First Published: 2017-09-21

أزمة ثقة بين نظام وشعب

 

التحريف في خطاب ترامب الأخير في الفقرات التي تناولت إيران هو مثال كلاسيكي عن التضليل الذي تمارسه إيران بحق شعبها قبل أي شيء.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: منى سالم الجبوري

البحث عن الحقيقة من مصادر أخرى، هو ما تقوم به شعوب البلدان التي تعيش في ظل نظم دكتاتورية قمعية تفرض على الشعب أن يفكر ويرى بإتجاه واحد وهو إتجاه النظام الحاكم. هذه الحالة كانت الى حد ما ممكنة قبل عصر العولمة والانترنت، ذلك أن التكنولوجيا قد جعلت من العالم صغيرا بحيث بات من الصعب إخفاء الحقائق فيها خصوصا تلك التي تشع كشعاع الشمس.

الحديث عن الانظمة الدكتاتورية والقمعية يقود شئنا أم أبينا الى أسوأ نظامين بهذا الصدد وهما نظام كوريا الشمالية ونظام الجمهورية الاسلامية الايرانية اللذين يسعيان دوما لكي يسمع الشعب ويرى ويتكلم كما يريده ويرغب به النظام. لكن حديثنا اليوم ليس عن كوريا الشمالية ودكتاتورها الدموي، وانما عن النظام الذي نصب من نفسه حامي حمى المسلمين والمستضعفين ويتولى مرشده الاعلى منصب "ولي أمر المسلمين"، كما يقولون ويذكرون في وسائل إعلامهم "الموجهة"، ذلك إن هذا النظام ولاسيما قادته وكبار مسٶوليه الذين دأبوا دائما على إتهام العالم الغربي وحتى الانظمة السياسية في المنطقة التي لا تخضع لنفوذهم، بممارسة الكذب والخداع لتضليل الشعوب وحرف الحقائق، تقوم وسائل أعلامهم الموجهة بشكل مباشر لشعبهم بممارسة الكذب والخداع والتضليل في عز النهار ودونما أي خجل أو حياء!

خلال عهد الرئيس الاميركي السابق باراك اوباما والذي إستمر لثمانية أعوام، لم تكف وسائل الاعلام الايرانية الرسمية عن ممارسة الكذب والتضليل مع الشعب الايراني، وكانت تسعى دائما لنقل الخبر وعكسه وفق رٶية ورغبة وفكر نظام الجمهورية الاسلامية الايرانية. والذي يثير الدهشة وحتى الذهول هو إن وسائل الاعلام الايرانية لا تكتفي بتزوير وتحريف أخبارها الداخلية والخارجية وإختلاق تصريحات ومواقف ومقابلات وهمية فقط وانما حتى كلمات وتصريحات قادة وزعماء ومسٶولين من مختلف أنحاء العالم عندما يقومون بنقلها بصورة حية ومباشرة.

تحريف كلمات وخطابات وأخبار زعماء العالم ومسٶولي الدول، هي واحدة من الحرف والممارسات التي تمتهنها وسائل الاعلام الايرانية الخاضعة لسلطة ولاية الفقيه بقوة، وإن ما قد قامت به وكالة الانباء الايرانية الرسمية "ارنا" ومواقع ووكالات إيرانية في أبريل/نيسان المنصرم بفبركة تصريحات للرئيس التونسي الباجي قائد السبسي ولرئيس وزراء الجزائر عبدالملك سلال، خلال تغطية زيارة وزير الثقافة الايراني لهذين البلدين نماذج من قائمة طويلة بهذا الخصوص، وإن هذا التحريف والتزوير والفبركة "الممنهجة"، قد نالت في سبتمبر/أيلول الماضي من عمرو موسى، الامين العام السابق للجامعة العربية حيث نسبت له وكالة الانباء الايرانية "ارنا" الرسمية تصريحات تداولتها وسائل إعلام إيرانية رسمية أخرى، زعمت فيه بأنه هاجم السعودية ودول التحالف العربي، وهو ما أضطر مكتبه بأن يصدر نفيا قاطعا لكل ذلك، هذا الى جانب قيام وسائل اعلام إيرانية بتحريف خطاب الامين العام السابق للأمم المتحدة ورئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة ناصر عبدالعزيز حول الازمة السورية، الى جانب تحريفهم وتزويرهم لخطاب الرئيس المصري السابق محمد مرسي بشأن الاوضاع في سوريا.

الخطاب الاخير الذي ألقاه الرئيس الاميركي دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي نقله التلفزيون الايراني، شهد تحريفات مثيرة للسخرية من أجل تضليل الشعب الايراني وتزوير الحقائق التغطية على سياق الامور والاحداث، ووفقا لقناة "بي بي سي" الفارسية التي رصدت الفقرات المحرفة بالترجمة، إذ كانت الترجمة الفورية لخطاب ترامب عبر تلفزيون "خبر" الايراني تسير بشكل جيد الى أن وصل حديث ترامب لموضوع إيران وعندها قام المترجم بتغيير مضمون العبارات وتم تحويرها عن أصلها بشكل لا يمس النظام الايراني، بالرغم من إن الرئيس الاميركي شن هجوما كاسحا على إيران.

عندما قال ترمب بأن "شعوب العالم يجب أن تواجه هذه الحكومة المارقة"، ترجم التلفزيون الإيراني العبارة كالتالي: "نحن لدينا مشاكل مع الدول الأخرى". كما تم تحريف قول ترمب "هذه الحكومة حولت بلدا غنيا بالتاريخ والثقافة إلى بلد معزول ومنهك اقتصاديا"، إلى "يجب أن يكون وضع معيشة الايرانيين أفضل من هذا". أما عندما تحدث الرئيس الأميركي عن أن "السلطة الايرانية تخشى من بعد الجيش الأميركي العظيم من شعبها"، قام تلفزيون إيران بترجمة الفقرة كالتالي: "أميركا لديها جيش عظيم، والشعب الإيراني عظيم أيضا".!

هذا التصرف الذي ليس هو بالاول ولا بالاخير من جانب وسائل الاعلام المسيرة والممنهجة هذه، يعكس فيما يعكس عن أزمة ثقة مستعصية بين النظام والشعب، كما هو الحال في أي نظام دكتاتوري إستبدادي قمعي، لكن السٶال الذي يطرح نفسه هو أليس مثيرا للسخرية والتهكم أن تبادر وسائل الاعلام هذه الى هكذا اسلوب من أجل إخفاء الحقيقة التي ليس بالامكان إخفائها أبدا؟ رغم إنني لا أذكر إطلاقا إن قامت أنظمة دكتاتورية بمثل هذا التصرف "الغبي"، إذ كان بإمكان هذا النظام أن يمنع نقل هذه الكلمة مثلا فيريحنا ويرتاح، غير إن المشكلة الكبرى لهذا النظام تكمن في عدم إستطاعته على الاندماج والتأقلم مع محيطه والعالم كله، وفي نفس الوقت عن عدم مقدرته في فرض أفكاره ورٶاه المثيرة للجدل وحتى التهكم على العالم، رغم إن الاهم من كل شئ هو عدم تمكن هذا النظام من مد جسور الثقة بينه وبين شعبه حيث كلما يمتد الزمن تكبر الفجوة بينهما وفي النهاية فإن النظام سيصبح في وادي والشعب في وادي آخر، أو بكلام أكثر وضوحا سيندثر أو سيسقط هذا النظام ويستعيد الشعب الايراني حريته.

 

منى سالم الجبوري

 
منى سالم الجبوري
 
أرشيف الكاتب
الجميع خاسرون
2018-02-13
عن زيارة ماكرون المرتقبة لإيران
2018-02-06
الثورة والمرأة وإيران
2018-02-04
سيعود روحاني بخفي حنين
2018-02-02
ماذا لو سقط النظام الايراني؟
2018-01-30
طهران تتحدى الشعب
2018-01-28
هل يصلح خامنئي ما أفسده هو والدهر؟
2018-01-26
المفسدون في الارض
2018-01-24
ماذا وراء موافقة طهران للتفاوض على صواريخها؟
2018-01-19
عن هروب خليفة خامنئي من ألمانيا
2018-01-13
المزيد

 
>>