First Published: 2017-09-22

القاهرة منتصف القرن التاسع عشر في عيون إدوارد وليم لين

 

الإنجليزي الشهير لم يأت في ثوب الرحالة المتنقل المشاهد، وإنما أتى في ثوب العالم المستقر الذي يقوم بدراساته في تؤدة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

اشتهر باسم منصور أفندي

ترجع أهمية هذا الكتاب "القاهرة منتصف القرن التاسع عشر" للإنجليزي الشهير إدوارد وليم لين كما يشير مُعِدُّه ستانلي لين بول في مقدمته إلى عرضه صورة واضحة للقاهرة عام 1847 من خلال عين خبيرة ودقيقة كعين لين، استطاعت بحنكة التقاط بداية التأثير الغربي ونفاذه إلى المدينة، والفصل الدقيق بين كل ما ينتمي في الأصل إلى المدينة العربية الإسلامية وكل طارئ مستحدث عليها، هذا بالطبع غير وصف الكثير مما اندثر أو تغيرت معالمه على مر الزمن، إضافة إلى ذلك الأسلوب المنهجي التسلسلي الذي اتبعه لين في وضع الكتاب ومحتواه، وهو ما تأثر به كثيرًا المعد نفسه في وضع كتابه الخاص عن القاهرة بعد ذلك ببضع سنوات تحت عنوان "The Story of Cairo" ونشره في لندن سنة 1902، وهو الكتاب الذي نقله إلى العربية سنة 1950 كل من حسن إبراهيم حسن وعلي إبراهيم حسن وإدوارد حليم بعنوان "سيرة القاهرة".

وينقسم الكتاب الصادر عن الدار المصرية اللبنانية والذي ترجمه وحققه وعلق عليه الباحث أحمد سالم سالم، إلى عشرة فصول، حاول وليم لين بإيجاز في أول فصلين منها ذكر أهم ما يتعلق بنشأة المدينة وتطور حواضرها القديمة التي تتابعت منذ نشأة الفسطاط مرورًا بالعسكر والقطائع حتى إنشاء القاهرة، ثم تطورها وامتدادها بعد ذلك في العصرين الأيوبي والمملوكي، اعتمادًا على ما ذكره المقريزي.

ومن الفصل الثالث بدأ في وصف المدينة الحديثة، بداية من بولاق وهو ميناؤها على النيل حتى المدينة نفسها بأسوارها وأبوابها.

ومن الفصل الرابع أخذ في تقسيم ما سيتم تناوله داخل المدينة، بداية من قلعة صلاح الدين وتأسيسها وأهم المباني التي تشتمل عليها؛ ثم شوارع المدينة ودروبها وحاراتها ومتاجرها ومنازلها وأسواقها، يلي ذلك أهم المساجد داخل المدينة ثم أهمها خارج المدينة،

وفي الفصل الثامن تَحَدَّث عن المقابر والجبانات، وأفرد الفصل التاسع عن جزيرة الروضة، واختتم الكتاب في الفصل العاشر بالحديث عن مصر العتيقة وأهم مبانيها القديمة كجامع عمرو وقصر الشمع.

ولفت المترجم أحمد سالم إلى أن معد الكتاب ستانلي بول لم يقم بإدراج أية صور مما كان قد رسمه لين وألحقه بكتابه "وصف مصر"، عدا خريطته الأصلية التي رسمها لقاهرة العصور الوسطى، وهذا ما يشكل عقبة تحول دون استيعاب الوصف الذي أسهب فيه المؤلف في بعض المواضع، فالصورة تكون أحيانًا أبلغ من الكلمات. حتى وإن لم يستطع الوصول لهذه الرسوم كان عليه استبدالها ببعض الرسوم الأخرى التي تثري النص وتكمل معناه.

ومن هنا حاولت إكمال هذا النقص قدر المستطاع بانتقاء ما يربو على المائة وسبعين شكلًا بين خرائط ولوحات ورسوم بالحفر وصور فوتوغرافية من بين آلاف الصور والرسوم، تصور بدقة أكثر ما قام المؤلف بوصفه.

لقد حرصت قدر الإمكان أن تكون هذه الصور قريبة من زمن المؤلف، فالصورة في حد ذاتها وثيقة لا تقبل الشك. واستعنت في سبيل ذلك بالكثير من كتب الرحالة والرسامين وكتالوجات المصورين ومجموعاتهم، بل وبالمجموعات الخاصة ومن ضمنها ما قمت بجمعه من صور وبطاقات بريدية على مدى سنوات يرجع الكثير منها إلى القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ضمت صورًا متفردة في ندرتها يُنشر الكثير منها لأول مرة.

وقد حرصت على توثيق هذه الصور قدر المستطاع بذكر مصدرها أو اسم من رسمها أو صورها فضلًا عن تاريخها، فإن لم أستطع التوصل لتاريخ محدد ذكرت الفترة التي ترجع إليها الصورة، مثل أواخر القرن التاسع عشر أو أوائل القرن العشرين، فهذا على ما أعتقد يفيد الباحثين بشكل كبير في تحديد التغير أو التطور الذي طرأ على معالم المكان في فترة زمنية محددة".

وترجع أهمية هذا العمل وفقا لمعده لين بول ليس فقط لكونه صورة للقاهرة منذ خمسين عامًا سُجلت بواسطة مراقب شديد المهارة، بل لكونه اهتم اهتمامًا واضحًا بالوصف التاريخي لمختلف أسوارها وأبوابها ومساجدها وغير ذلك من المنشآت المستمدة من خطط المقريزي، ذلك الكتاب الذي لا يقدر بثمن عن طبوغرافية القاهرة والذي كتب عام 1417، واستخدم بالطبع على نطاق واسع من قبل جميع طلاب ودارسي آثار المدينة، مع ذلك لم يتم ترجمته بالكامل؛ لذا سيكون نقل العديد من المقتطفات هنا من اللغة العربية جديدًا على معظم القراء.

ومن الواضح أن لين قام بدراسة متعمقة للمقريزي وقام بمقارنة شهاداته بما تبقى من آثار في زمنه، وعليه تُعد تعليقات لين ذات أهمية كبيرة لأن الكثير مما قام بوصفه قد اختفى بالفعل.

وفي الوقت الذي يجب أن أكون فيه أول من يعترف بأن لين قام باستخدام هائل لكنز المعلومات الثمينة الواردة في الخطط، يشار إلى عدم استفادته منها إلى أقصى درجة، وذلك لأنه لم يكن يكتب تاريخًا خاصًّا بالقاهرة؛ بل كان يقدم بعض الفصول التي تبحث من الناحية التاريخية في خصائص المدينة الحالية ضمن عرضه لوصف مصر العام. وفيما وراء هذا القيد الذي فرضه لين على نفسه لم يسبق له إجراء أية دراسة فنية لتاريخ فن العمارة الإسلامية، ويبدو ذلك جليًّا في وصفه لمساجد القاهرة.

ورأى بول أن ملاحظات لين عن العقود المدببة لجامع ابن طولون ومقياس النيل وتوثيقه للترميمات الأخيرة يشهد له بدقة الملاحظة، لكنه مع ذلك يمر على تفاصيل النمط المعماري والزخرفي بطريقة تشي بعدم تلاؤمه مع هذا المجال، ورغم هذا لا يمكننا الحط من قيمة وصفه للمساجد الرئيسية كما بدت في عامي 1835 و1847، على اعتبار أن هذا الوصف صادر عن باحث غير مدرب في الفن الإسلامي، لأن هذا الوصف يحفظ لنا ملامح وتفاصيل قد اختفت منذ ذلك الحين، ونستطيع عن طريقه مقارنة الحالة الراهنة لهذه الآثار مع حالتها التي ظهرت عليها في النصف الأول من هذا القرن.

وأشار بول إلى أنه أثناء إعداده الكتاب من أجل الطباعة قام بحذف ما ظهر له زائدًا عن الحاجة أو ما تم نشره من قبل، سواء في "المصريون المحدثون" أو في "المرأة الإنجليزية في مصر". وقال "لكني لم أدخل شيئًا في النص دون وضعه داخل أقواس. وقمت بإعطاء إشارات في الحواشي إلى ما أَهمل المخطوط الإشارة إليه من المقريزي مستخدمًا طبعة بولاق، لكنني لم أقم بتنقيح ترجمة ما تم نقله عن الخطط مع إدراكي أن حساسية لين في السنوات الأخيرة كانت من شأنها أن تقدم مجموعة متنوعة من التغييرات في التفاصيل الصغيرة.

وقد أشرت في الملاحظات التي في نهاية الكتاب إلى بعض نتائج البحوث التي أجريت مؤخرًا ولها علاقة بالموضوع ولكن دون محاولة لشرح مفصل. وقد قمت أيضًا بإلحاق خريطة للقاهرة اعتمدت على مسودة لين الأصلية، فضلًا عن فهرس كامل آمل أن يجعل هذا العمل الصغير مفيدًا لعدد أكبر من زوار القاهرة ومن هم أيضًا من الطلاب لتاريخها وآثارها.

وفي تعريفه لرحلات ليـن لمصر ذكر بول "كانت رحلة لين الأولى إلى مصر بمثابة رحلة استكشافية دامت ثلاث سنوات (1825 – 1828) حاول فيها مسح البلاد مسحًا كاملاً؛ إذ كان في شوق عارم لرؤية كل شبر فيها ومخالطة كل سكانها، وعَبَّر عن ذلك بقوله: "كنت على وشك أن أقذف بنفسي كلية بين غرباء عني، وسط شعب سمعت عنه الكثير من الأخبار المتناقضة".

مع ذلك لم يقض جُلَّ وقته في الاستكشاف بل أخذ يدون ملاحظاته ويخط رسوماته التي سيستعين بها فيما بعد. ولم يكتف لين بالرؤية فحسب - كما يفعل أي أوروبي زائر - بل تداخل مع السكان كواحد منهم فاستطاع أن يتفهم دقائق لغتهم الدارجة وآدابهم وعاداتهم الاجتماعية وطريقة تفكيرهم، وساعده على ذلك ملامحه الأقرب شبهًا للملامح العربية.

وأشار بول أن لين كان يقصد في رحلته الأولى - على خلاف غيره - أن يُفَصِّل معالم البلاد؛ إذ لم يحاول أحد من قبل أن يصور في مجموعة متماسكة أقاليم مصر وآثارها وأحوال شعبها، وهو أمر يستلزم جهدًا شاقًّا متواصلاً ومهارة فائقة.

ورجع لين إلى إنجلترا ومكث فيها بين عامي (1828 – 1833) يرتب يومياته وينظم مشاهداته ويعد رسوماته التي أنجزها في مصر للنشر في كتاب كبير حمل نفس عنوان كتاب الحملة الفرنسية، "وصف مصر"، غير أنه عجز عن نشره بسبب ضخامة حجمه وكثرة رسوماته، وهو ما دفعه إلى استخراج ما كتبه عن المصريين المحدثين وجمعه في سفر خاص ليسهل طبعه، وبالفعل عرض الأمر على جمعية نشر المعارف المفيدة التي قبلت تبني كتابه على أن يعود إلى مصر في رحلة ثانية يستوفي فيها ما فاته من موضوع الكتاب المتعلق بكل ما يخص أحوال المصريين المحدثين وعاداتهم.

وكانت بالفعل رحلته الثانية إلى مصر بين عامي (1833 – 1835) مكرسة لهذا الغرض، فلم يأت في ثوب الرحالة المتنقل المشاهد، وإنما أتى في ثوب العالم المستقر الذي يقوم بدراساته في تؤدة، واختلط بالمصريين وتطبع بطباعهم ومارس حياتهم حتى اشتهر بينهم باسم منصور أفندي.

وأوضح المترجم أن لين عاد إلى إنجلترا عام 1835 بعد أن أتم مادة كتابه "المصريون المحدثون"، فعكف على ترتيبه وإعداد قوالب لوحاته التي كان يقوم بحفرها بنفسه، وإضافة لمساته النهائية حتى ظهر الكتاب للنور عام 1836، فأحدث دويًّا هائلًا بين أوساط المتخصصين وغيرهم على حد سواء، وأضفى على لين شهرة كبيرة في مجال الاستشراق، وكان هذا من الأسباب التي جعلته الوحيد في ذلك الوقت المؤهل لترجمة «ألف ليلة وليلة» ترجمة جديدة خالية من التزييف والتصحيف الذي شاب الترجمات السابقة وكان سببًا في نقل صورة مشوهة عن الشرق، وبالفعل عكف على هذا العمل بعد أن طُلِب منه القيام به، وما لبث أن ظهر في أجزاء شهرية بين عامي (1838 – 1840) وأثناء صدور هذه الأجزاء صدر أول مجلدين من الطبعة الأولى ثم صدر المجلد الثالث والأخير عام 1841، وذلك تحت عنوان "The Arabian Nights Entertainments".

وتفردت هذه الترجمة عن سابقاتها بروح المتن العربي وفحواه، فضلًا عن الشروح والتفاسير التي أضافها لين في الحاشية عن عادات المسلمين في العصور الوسطى كونت موسوعة حافلة متفردة جعلها جديرة بأن تنشر في عمل مستقل فيما بعد سنة 1883 تحت عنوان: "المجتمع العربي في العصور الوسطى"، هذا فضلًا عن ستمائة رسم محفور على الخشب أشرف لين بنفسه على إعدادها، فعمد إلى إمداد الرسام وليم هارفي بكل التفاصيل الممكنة.

بعد ذلك شرع على الفور في إعداد كتابه التالي "مختارات من القرآن" الذي طبع سنة 1843، وهدف من إعداده إكمال ما بدأه في "ألف ليلة وليلة" ألا وهو تقريب صورة الشرق إلى الغرب، ولكن هذه المرة من الناحية العقائدية، فاختار من القرآن آيات معينة قام بترجمتها وشرحها، سبق ذلك مقدمة طويلة عن تاريخ العرب وأحوالهم في الجاهلية حتى نزول القرآن.

وذكر المترجم أن لين أوشك على القيام برحلته الثالثة والأخيرة إلى مصر التي استمرت لسبع سنوات (1842 – 1849) وكان هدفها الأساسي مشروعه العلمي الأكبر الذي كَرَّس له ما تبقى من حياته، أي حوالي أربعة وثلاثين عامًّا، وهو قاموسه العربي - الإنجليزي، أو "مدّ القاموس".

لقد أدرك لين أكثر من غيره صعوبة العربية وسعة مَعينها، وبالتالي قصور ما صدر من المعاجم الأوروبية أو أية مواد أخرى تتصدى لها، فتطلع لما لا يطيقه سوى فريق متكامل من العلماء، وهو الشروع لأول مرة في تاريخ المعاجم الأوروبية في جمع المفردات العربية من أمهات كتب الأدب والمعاجم العربية الأصيلة وعلى رأسها "تاج العروس".

وتطلب هذا العمل إقامة طويلة في القاهرة للقيام بتجميع المواد اللازمة، وهو ما لم يتوان عن تحقيقه. وخلال هذه الرحلة قام لين بالاتصال بما استطاع من العلماء ونَسْخ ما يستطيع الوصول إليه من المواد في آلاف الصفحات، وبَذْل قصارى الجهد في الوصول إلى المخطوطات الأصلية الملحقة بمكتبات المساجد وغيرها، واقتناء ما تصل إليه يده من أشهر المعاجم العربية، حتى استطاع جمع ما يلزم لمشروعه فطفق راجعًا إلى بلده ليقضي ما تبقى من حياته عاكفًا على إعداد قاموسه دون كلل، وبعد عشرين عامًّا من الجهد المتواصل ظهر الجزء الأول من القاموس عام 1863، بعده الجزء الثاني سنة 1865، فالجزء الثالث سنة 1867، يليه الرابع سنة 1870، ثم الخامس سنة 1874، ولكن المنية أدركته سنة 1876 وهو لا يزال في نصف الجزء السادس، فقام قريبه ستانلي لين بول بإتمامه ونشره سنة 1877.

وأكد أن قاموس لين كان متفردًا بحق حتى أنه صار القاعدة الأساسية التي بنيت عليها معظم المعاجم العربية الأحدث عهدًا باللغات الأوروبية، ومازال من أجود المعاجم المتداولة، لذا ما كاد يبدأ في نشره حتى بلغ القمة في مجاله وتسابقت الأوساط العلمية على تكريمه، وتوجت ذلك جامعة لَيْدن في عيدها المئوي الثالث سنة 1875 قبل وفاته بعام، بمنحه الدكتوراه الفخرية في الآداب. هكذا رحل لين بعد أن ترك تراثًا فكريًّا كبيرًا أصبح خير سفير من عالم الشرق إلى عالم الغرب.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
علي سالم: يصعب تخيل التغيير المنشود دون تحرير وإطلاق طاقات وابداعات الشباب
2017-12-14
'الملائكة لا تأكل الكنتاكي' تبحث عن الهوية المسلوبة بعد فشل ثورات الربيع العربي
2017-12-13
حزامة حبايب تؤكد: ورثت ﻣﻦ أبي اﻟﻔﻠﺴﻄﯿﻨﻲ ﺣﻜﺎﯾة ﻧﺎﻗﺼﺔ
2017-12-12
باحث صيني: التاريخ والصين والعالم زوايا القيادة الجماعية لصين المستقبل
2017-12-11
أوروبيون يقرأون حضور عرب وعثمانيين في الأدب الأوروبي
2017-12-10
قراصنة المتوسط: تاريخ الأوروبيين في المنطقة مصدر مهم لسياساتهم المعاصرة
2017-12-09
في رواية 'حياة' .. الحياة أكثر تعقيداً من الموت
2017-12-08
أحمد السيد النجار: هناك تناقض موضوعي بين قوة الاقتصاد الصيني ودوره العالمي فعليا
2017-12-06
لور كاتسارو: عزوبية الفنان الحداثي الملاذ الوحيد المضاد لفكرة المستقبل
2017-12-04
يمنى طريف الخولي: هل يفترض التحرر من الموروث للبحث عن موروث آخر؟
2017-12-03
المزيد

 
>>