First Published: 2017-09-07

الحل السياسي البعيد في سوريا

 

ثمة الكثير من التطورات الميدانية الاقليمية التي توحي بأن الحل في سوريا صار قريبا. ليس بعد.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

إذا كان الحسم العسكري أصبح مستحيلا في سوريا، فالحل السياسي لا زال بعيدا، والمؤشرات التي تؤكد أن التسوية قطعت شوطا إيجابيا غير كافية للتدليل على أن الأزمة المحتدمة أوشكت على الانتهاء، فهناك تعقيدات كبيرة على الأرض تفرض قدرا وفيرا من التشاؤم.

نعم نجحت مصر بالتعاون مع روسيا في الوساطة بين النظام السوري وبعض قوى المعارضة، لكن هذه الخطوة أمامها أشواطا كثيرة حتى تمتد إلى أقاليم أخرى، تتجاوز حدود الغوطة الشرقية وشمالي حمص.

ونعم هناك جولات للحوار عقدت في كل من الرياض وجنيف وأستانا برعاية إقليمية ودولية، لكنها لم تسفر عن شيء ملموس يعزز القناعات بأن التسوية السياسية للأزمة السورية قاب قوسين أو أدنى.

ما يجري الآن من محاولات جادة تقوم بها بعض الأطراف، أملا في إنهاء المأساة التي لحقت بسوريا وشعبها، تنقصها الإرادة الحقيقية من قبل قوى فاعلة في الأزمة، بعضها يتلكأ في تهيئة الظروف المناسبة للحل السياسي لتعظيم المكاسب، ويحتاج إلى وقت لترتيب أوراقه كي يتأقلم مع المستجدات والتداعيات. والبعض الآخر يفتقر إلى رؤية واضحة للمرحلة المقبلة، ويعتمد على سياسة الغموض الهدام. وهناك فريق ثالث يتعمد التخريب ويعمل على تطويل أمد الحرب لتجنب مواجهة النتائج التي سوف تترتب على الحل السياسي، وما يمكن أن يفرزه من إجراءات قد تضر بمصالح جهات عديدة.

الفرق الثلاث لديها من المقومات ما يساعدها على تعطيل التسوية، التي تحتاج إلى موافقة صريحة من جميع القوي الفاعلة، وخطوات محددة لوقف الحرب والحيلولة دون استئنافها مستقبلا، وكل التصريحات والبيانات التي أعلنت والخطوات التي اتخذت لم تحمل حتى الآن جدية تؤكد أن الفكرة أضحت مختمرة فعلا لدى أنصار هذا الفريق.

الولايات المتحدة مثلا مترددة في دعم تسوية الأمر الواقع، وتبدو كمن يقدم رجلا ويؤخر الثانية، خشية أن تجد نفسها خرجت خاوية الوفاض، وربما منكسرة سياسية وعسكريا، في أزمة بدت في غالبية مراحلها غير واثقة من تصوراتها، ما يصب في صالح روسيا، وتدور غالبية الدول الأوروبية في هذا الفلك، وتتبني سياسات متناقضة أحيانا، تارة للتشويش، وأخرى لتعطيل قطار التسوية الذي يؤدي وقوفه في محطته النهائية في الوقت الراهن إلى خسائر يصعب تعويضها مستقبلا، حيث تمتلك موسكو اليد الطولى في الوقت الراهن، وتستطيع ترتيب الكثير من الأمور بما يضاعف من صعوبة تغييرها لاحقا.

أما الفريق الثاني، فتقف على رأسه تركيا المسكونة بهواجس كردية، وأمامها سيناريو تقرير مصير الأكراد في العراق من غير المستبعد ان يقترب بسهولة من سوريا، وبالتالي من الممكن أن يطرق أبوابها بقوة، بحكم أنها الدولة التي تقطنها أكبر مجموعة كردية في المنطقة، لذلك غير مقتنعة بتسوية الأزمة السورية في هذه الأجواء المعقدة، لكنها لا تستطيع إعلان معارضتها لها علانية.

الفريق الثالث، هو الأخطر، وتمثله إيران وحزب الله اللبناني وقطر، وكل منهم يعتقد أن التسوية الآن يمكن أن تفتح عليه أبواب جهنم، فهناك احتقان إقليمي ودولي من كثافة الدور الذي تلعبه طهران في الأراضي السورية، وهي تدرك أن الحل السياسي أحد ملامحه وربما شروطه إنهاء أو على الأقل تقليص دورها.

ما يعني فقدان أهم بؤرة لنفوذها في المنطقة، والتي يمكن أن تكون مدخلا لفقدانها المزيد من المرتكزات، ما يجعلها غير راغبة فيه، بل ساعية إلى تفشيله، ومحاولة تعطيل اتفاقيات الهدنة التي عقدت في بعض المناطق.

الأخطر أنها تعمل على تغذية عوامل الصراع، من خلال فتح مجالات للحركة أمام تنظيم داعش، والإيحاء أنه لا يزال يمثل خطرا عارما في سوريا، وهو الطريق الذي يسلكه حزب الله بشتى السبل، حيث يخشى من تحجيم نفوذه، والاستدارة إليه بعد ذلك ثم فتح ملف تدخله العسكري في الأراضي السورية، قبل أن يتحول إلى قوة إقليمية يصعب السيطرة عليها، على استعداد، إذا تهيأت الظروف، أن تبتلع لبنان كله بما يتجاوز الحدود المعروفة.

لعل الصفقة التي قام بها حزب الله، بمساعدة الجيش اللبناني ومباركة إيران، لإخراج عناصر داعش من الحدود اللبنانية مع سوريا الشهر الماضي وتوطينها في دور الزور، واحدة من العلامات المهمة التي تؤكد عدم رغبة الحزب في إنهاء أسطورة داعش، وحتى لو التحف برداء تحرير قتلاه وإخلاء الأراضي اللبنانية من التنظيم الإرهابي، فهو يعمل على ضخ دماء جديدة في عروق داعش، باعتبار أن التنظيم ضامن لتأجيل محاسبته في سوريا، تمهيدا لزيادة تحسين أوضاعه وجني مكاسب أو على الأقل عدم تكبد خسائر فادحة.

أما قطر، تجد في إنهاء الأزمة السورية وفقا للمعطيات الراهنة وبالا عليها، وخروج نظام بشار الأسد حيا وعفيا يعني فتح الباب لتصفية جانب معتبر من حساباته مع الدوحة، التي تعد أهم راع للعناصر المتشددة في المنطقة، وقامت بدور سلبي في تهديم أركان الدولة السورية، بمساعدة قوى أخرى بالطبع، ومن مصلحتها مد حبال الأزمة ودخولها آفاق مجهولة، وهي هنا تتقاطع مع كل من إيران وحزب الله صراحة، وتركيا ضمنيا، وفي ظل عدم القضاء على الإرهابيين ووجود فلول لهم تتحرك بسهولة في بعض المناطق يبدو أفق التسوية عصيا.

اللعبة التي تشارك فيها أطراف محلية وإقليمية ودولية، استهوت القائمين عليها، ونجحوا في القبض على عدد من مفاصلها لتعطيل الحل السياسي وتمديد أجله لأكبر وقت ممكن، الأمر الذي يجعل البعض يتوقع عدم ظهور التسوية الفعلية قبل مضي خمس سنوات على الأقل، تظل سوريا تترنح خلالها يمينيا ويسارا، أو حدوث تطور نوعي حاد يرجح كفة رؤية روسيا بدون تقديرات معقدة.

الوصول إلى هذه النقطة مسألة غاية في الصعوبة، وتحتاج إلى استعدادات وترتيبات وإجراءات كبيرة تحسم بعض الصفقات التي تدور في الخفاء، وتنهي لعبة المساومات التقليدية، وإلي حين الوقوف على أبواب هذا المربع سوف يبقي الحل السياسي مؤجلا وبعيدا عن سوريا.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
الرسالة الخاطئة للإرهابيين
2017-10-19
أخطر من الدفاع عن مصر
2017-10-12
نمر فلسطين أم نمور إسرائيل؟
2017-10-05
مصير الأكراد وجنوب السودان
2017-09-28
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
المزيد

 
>>