First Published: 2017-09-21

النجيحي وحمدان: الوساطة أضحت قبلة منشودة في أميركا وأوروبا

 

القاضيان يؤكدان أن الوساطة كسرت أغلال التقاضي التقليدي، وقتًا وجهدًا وإجراءاتٍ ومالًا، وخلقَتْ لنفسها عالَمًا حرًّا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

من يبادر إلى الصلح، ومن يبدأ بالسلام؟

تأتي أهمية هذا الكتاب "المدخل لدراسة الوساطة في تسوية النزاعات" من كونه يعالج قضية الوساطة في المجتمع العربي التي لم تجد من يضعها موضع الدرس والتحليل العميق بشكل كبير، على الرغم مما يضج به المجتمع العربي من منازعات على مستوى الأفراد والدول، وقد أكد القاضيان د. شريف النجيحي ود. أحمد حمدان وهما رئيسا محكمة وحاصلان على الدكتوراه في تخصص الوساطة في المنازعات، أن السبيل أمام الوساطة في المجتمع العربي لا ينتظر إلا إشارة البدء، فجميع الطرق تؤدي إليها، هي آتية كسيل لا مرد له، وأهل الاختصاص بالخيار، بين الإفادة من هذا التيار الجديد، ودعم مسيرته، فيعمهم أثره الطيب، أو التشبث غير المبرر بما ألفوا عليه آباءهم من نظم تطاول عليها العهد، فلا يكون أمام السيل حينئذ إلا مواصلة التدفق، مُزيحًا ما يعترضه من عقبات، جارفًا ما يعوقه من عثرات، ليكمل مسيره المحتوم.

يصف القاضيان النجيحي وحمدان كتابهما الصادر عن الدار المصرية اللبنانية بأنه "يحمل جرثومة العدوى فاحذروه! إنه دعوة إلى منهج خاص في النظر إلى الأمور، قبل أن يكون دراسة في سبل فض المنازعات، وهو منشور تحريضي قبل أن يكون بحثًا أكاديميًّا، وهو مدخل إلى عالم كامل من الإنسانية الرحبة، التي ترى في الطبيعة الإنسانية الخير قبل الشر، وتخاطب في البشر أسمى جوانبهم، دون أن تتركهم لنزعات العناد والصدام، واللدد والعنت، والفُجر في الخصومة إنسانيةٍ ترى أن العلاقات بين البشر، أثرى وأعمق من أن يبترها نص قانوني جامد، أو أن يجمِّدها إجراءٌ قضائيٌّ عقيم، وترى أن العمر أقصر من أن يضيع في ردهات المحاكم، وبين ملفات الأقضية، وغرامات البنوك؛ إن الكتاب هذا كله، قبل أن يكون أي شيء آخر".

ويشددان على أن الوساطة كسرت أغلال التقاضي التقليدي، وقتًا وجهدًا وإجراءاتٍ ومالًا، وخلقَتْ لنفسها عالَمًا حرًّا، قادرًا على النفاذ بأدواته الخاصة، وبمفرداته غير التقليدية، وبأبعاده التي لا تقف عند حد البعد القانوني للنزاع وحده، بل جابت الوساطة آفاقًا أرحب، وارتادت دُنًا أوسع، فكانت أدواتها أكثر تنوعًا من أن تلتزم بمفردات التقاضي والتحكيم. من أجل هذا، لزم أن تكون لغة الحديث عنها غير منحصرة في مفردات كتب المرافعات المدنية والتجارية، وقوانين الشركات التجارية، ونصوص الملكية والشفعة وحقوق الارتفاق.

ويلفت القاضيان النجيحي وحمدان إلى قلة في الكتب والمؤلفات التي تناولت "الوساطة" عربيا على الرغم من اكتظاظ مكتبات الجامعات الغربية ومراكز الأبحاث فيها بالمؤلفات، التي لا تكاد تتوقف، عن الوساطة، علمًا وتطبيقًا، كتبًا ودوريات، مقالاتٍ ورسائل جامعية، بل إن في كثيرٍ من هذه الجامعات، أقسامٌ متخصصة لدراسة الوساطة، وبرامج للماجستير والدكتوراه، يتنافس فيها المتنافسون.

يسردان سيرة مفهوم ومصطلح الوساطة "في البدء كانت الوساطة، ثم إن الأخصام نزلوا عن بعض سلطاتهم، فكان التحكيم، ثم إن الكيان الجديد، المسمَّى "دولة"، نزع ما بقي من تلك السلطات، فكان القضاء. أو إن شئت فقل: في البدء كان الوسيط، ثم إن الوسيط توسع في صلاحياته، فصار حَكَمَـاً، ثم إن الحكم تمادى، فأمسى قاضيًّا.

ويضاف القاضيان أن الخطوة الأولى نحو العدالة تولاها وسيط مختار من "أهل الخير"، يرتضيه الخصوم، يتطوع بما له من قرابة، ويتدخل بما له من مكانة، فيعرض الصلح، ويستأصل الخلاف، ويسوي النزاع، بما يقترحه من حلول يقبلها الطرفان، يقبلانها إما خجلًا من المغالاة في الخصومة، أو إكبارًا للوسيط، وإشفاقًا على هيبته، أن يخيب مسعاه الكريم. ثم إن تنظيم العدالة أبى إلا أن يسلب الأطراف بعض ما كان بأيديهم من صلاحيات؛ فترك لهم اختيار "الحَكَم" إلا أنه أجبرهم على قبول "حُكْمه"، بعد أن كانوا بالخيار أمام "الاقتراح"، الذي "يتطوع" به "الوسيط"، يقبلونه أو ينبذونه، فكان التحكيم عتبة وسطى بين الوساطة والقضاء.

ويوضحان أنه لأجل هذا لم يكن مفاجئًا أن يكون حل "مشكلة" القضاء، بالسير في الاتجاه ذاته؛ فيتخفف الخصوم من ذلك الإجبار المزدوج الذي يخضعان له في التقاضي، فيصبح بوسعهما اختيار "الحَكَم"، دون أن يكون لهما اختيار "الحُكْم". ثم لا يلبث الخصوم أن يضيقوا كذلك بالتحكيم، حتى يصبح الحديث عنه بأنه صنو للتقاضي التقليدي، ورث عنه عيوبه، وأصابه ما أصاب سلفه من عوار؛ فأمسى نسخة مصغرة منه، فهو "المعركة ذاتها في ساحة مختلفة" أو هو "المسرحية ذاتها، على مسرح جديد". لكل هذا، كان من المتوقع تمامًا أن يتلمس الخصوم طريقًا يستردون فيه كامل حريتهم في اختيار الأمرين كليهما، "الحُكْم" و"الحَكَم"، "المسرحية" و"المسرح"؛ فلا يجد المشتغلون بالعدالة بدًّا من العودة إلى المنبع الأول، فيستدعون الوساطة، ويردون إليها جلالها القديم، ويزيدون أن يضعوا لها نظامًا دقيقًا، يرصد أنواعها ومراحلها، ويعدد أهدافها وقيمها، ويرسي لها المبادئ، ويستن لها القواعد، ولا يكبلها بطول إجراءات، ولا يعوقها بكثرة مواعيد، إذ بها يفرّ الأطراف من الإجراءات والمواعيد، وبها يلوذون من تنامي النفقات التي تبهظهم، ومن خطر احتمال التعرض لأحكام مفاجئة، دون أن يسعهم إلا تنفيذها صاغرين".

ويؤكد القاضيان د. النجيحي ود. حمدان "بالوساطة يفر الأطراف من «رجل العدالة المريض»، يفرون من التقاضي التقليدي، الذي تراخت قبضته، وأصاب سلطانه الوهن، ودب في أوصاله المرض، بعد أن ترامت أبعاد اختصاصه، ودخل في عباءته من الأنزعة الجديدة ما لم يكن مهيأ لنظره، فتعثرت في طرقاته الملفات، التي تحفل بأرقام كبيرة، وأطراف متعددة، وتلكأت في قاعاته القضايا التي انطوت على معاملات حديثة، وعلاقات متشابكة، معاملات وعلاقات أفرزها التقدم المتسارع في التجارة الدولية، والتطور المتنامي للعلوم الحديثة، والطفرة المشهودة في نظم الاتصالات والمعلومات. يفرون من هذا التلكؤ وذلك التعثر إلى رحاب الوساطة، بما تكفله من مرونة، وما تحققه من كفاءة ومن سرعة، وما تجود به من حلول خلاقة لا تنحصر بين حدَّي الدائن والمدين، المالك والمستأجر، البائع والمشتري، ذينك الحدين اللذين يحصران القرار الأخير في مقدار من الأموال، قلَّ أو كَثُر، بل تعرف الوساطة التعويض الرمزي، والتقدير المعنوي، والبدائل المبتكرة، والتسويات الهجينة، التي تجمع بين المادي والمعنوي، فتخاطب النفوس بقدر ما تخاطب حسابات البنوك، وتُعْنَى برضا الطرفين كليهما، أكثر مما تنشغل بالتطبيق الحرفي لنصوص القانون.

هنا يتفاوض الأطراف بدلًا من أن يتنازعوا، وفوق ذلك، توفر الوساطة لهم من يدير تفاوضهم، وسيطًا، محايدًا، خبيرًا بموضوع النزاع، يتفق عليه كلاهما، يثقان به، يمنحانه التقدير والمكانة، دون أن يحمل أي منهما نحوه ذلك الشعور الذي يرغبون دومًا في تفاديه كلما ولجوا قاعة المحكمة، أو مجلس التحكيم؛ شعور الرهبة. هنا لا رهبة، لا توجس ولا خيفة، بل ود وثقة، شعور الضيف نحو المضيف، شعور المسافرين نحو الدليل، شعور الصبية المتحلقين حول الجد الكبير، يتطلعون إليه وهو يغمرهم بالحكايات القديمة، وخلاصات الحكمة، ودفء الاحتواء.

ويريان أن الوساطة أضحت قبلة منشودة منذ نحو عقدين في الولايات المتحدة وأوروبا، وهي تخطو حثيثًا نحو اعتلاء المنزلة ذاتها في منطقتنا العربية، بعد أن انصرم نصف العقد الثاني من هذا القرن، وبعد أن ضج الناس بالشكوى من تعثر التقاضي بشكله المعهود؛ حتى أمسى من المعلوم للجميع حاجة أجهزة العدالة إلى وسيلة جديدة، تعبر بها أزمتها، لا عن طريق هجر المحاكم وتنفير الناس من طرق أبوابها، بل من خلال إتاحة الفرصة لهذه المحاكم أن يتفرغ قضاتها لنظر ما لا محيص عن إسناده إليهم، فيرفع عن كاهلهم أعباء القضايا التي يمكن تسويتها دون اللجوء إليهم، وتلك التي تمس الحاجة فيها إلى خبرات خاصة، كالقضايا التجارية، ومنازعات الاستثمار، والبترول، وعقود الإنشاءات، وغيرها من المنازعات التي يكون الأطراف فيها في أمس الحاجة إلى من يفهم طبيعة المجال الذي وقع فيه النزاع، قبل أن يكون بصيرًا بالقانون، وحينئذ تسنح الفرص، كلها، لرفع كفاءة الهيئات القضائية، بالتدريب، والتخصص، وحسن الاختيار ... إلخ.

ويشير القاضيان النجيحي وحمدان إلى أن أدبيات التراث الديني المتنوع، والمتناثرة في سائر الكتب السماوية، ذات المنزلة الخاصة لدى شعوب المنطقة العربية، تزخر بدعوات صريحة إلى المسارعة إلى تصفية الخلافات، قبل أن تكون خصومات، وتسوية النزاعات قبل أن تكون صراعات، وتعِدُ بالمثوبة وحسن العاقبة من يبادر إلى الصلح، ومن يبدأ بالسلام.

كما أن مجتمعاتنا، عرفت، ولا زالت تعرف، الوساطة في مختلف صورها وتطبيقاتها، حيث لا يكاد يقع نزاع، حتى تجد "أهل الخير" يسارعون إلى التطوع بتصفية الأجواء، وتبسيط الخلاف، وإذابة الجليد، ووصل ما انقطع، وجبر ما انكسر. أهل الخير هنا وسطاء، متطوعون، محايدون موثوقون، لا ينتهون إلى حكم ولا قرار، بل يكتفون بتذكير الأطراف بأن الصلح خير، وأن تسوية معقولة يقبلها الأطراف اليوم، خير من حُكْم بعيد، لا يدري أحدٌ أي الكفتين تكون لديه الراجحة. وساطة أهل الخير أكثر ذيوعًا من جلسات كبير العائلة، أو شيخ القبيلة، أو حكيم العشيرة، تلك الجلسات التي مهدت لقبول ثقافة التحكيم في بلادنا، منذ أكثر من عقدين من الزمان؛ لأجل هذا فإن السبيل أمام الوساطة أكثر تمهيدًا وأيسر تذليلًا.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
محمد صابر عرب شخصية العام الثقافية بمعرض الشارقة الدولي للكتاب
2017-10-22
'الخال' .. راعي الغنم وحرامي الرمان الذي أحب الناس فأحبوه
2017-10-20
يوسف بكّار: ليس ثمّة ديوان كامل منفرد متفق عليه عنوانه 'رباعيّات الخيّام'
2017-10-19
غادة نصار تؤكد أن الجريمة الإلكترونية تشمل جميع أنواع الجرائم
2017-10-18
'الشارقة الدولي للكتاب' يستضيف عروضا مسرحية وفنية للأطفال
2017-10-17
فهمي الكتوت يحلل تحولات السياسيات الاقتصادية والاجتماعية في الأردن
2017-10-17
تيان شويه يوان يؤكد أن الشيخوخة هي مأزق القرن الـ 21
2017-10-16
حضور إماراتي لافت في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب
2017-10-15
أماني أبو رحمة تحلل أفكار فوكو عن السياسات الحياتية وتجلياتها
2017-10-14
السندباد يعود من خلال 'فضاء النص الأسطوري'
2017-10-12
المزيد

 
>>