عندما توجتها براعة المخرج سامر حكمت في صورة تقدم بغداد وكأنها بغداد التي يعرفها صوت ياس خضر المكابر مع السنين.

الدلالة في النص وقيمة اللحن العراقيتان بامتياز جاءتا مكملتين في "شكرا ياعمر" لتوقيت الأداء، فياس خضر اختار أن يبدل مفردة الخمسين إلى السبعين وهو يشكر العمر الذي منحه فرصة المرور إلى هذا العقد، في استذكار حي للعقود التي مرت، من ينسى "عمر وأتعدى الثلاثين لا يافلان"!

هذه الأغنية التعبيرية البارعة أعادت لنا أغنية البيئات العراقية، مثلما أرجعت قلادة الغناء الفضي إلى صاغتها الماهرين، بعدما قطّعها حفنة من الأميين في علوم الغناء، وصاروا يقدمون الأغنية من المقابر والحوزات في نتاج لثقافة وضيعة.

لن يكون الشكر للعمر وحده، بل لصوت ياس خضر الذي لن يشيخ، ولعمق جملة سرور ماجد الموسيقية وتعبيرية نص حاتم النعماني. لأنهم جميعا منعوا العقل القبوري من دفن الأغنية العراقية.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
إليسا ليست مطربة
2017-10-17
نكبة الإعلام في العراق
2017-10-15
صور زعماء في حمام ألماني
2017-10-10
الأخبار الزائفة تضخم صوت الهتاف
2017-10-08
متى يغني كاظم الساهر في السعودية؟
2017-10-03
هل يحتاج الصحافي إلى بودي غارد؟
2017-10-01
أصابنا الهوس
2017-09-26
الصحافة غير معنية بكسب الأصدقاء
2017-09-24
أحتفظ بربطة عنقي احتراما لقواعد اللغة
2017-09-19
ماذا يحدث عندما تتوقف الصحف عن الإصدار
2017-09-17
المزيد

 
>>