First Published: 2017-09-15

'الخلاص بالفن' يدعو الإنسان إلى التمسك بالحلم والتذرع بالأمل

 

حسن حماد يرى أن الإنسان المعاصر منذ فقد روح الطقس في الفن وفي الحياة صار محروما من السعادة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

قوة الأديان السماوية تعتمد على قوة البعد الميتافيزيقي فيها

يطرح د. حسن حماد أستاذ ورئيس قسم الفلسفة والعميد السابق لكلية الآداب جامعة الزقازيق، نهل هو خلاص من العدو الأبدي للإنسان أعني الموت، أم أنه خلاص من العذاب الأرضي؟ هل هو خلاص من الشقاء الإنساني؟ هل هو خلاص من العبودية بمعناها الكوني والسياسي؟ هل هو خلاص من المعاناة، معاناة الوجود في هذا العالم؟

ويشير إلى أن السؤال عن طبيعة الخلاص بالفن هو في الوقت نفسه سؤال عن وظيفة الفن، ما هي وظيفة الفن؟ هل وظيفة الفن الإمتاع وتحقيق المتعة الحسية؟ هل هي تحقيق التطهير بالمعنى الأرسطي؟ هل هي خدمة الطقوس الدينية؟ هل يمكن للفن أن يمارس دورا سياسيا تنويريا تحريضيا؟ هل يمارس الفن دوره التحرري في عالم الواقع أم في دائرة الوعي؟ هل يستطيع الفن أن يملأ الفراغ الروحي للإنسان الحديث؟ بعبارة أخرى هل يمكن للفن أن يحل محل الدين أو أن يصبح هو نفسه ديانة لها عبادها ونساكها وحواريوها؟ ماذا تعني بالخلاص بالفن ومن المقصود بالخلاص المبدع أو المتلقي أم كلاهما معا؟

ويؤكد في محاولته الاقتراب من الإجابة عن هذه الأسئلة أن الخلاص بالفن هو أحد السبل التي من خلالها يحاول الإنسان أن يجد مخرجا من الأزمة الإنسانية وحلا للمعضلة البشرية، ويرى أن تقديم إجابات وافية لمثل هذه الأسئلة ربما يحتاج لآلاف الصفحات، لأن تاريخ الفن هو في الوقت نفسه تاريخ الإنسان. وإزاء هذا التحدي توقف عند بعض المراحل التي كان فيها الفن جزءا من الطقوس الدينية خاصة في مرحلة فجر الإنسانية حيث كان الفن يمثل جزءا من السحر والأسطورة، وركز على فن المسرح والتراجيديا تحديدا، باعتبار أن التراجيديا هي الفن الذي ينافس الدين في رسالته الأخلاقية والرسولية، وأن التراجيديا هي الفن الأكثر التصاقا بالتجربة الوجودية للإنسان وذلك دون أن يكون الهدف تأريخ لفن المسرح.

يقول حماد إن الحديث عن الخلاص بالفن ينطوي على هدفين: الهروب من اليأس والتطلع إلى الأمل، ومقولة إن الخلاص مشيد دائما على قاعدة من اليأس تنطبق أكثر مما تنطبق على الفن؛ ولهذا فقد استشهدنا في هذا الكتاب بالكثير من المفكرين والفلاسفة الذين أصابهم اليأس من إمكانية تغيير الواقع بالطرق السياسية، وكفروا بمعظم الأيديولوجيات، ورأوا في الفن الوسيلة الأخيرة لإنقاذ الإنسان، ومن هؤلاء: شوبنهور، ونيتشه، ومفكرو مدرسة فرانكفورت وأندريه مالرو وغيرهم ممن منحوا الفن دورا يتجاوز الحدود الجمالية، ويستهدف التجربة الإنسانية بكل ثرائها وتنوعها.

ويرى أن الخلاص هو تاريخ المسعى الإنساني، أنه الإنسان عندما يحاول أن يقهر تناهيه، وضعفه، وخوفه، وعجزه، وموته، والخلاص الديني - في رأي - هو الخلاص الذي يرتبط بالمعتقدات التي تربط الخلاص بقوة خارج الإنسان، وتجعل من الإله قوة مفارقة للعالم الأرضي؛ ومن ثم فهي تضع مثالها في عالم آخر مغاير لهذا العالم.

ويبدو أن قوة الأديان السماوية تعتمد على قوة هذا البعد الميتافيزيقي فيها، أعني المجهول أو اللامرئي الذي لا يمثل المعلوم أو المرئي بالنسبة له سوى مجرد إشارة أو علامة. ولهذا فإن اعتقاد اليهودي في أنه المنوط بوعد الخلاص من قبل الرب. أو اعتقاد المسيحي في أنه سوف يحصل على الخلاص بعودة المسيح، أو اعتقاد المسلم في أنه سوف يحظى بشرف الشفاعة، أو اعتقاد الشيعي في عودة الإمام المخلص. كل هذه الاعتقادات تمنح المؤمن قوة وهدوءا وإحساسا باليقين.

ويوضح د. حماد أن الحلول الدينية للخلاص ليست هي الحلول الوحيدة للخروج من الأزمة الإنسانية، فهناك آلاف الحلول أو المساعي الإنسانية الأخرى تقف إلى جانب الحلول الدينية، ويدخل في إطارها الحلول التي تطرحها الديانات الوضعية، والفنون؛ والمذاهب السياسية، وكافة الفاعليات البشرية: كالعلم والجنس والحب والثورة.. إلخ. وهذه الحلول يمكن أن نسميها بالحلول الإنسانية وهي تسمية تبدو من وجهة نظرنا أكثر دقة عن اصطلاح العلمانية أو اللادينية من حيث إن البعد الديني ليس مقصورا فقط على الدين بمعناه اللاهوتي، فهناك جانب ما في الإنسان يتجاوز عقله ووعيه ومقاصده. وبهذا المعنى يصعب أن نقول إن هناك ملحدا خالصا أو إلحادا تاما، فالمسألة العقائدية والتي أعني بها البعد الروحي مسألة متأصلة في الإنسان. إنها رغبة الإنسان الدائمة في خلق شيء ما يتجاوزه؛ ، الرغبة في في "الميتا" في "الما وراء" إيجاد بعد آخر للوجود غير البعد الفيزيقي، الرغبة في اكتشاف بعد ثان للنفس الإنسانية غير البعد الظاهري الخارجي السلوكي، إن هذه الرغبة هي التي تدفعنا أحيانا للنرجسية أو عبادة الذات وتدفعنا أحيانا لتأليه الآخر سواء كان هذا الآخر: حبيبا أو زعيما، شمسا أو قمرا أو نسرا أو حجرا أو مكانا أو رمزا أو اتجاها فكريا، أو مذهبا سياسيا.

إن هذه الرغبة العميقة التي تكمن فينا جميعا هي أساس كل شعور ديني سواء بالمعنى التقليدي للدين أو المعنى الأوسع والأشمل له. وهي أيضا الجذر الذي من خلاله تولد الرغبة في الخلاص.

ويخلص متسائلا: ترى هل هناك خلاص بالفن، وهل هذا الخلاص نهائي أم أنه نسبي، مؤقت أو عابر؟ ويجيب "لا يوجد خلاص نهائي، ولم تعرف البشرية خلال رحلتها التاريخية الطويلة خلاصا نهائيا، لأن هذا النوع من الخلاص إذا تحقق فإنه يعني العودة مرة أخرى إلى الفردوس ونهاية التاريخ، وبالتالي نهاية الأمل أيضا، لأن الأمل يولد على أرضية من اليأس، وفوق قاعدة من المأساة، والفاعلية البشرية تتأسس عبر إحساس الإنسان بالحاجة، ولو أكتملت حاجات الإنسان وأشبعت جميع رغباته لتوقف عن الحياة.

ومن المعروف أن أعلى نسبة انتحار في العالم تشهدها الدول التي تتمتع بدرجة عالية من الرفاهية والرخاء الاقتصادي. فلنا أن نتصور أننا قد أرضينا جميع أهوائنا، وحققنا كل أحلامنا. فماذا بعد هل يمكن الفرار من السأم والشعور بالخواء.

إن السعادة في جانب منها ترتبط بإرضاء الحاجات البشرية (سواء مادية أو روحية) فماذا لو أرضينا جميع تلك الحاجات، هل يمكن بلوغ السعادة؟ الإجابة بالنفي لأن الدائرة لا تكتمل أبدا. من جانب آخر، فإن الخلاص النهائي يتحقق إذا استطاع الإنسان قهر الموت وتجاوزه التناهي، أو بعبارة أخرى إذا بلغ الخلود. وهذا الأمل لم يتحقق على الأرض حتى هذه اللحظة، ويبدو أنه لن يتحقق، لأن الحياة داخل الكرة الأرضية تخضع لمقولات ومبادئ: التغير والتحول والفناء، وهي مقولات ترتبط بحركة الزمن، الذي لم يستطع الإنسان - برغم كل مجهوداته ومحاولاته - الإفلات منه! وبرغم أن الإبداع الإنساني هو محاولة لقهر الموت إلا أن الفن كما يقول أندريه مالرو غير قادر على إسكات السؤال الذي يطرحه الموت.

ويقرر د. حماد أن أي حديث عن الخلاص بالفن محاصر منذ البداية بكل خطايا النزعة النسبية، ويصعب التعامل معه خارج هذا الإطار. وحتى الفلاسفة الذين جعلوا من الفن طريقا للخلاص من أمثال: شوبنهور، ونيتشه، وسارتر، وماركيوز، وأرنست بلوخ.. وغيرهم يصلون إلى نفس النتيجة. فها هو شوبنهور يصل إلى أن الفن هو الفاعلية المعبرة عن البعد العابر في السعادة الإنسانية، فالفن كما يقول "هو تلك المرآة الحقيقية للعالم والحياة خاصة فن الشعر، فكل ملحمة أو قصيدة درامية، يمكن أن تمثل بمفردها نضالا وجهدا وحربا من أجل سعادة ليست كاملة أو دائمة. إنها تصل بأبطالها إلى الهدف عبر آلاف المصاعب والمخاطر، وبمجرد وصولهم لأهدافهم يتم إسدال الستار سريعا حيث إنه لم يعد هناك الآن ما يمكن عمله سوى بيان أن الهدف الرائع الذي توقع البطل أن يجد فيه السعادة كان مخيبا للآمال وبعد بلوغه لم يعد أحسن حالا من ذي قبل، لأن السعادة الحقيقية والدائمة غير ممكنة ولا يمكن أن تكون موضوعا للفن.

ويلفت د. حماد إلى أن الفن هو أحد المسكنات أو واحد من الأدوية العديدة التي يخترعها الإنسان للتغلب على منغصات الحياة، وهو بهذا المعنى يقدم خلاصا دنيويا يحيا في دائرة الإمكان ويصب في التيار العظيم للطموح الإنساني الساعي نحو تحقيق المجتمع الأفضل. والواقع أنه ليس هناك طريق واحد للخلاص بالفن، فقد يتحقق هذا الخلاص بالتطهير (أرسطو)، أو الكرنڤالية (ميخائيل باختين)، أو بالعالم البديل، العالم اليوتوبي (بلوخ، وماركيوز، ومالرو) أو بالنضال الثوري (بريخت والتيار الماركسي). والمسرح يمكن أن يؤدي تلك الأدوار مجتمعة، لكننا في هذا البحث حاولنا أن نركز على نقطة محددة، وهي الجانب الشعائري أو الطقوسي في التراجيديا الكلاسيكية بشقيها اليوناني والحديث، لكن هذا التحديد لايعني أن المسرح المعاصر يخلو من هذا البعد، فالبعد الطقوسي عنصر مكون للتجربة الفنية من حيث هي كذلك، أعني أنه إذا كان الفن خرقا للمعتاد والمألوف وتمردا على الضرورة اليومية، ويقوم على مبادئ: التلقائية، والحرية، والتنوع، والتخيل، والإيهام، الاتصالية، فإنه بذلك لابد وأن يتضمن في بنية تكوينه عنصرا طقسيا بصورة أو بأخرى، لكن هذا العنصر الطقوسي يكون أكثر بروزا ووضوحا في الدراما لاعتبارات تاريخية وتقنية.

ويرى أن الإنسان المعاصر منذ أن فقد روح الطقس في الفن وفي الحياة صار محروما من السعادة. أصبح يحيا بلا اكتراث، بلا مشاعر، بلا اهتمام. صارت حياته روتينية كالأشياء. لم يعد هناك ما يدهشه أو يبهره أو يستلفت ناظريه، صارت الأشياء من حوله فاترة، وصارت حياته نفسها أكثر فتورا، وإزاء انعدام الدراما من حياته كان لابد وأن يخلق الدراما البديلة، والدراما البديلة هي دراما اليأس، ودراما التدمير: تدمير الذات، وتدمير الآخر، وتدمير الأشياء. أن الإنسان المعاصر حتى يخلق الإثارة في حياته الساكنة الباهتة كان عليه أن يصنع دراما جديدة تناسب روح اليأس والهوان التي يعيشها، والإنسان المعاصر يعثر على تلك الدراما البديلة بعدة طرق: فأحيانا عبر الاستمتاع السادي - المازوخي بمشاهد العنف والقسوة والتعذيب. وتارة أخرى من خلال ممارسة بعض الطقوس المشوهة التي تستدعي مشاعر بدائية قديمة مثل التعصب للفرق الرياضية والتعلق الفاشستي بالقوميات أو الزعماء، والهوس الديني، والتشيع الأعمى للأيديولوجيات، وعبادة السلع، وكل مظاهر الفيتشية المعاصرة .

ويخلص د. حماد إلى أنه على الفنان اليوم أن يرفض مثل البطل التراجيدي كل أساليب المهادنة أو التسوية أو المصالحة مع عالم كل ما فيه يستأصل إنسانية الإنسان. إن عليه ألا يستسلم برغم يقينه أن كل أعماله يمكن أن تحترق مثل القرابين، وأنها يمكن أن تكون مجرد إضافات للمحرقة الكبرى التي تحاول أن تحيل كل ما هو بطولي وعظيم إلى شيء تافه وبلا قيمة. إن مهمة الفنان المعاصر اليوم هو كشف تشيؤ الواقع الراهن، وفضح مدى فساده وتحلله وغثيانه. بعبارة أخرى أن عليه أن يتواصل مع هذا العالم عبر رفضه ودحضه واحتقاره. أن عليه أن يكتفي بالتهديم والتعرية ولا يترك لنفسه أي فرصة لأي عزاء من أي نوع. وحسبه أن يكون عزاؤه الوحيد هو امتلاك القدرة على السخرية والاحتجاج والازدراء!

إن عليه أن يتمسك بالحلم ويتذرع بالأمل برغم مأساوية المصير الإنساني. عليه أن يدرك أن المخلص الحقيقي لن يظهر إلا حين يسود الظلام، وحين يملأ اليأس القلوب.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
محمد صابر عرب شخصية العام الثقافية بمعرض الشارقة الدولي للكتاب
2017-10-22
'الخال' .. راعي الغنم وحرامي الرمان الذي أحب الناس فأحبوه
2017-10-20
يوسف بكّار: ليس ثمّة ديوان كامل منفرد متفق عليه عنوانه 'رباعيّات الخيّام'
2017-10-19
غادة نصار تؤكد أن الجريمة الإلكترونية تشمل جميع أنواع الجرائم
2017-10-18
'الشارقة الدولي للكتاب' يستضيف عروضا مسرحية وفنية للأطفال
2017-10-17
فهمي الكتوت يحلل تحولات السياسيات الاقتصادية والاجتماعية في الأردن
2017-10-17
تيان شويه يوان يؤكد أن الشيخوخة هي مأزق القرن الـ 21
2017-10-16
حضور إماراتي لافت في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب
2017-10-15
أماني أبو رحمة تحلل أفكار فوكو عن السياسات الحياتية وتجلياتها
2017-10-14
السندباد يعود من خلال 'فضاء النص الأسطوري'
2017-10-12
المزيد

 
>>