First Published: 2017-09-12

دسيدريوس إيراسموس ومارتن لوثر .. وجها لوجه

 

الفيلسوف الهولندي يرى أن الكتاب المقدس في معظم الحالات غامض ومليء بالصور المجازية، أو يبدو لأول وهلة مناقضا لنفسه.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

لا ينبغي أن ييأس أحد من مغفرة الرب

يشكل الفيلسوف الهولندي دسيدريوس إيراسموس أحد رواد الحركة الإنسانية في أوروربا، ولد وعاش في روتردام 28 أكتوبر/تشرين الأول 1466 - وتوفي في بازل السويسرية 1536، قدم محاولات جادة ومهمة لإتاحة قراءة الكتاب المقدس للعامة، بل وللنساء أيضا، وهو ما كان محرما حتى تاريخه، وهو ما دعا مارتن لوثر للثورة على الكنيسة الكاثوليكية، لكن لم يكن لإيراسموس موقفا صلبا من دعوات قادة الإصلاح الديني في هذا الوقت وعلى رأسهم لوثر، فبعد عام 1517 وهو عام الاستقطاب الديني الفكري لم يجرؤ ايراسموس على الانضمام إلى هذه الحركة الفكرية التحررية الثورية، التي دعت إلى فك أغلال القراءة المحافظة والسرية للكنيسة الكاثوليكية للكتاب المقدس، بل ونراه هنا في هذا الكتاب "حرية الإرادة" الذي ترجمه يقدم رؤية نقدية لآراء مارتن لوثر فيما يتعلق بالإرادة الإنسانية في الكتاب المقدس، حتى لكأن الكتاب في الأساس عبارة عن محاورة بين المؤلف ومارتن لوثر حول حرية الإرادة. ومن ثم فهو يعطي صورة لطبيعة الآراء الدينية ونقيضها الذي كانت تضج به الساحة الأوروبية.

افتتح إيراسموس كتابه الذي ترجمه أحمد لطفي وصدر عن دار صفصافة مؤكدا حقه في الاختلاف مع آراء مارتن لوثر بشأن حرية الإرادة أو أي قضية أخرى وقال: "بالتأكيد سيصم البعض آذانهم الآن ويقولون في دهشة "عجبا. إيراسموس يجرؤ على منازعة لوثر. هل يحق لذبابة أن تقف أمام فيل؟" ولكي يهدأ روع هؤلاء أقول إنهم لو أعطوني وقتا لذلك، إنني لم أقسم على طاعة كلمات لوثر. ولا ينبغي لأحد أن يعتبر اختلافي معه غير لائق أو أكثر من مجرد اختلاف وجهة نظر بين رجل ورجل آخر. ومن ثم يجب ألا يثير غضب أحد إطلاقا الاختلاف مع أحد معتقداته خصوصا إن كان هناك شخص يواجه لوثر بالهدوء وبالحجة العلمية للوصول للحقيقة.

أنا أعتقد يقينا أن لوثر ما كان ليشعر بأذى إن اختلف شخص مع بعض آرائه، لأنه لم يكتف بتبني حجج مخالفة لقرارات كل معلمي الكنيسة وحسب، وإنما طعن في كل المدارس والمجالس الكنسية والباباوات. وبما أنه أكد على هذا بحرية وعلانية، يجب على أصدقائه ألا يتخذوا مني موقفا إن فعلت ما فعله هو نفسه".

وقال "في رأيي أن دلالات حرية الإرادة في الكتاب المقدس هي كما يلي: إن كنا على طريق التقوى يجب أن نستمر بحماس في تحسين أنفسنا وننسى ما يقع خلف ظهورنا. وإن وقعنا في الخطايا، نبذل أقصى الجهد لنحرر أنفسنا ونقبل علاج التكفير عن الذنوب ونتلمس رحمة الرب التي بدونها تصبح إرادة الإنسان وجهادها بلا طائل أو فاعلية. دعونا نعتبر أنفسنا مسئولين عن كل الشر وننسب الخير كله إلى إحسان الرب وحده لأن كل ما بنا من نعمة فمن إحسانه. ويجب أن نؤمن بأن كل سراء وضراء تحدث لنا طول الحياة قدرها الرب من أجل خلاصنا، وأن الرب لا يظلم لأنه العدل حتى إن أصابنا مكروه نرى أننا لا نستحقه، ولا ينبغي أن ييأس أحد من مغفرة الرب لأنه الرحيم. من وجهة نظري يكفي الاعتصام بهذه الحقائق لكي تتحقق لنا التقوى في المسيحية".

واعترف إيراسموس أنه لا يملك رأيا محددا في أي من الآراء التقليدية المتعلقة بحرية الإرادة. وأضاف "كل ما أستطيع تأكيده أن الإرادة تتمتع ببعض الحرية. وكانت قراءتي لتأكيدات مارتن لوثر متجردة تماما باستثناء شعوري بالتعاطف معه كما يتعاطف محام مع متهم واقع في موقف صعب. ورغم استخدام كل الوسائل للدفاع عن حجة لوثر في طرحه ورغم تقديمه بكل حيوية وهمة، أعترف بكل أمانة أن رأيه لم يقنعني بعد. وإن أراد شخص القول بأني بطيء الفهم أو جاهل لهذا السبب، فأنا لا أريد المجادلة في هذه النقطة، شريطة أن يكون مسموحا لضعاف العقول أن يجادلوا الذين وُهبوا الفهم الذين يعين على التعلم.

كما أن لوثر نفسه لم ينسب الكثير من آرائه إلى سعة اطلاعه بل إلى الروح التي تغرس في نفوس الضعفاء عقليا ما لا تغرسه في نفوس الحكماء. أقول ذلك للذين يقولون إن أصبع لوثر في العلم يعدل جسد إيراسموس بأكمله، وأنا لا أنكر ذلك. وبقدر العدوانية التي يود هؤلاء التحلي بها عليهم أن يعترفوا بأن قضيتي يجب ألا يُضعفها حُكم ثلة من البشر الطائشين، إذا سلمت جدلا بآراء لوثر في هذا النزاع بأنه لا ينبغي عليه تحمل عبء الأحكام السابقة للمعلمين أو المجالس أو العلماء أو الباباوات والأباطرة. وحتى إن فهمت ما يناقشه لوثر قد أكون مخطئا. وبالتالي كل ما أسعى إليه هو التحليل وليس إصدار أحكام والاستفسار وليس الجزم بشيء. وأنا مستعد للتعلم من أي شخص يطرح ما هو أكثر دقة وموثوقية، رغم أني قد أقنع بعض أصحاب العقول المتوسطة بضرورة تجنب الجدال العنيد في هذه الأمور كونها تضر التوافق المسيحي أكثر مما تعين على التقوى".

وتحت عنوان "خطاب إلى لوثر" رأى إيراسموس أن الذين ينكرون أي حرية للإرادة ويؤكدون الضرورة المطلقة يعترفون بأن الرب يعمل في الإنسان ليس فقط الأعمال الصالحة، وإنما الشريرة أيضا. وهذا يستتبع أن الإنسان بقدر عجزه عن أن يكون فاعل الأعمال الصالحة هو عاجز عن فعل الأعمال الشريرة. ويبدو أن هذا الرأي ينسب بوضوح القسوة والظلم للرب، وهو قول تشمئز منه آذان المتدينين بشدة. (إنه لن يصبح ربا إذا كان يُنسب إليه كل شيء أثيم وناقص).

ومع ذلك، فالذين يعتقدون في هذا الرأي غير العقلاني لديهم إجابة: إنه الرب، إنه يمكنه فقط أن يفعل أفضل شيء وأجمله. وإذا راقبت إتقان الكون، رغم الشر الذي فيه، فهو جيد في نفسه ويُظهر عظمة الرب. لا يستطيع كائن الحكم على نوايا الرب، وعلى الإنسان أن يُخضع نفسه بالكامل لها. ففي الحقيقة، إذا كان يُرضي الرب أن يلعن هذا أو ذاك، يجب ألا يتذمر أحد، بل يقبل ما يُرضيه وأن يقتنع أن الرب لا يفعل إلا خيرا. ماذا يعود على الإنسان إن سأل الرب: لماذا لم يخلقه ملاكا؟ ألن يقول له الرب: أنت أحمق! لو جعلتك ضفدعا، هل كنت ستشكو؟ وإن تجادل ضفدع مع الرب فقال: لماذا لم تجعلني طاووسا مميزا بريشه متنوع الألوان؟ ألن يقول له الرب: يا جاحد النعمة! كنت أستطيع أن أخلقك فطرا أو بصلة، لكنك الآن تقفز وتشرب وتغني.

وإن قال باسيليسك أو ثعبان للرب: لماذا جعلتني حيوانا مميتا يكرهني الجميع، ولم تجعلني خروفا؟ بم سيجيب الرب؟ لا شك أنه سيقول له: أردت خلقك على هذه الصورة. إن ذلك يناسب زخرفة الكون ونظامه. إنك لم تعانِ إلا قليلا من الإصابة التي يُصاب بها كل الذباب والبعوض وغيرها من الحشرات. لقد صورت كل واحد فيكم ليكون مظهره معجزة لمن يتأمله. والعنكبوت، أليس حيوانا جميلا، حتى إن كان مختلفا عن الفيل؟ حقا المعجزات الموجودة في العنكبوت أكثر من تلك الموجودة في الفيل. ألست راضيا بكونك حيوانا مُتقن الصنع من نوعك؟ ألم أعطك السم لتقتل به الآخرين، لكن لحماية نفسك وحماية صغارك. تماما كما أن للثيران قرونا وللأسود مخالب وللذئاب أسنانا وللخيل حوافر. كل حيوان لديه أداته. فالحصان يحمل الأحمال، والثور يحرث الأرض، والحمار والكلب يساعدان في العمل، والغنم تخدم الإنسان في الطعام والملبس، وأنت مطلوب لصناعة الدواء.

وأوضح إيراسموس "دعونا نتوقف عن الاستدلال العقلي مع من يعوزهم المنطق. لقد بدأنا نقاشنا مع الإنسان، الذي خُلق في صورة الرب، وخلق الرب كل شيء لسعادته. نلاحظ أن البعض وُلد بجسد صحيح وعقل سليم، رغم أنهم ولدوا للفضيلة، وآخرون وُلدوا بأجسام ضخمة وأمراض مفزعة وآخرون شديدو الغباء لدرجة أنهم هبطوا لمستوى الحيوانات البهيمية، وآخرون أكثر ضلالا من البهائم، والبعض يميل إلى الرغبات المشينة، حتى إنه يبدو أن هناك قدرا قويا يجبرهم، وآخرون مجانين تسكنهم الشياطين.

كيف نوضح السؤال الذي يخص عدالة الرب ورحمته في تلك الحالات؟ هل نقول مع بولس "يا لعمق..." (رومية 11، 33)؟ أعتقد أن هذا سيكون أفضل من الحكم باندفاع يفتقر للتقوى على قرارات الرب، التي لا يمكن للإنسان أن يدرسها. في الواقع، يزداد الأمر صعوبة عند شرح كيفية تتويج الرب لنعمته في البعض بحياة أبدية، ومعاقبة الخطايا لدى آخرين بالمعاناة الدائمة.

وللدفاع عن هذه المفارقة، يلجأ المبررون إلى مفارقات أخرى ويحافظون على المعركة مستعرة مع خصومهم. إنهم يضخمون الخطيئة الأصلية التي من المفترض أنها أفسدت أفضل ملكات الطبيعة البشرية، والتي من شأنها أن تجعل الإنسان غير قادر على أي شيء إلا تجاهل الرب وكراهيته، ولا يمكن للإنسان حتى بعد نعمة الرب والتبرير بالإيمان، تنفيذ أي عمل إلا الخطيئة. هم يجعلون من هذا الميل الساكن فينا خطيئة، والذي ظل بعد خطيئة آبائنا الأوائل، هو نفسه خطيئة منيعة، بحيث إنه لا يوجد أي إدراك إلهي يمكن لشخص أن يحتفظ به حتى إذا برره الرب بالإيمان. لم تفترض جميع وصايا الرب أي غرض آخر بخلاف تعظيم وتمجيد الرب، الذي يمنح الخلاص بغض النظر عن الأحقية".

وأضاف "يبدو لي أنهم يقللون رحمة الرب ويحصرونها في مكان واحد لتضخيمها في مكان آخر كشخص يضع ببخل شديد أمام ضيوفه إفطارا قليلا جدا ليجعل العشاء أكثر إبهارا، أو كالرسام الذي يعتم جزءا من لوحة الرسم بالقرب من نقطة يريد أن تبدو مشعة ومتلألئة. في البداية، يجعلون الرب قاسيا تقريبا، لأنه بسبب خطيئة شخص آخر، يغضب على البشر جميعا ويقسو، خصوصا بما أن الذين أخطئوا كفّروا عن خطاياهم وعوقبوا بشدة طوال حياتهم.

ثانيا: حين يقولون إن المؤمنين أنفسهم لا يمكنهم فعل شيء سوى الخطيئة، حتى إنه إذا أحببنا الرب ووثقنا به سوف نستحق كراهية الرب واستياءه: ألا يقلل من نعمة الرب أن الشخص الذي يبرره الإيمان يظل غير قادر على فعل شيء سوى الخطيئة؟ وفي الوقت ذاته يُثقل الرب كاهل الإنسان بكثير من الوصايا التي ليس لها أي أثر بخلاف زيادة كراهية الإنسان للرب وتجعل لعنة الرب أشد، ألا يجعل ذلك الرب طاغية أشد حتى من ديونيسيوس حاكم صقلية، الذي أصدر الكثير من القوانين كان متأكدا من أن الجماهير لن تراعيها، ما لم يتم تنفيذها بقسوة؟ وفي البداية أغلق عينيه عن التجاوزات، لكنه حين رأى أن الجميع تقريبا تجاوز بطريقة أو بأخرى، بدأ في استدعائهم، وأصدر عقوبات ضدهم. ومع ذلك كان يمكن مراعاة قوانين الرب بسهولة إذا أراد البشر ذلك.

وخلص إيراسموس إلى أن دراسة المسائل بعمق أكبر من اللازم لا تزيد التقوى خاصة في حضور الجُهال. وقد أثبتنا أن رأينا أكثر وضوحا في أدلة الكتاب المقدس عن رأي الخصوم. ومن الحقائق أن الكتاب المقدس في معظم الحالات غامض ومليء بالصور المجازية، أو يبدو لأول وهلة مناقضا لنفسه. لذلك، سواء رضينا بذلك أم لم نرض، نضطر أحيانا للتراجع عن المعنى الحرفي ونكيف المعنى على أحد التفسيرات. وأخيرا أظهرنا بوضوح كيف سيكون الأمر غير معقول ولا نقول إنه عبث إلغاء حرية الإرادة بالكلية. وأظهرنا بوضوح أن هذا الرأي إن قبلناه لا يلغي أمور التقوى والمسيحية التي دافع عنها لوثر والتي تتعلق بالحب الأعلى للرب، ورفض الإيمان بالاستحقاق فقط، وأعمالنا وقوتنا، والثقة الكاملة في الرب وفقا لوعده.

ومن ثم أريد من القارئ أن يفكر فيما إذا كان من العدل استنكار آراء آباء الكنيسة التي اعتمدها كثير من الناس لعدة قرون وقبول بعض التناقضات التي تُربك العالم المسيحي. فإذا كان الرأي الأخير صحيحا، فأنا أسلم بحرية بكسل ذهني وعجزي عن الفهم. وأنا أعرف على وجه اليقين أني لا أقاوم حقيقة، وأني أحب من أعماق قلبي الحرية الإنجيلية الحقيقية، وأبغض كل ما يخالف الإنجيل. ومن ثم أنا لست حكما هنا، كما قلت في البداية، ولكني مُجادل. ويمكنني أن أؤكد أني عملت من وجهة نظر دينية في هذا النقاش، كما طُلب مرة من القُضاة محاكمة أمور الحياة والموت.

ورغم أني رجل كبير لست أخجل ولا أنزعج من أن أتعلم من شخص أصغر مني إذا كان يعلمني الحقائق الأكثر وضوحا باللطف الإنجيلي. سيقول البعض في هذه النقطة: ينبغي أن يتعلم إيراسموس المزيد عن المسيح وأن يتجاهل الحصافة البشرية. لا يفهم أحد ذلك، ما لم يكن لديه روح الرب.. والآن، إذا لم أكن أفهم من هو المسيح، بالتأكيد يجب أن يكون الإنسان قد حاد بعيدا عن موضوعنا وهدفنا، رغم أنه ينبغي ألا أحب شيئا أكثر من معرفة الروح التي يملكها كثير من المعلمين والمسيحيين، لأن من المحتمل أن الناس آمنت بتعاليم الأساقفة على مدار ثلاثة عشر قرنا وهم لا يفهمون ذلك.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
بدايات الصحافة الفلسطينية في معرض يضم صورا وصحفا وأفلاما وتسجيلات
2017-11-18
محمد بنطلحة: ليس هناك حرب أهلية بين الشعر والرواية
2017-11-17
معاوية إبراهيم يستعرض التاريخ المشترك للأردن وفلسطين
2017-11-16
تشانغ وي: الفوضى والانقسام مصير الصين إذا طبقت النموذج الغربي
2017-11-15
سميح مسعود: جذوري نادتني فكانت ثلاثية 'حيفا بُرقة... البحث عن الجذور'
2017-11-12
عبدالمالك أشبهون يرصد ظاهرة التطرف الديني في الرواية العربية
2017-11-11
باحثون عرب: الخروج بالبحث العلمي الأساسي والتطبيقي العربي من أزمته يحتاج إلى قرار سياسي
2017-11-09
مؤسسة عبدالحميد شومان تطلق جوائزها للابتكار العلمي بقيمة مليون دينار أردني
2017-11-08
ياسمين خضري: غياب المساءلة وانعدام الشفافية يحرم المواطن من حقوقه
2017-11-07
اللحام يقرأ بلاغة الأسلوب لدى الرافعي وعمران وبزيع
2017-11-06
المزيد

 
>>