First Published: 2017-10-03

في رمي الجسور بين الديني والدنيوي

 

مقولة 'الدين مسألة شخصية' هي من أخطر المقولات لِما قد تفرزه من جدل عقيم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمّار

قد لا أبالغ حين أشدد على أنّ مقولة "الدين مسألة شخصية" هي من أخطر المقولات، وذلك لِما قد تفرزه من جدل عقيم ومن مشادات إيديولوجية مضرّة بالصحة الثقافية والمجتمعية والسياسية في المجتمع المسلم. فالاعتقاد في الدين في نظري يُعتبر دون أدنى شك مسألة شخصية ("فَمَنْ شَاءَ فَليُؤمِن وَمَنْ شَاءَ فَليَكْفُرْ").

لكن في المقابل فاعتماد الدين كمصدرٍ للإلهام وللأفكار وللأخلاق إلى جانب المعارف والعلوم إنما هو مسألة عمومية بالدرجة الأولى. وإلا، ألسنا بحاجة إلى إلهام وأفكار وأخلاق لتطوير العباد والبلاد؟ لكن، هل المسألة متعلقة بالاختيار ببن خصخصة الدين أو تعميمه، أم أنها من صنف آخر؟

أرى أن العبادات في الإسلام من شهادتين وصلاة وزكاة وصيام وحج هي الثابتة بينما مضمونها متحرك ومتحوّل. وهذا التوجه التحويلي هو ما يجعل الثبات ثباتَ حركة لا ثباتَ جمود. ذلك أنّ التحوّل يتم نحو هدف سامٍ موضوعُه المستقبل ومنتهاهُ لقاء الله ("يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ") لا جذبا إلى الوراء (" تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ"). بينما معاينة الواقع المعاصر ستكشف لنا أنّ المجتمع التونسي وسائر المجتمعات المسلمة تعيش حالة من الركود أكثر من عيشها حالة من الحركة المستبطنة لبذور التحوّل نحو الأفضل.

فالغائب عن وجود المسلمين إذن ليس الدين بحد ذاته، إيمانًا وشعائرَ وشريعةً وتعاليمَ وأخلاقًا، وإنما الغائب هو تنمية الملكات العقلية بما يسمح بتبديل النظرة إلى الإسلام حتى يكون الدين عامل قوة حضارية لا عامل تقهقر وانحطاط مثلما كان عبرَ قرون خَلَت ولا يزال. وهو غيابٌ من الصنف الفيزيائي طالما أنّ النظرة المنشودة تتطلب إعادة التمَوقع التاريخي مما يستوجب إتّباع القوانين والسننَ الفيزيائية من بين قوانينَ وسُنن أخرى. الغائب هو رمي الجسور بين الديني والدنيوي.

ثمّ من الأدلة على الثبات والركود في السلوك نلاحظ مثلا تعمُّدَ سائقي العربات الميكانيكية عدم استخدام الإشارات القيادية المنصوص عليها في قانون السير والتي تنظم الأولويات والعمليات وتحتّم القرارات، مع اعتقادهم (الخاطئ) أنّ فعل الإشارة أضحى "معلوما من طرف الجميع" (أي حسب مقاربتنا "جامدا في الوعي") وأن لا فائدة من تكراره (فتكرار الفعل يُقدّرُ من طرف هؤلاء بأنه "غير ضروري" أي غير منتجٍ للحركة وعلى الأخص الحركة الجماعية؛ ويعود هذا التقدير الخاطئ في الحقيقة لا إلى خلوِّ الفعل من دوافعِ للحركة وإنما إلى عدم استشفاف الشخص المُقدِّر لأية دوافع للحركة، أو بالأحرى يعود ذلك إلى عدم الإيمان لا بأنّ للحركة دوافع ولا بأنّ الحركة جماعية إلى جانب كونها فردية ولا بالحركة أصلا). وهذا مما يُفضي إلى مشهد خطير: ينتهج قائد العربة سلوكا مبنيّا على اعترافه بحركته هو دون سواه ولا يكترث بالآخر بصفته شريكا. هذا مما يعني في آخر تحليل أنّ العقيدة المسيطرة على "القائد" مفادها أن ليس هنالك حركة سوى حركة العربة وبالتالي فليس هنالك فرقٌ بين القول إنّه يسيرُ بشكل أناني مَقيت والقول إنّ العربة هي التي تقود "قائدها" وليس العكس كما هو منشود.

نخلص إلى أنّه لو جرّبْنا المشهد الذي في المثال في مشاهد أخرى مختلفة منتقاة من المشهد المعيشي العمومي في المجتمع المسلم، سيُفضي ذلك إلى استقراء القاعدة الخطيرة المستشرية داخل وعي المسلم مفادها التمادي في الاعتقاد بأنّ "الدين مسألة شخصية مهما كلفني ذلك من تحملٍ للاتهام بالجمود وبالتواكل وبالتالي فمشكلتنا (الجماعية) ليست في ضرورة النظر إلى الدين من زاويته الحركية (الطبيعية) وإنما في ضرورة الابتعاد عن الدين والتعبّد بالعلم"، ناسيا أنّ مجرّد تقويم النظر إلى الدين الحنيف إنما هو في الآن ذاته تقويمٌ للعقل وبالتالي ضمانة لولوج حلبة الحركة والتغيير نحو الأفضل.

 

محمد الحمّار

كاتب تونسي

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

لم يكن ديكارت غلاما يعشق الجنة ولا يؤمن بالنار. بل أمن أن وجوده مبني على شكه العقلي بقبول الأشياء والمفاهيم حوله . الإنسان هو جزء من العقل الكلي للانسانية ، والله هو المكتشف الإنساني لتسمية العقل الكلي للانسانية ، لهذا الولاءات حيوانية الإنسان.

2017-10-04

 
محمد الحمّار
 
أرشيف الكاتب
كيف وصلت تونس إلى هذا وهل من مخرج؟
2018-01-12
متى تكون القدس لنا؟
2017-12-13
هل يفهمُ المتخصصون الإسلامَ أفضلَ من العوام؟
2017-10-14
في رمي الجسور بين الديني والدنيوي
2017-10-03
ما وراء حديث الميراث وزواج المسلمة بغير المسلم
2017-09-22
الليبرالية بين حُروبهم الناعمة وعقولنا النائمة
2017-08-06
إذا كانت الانكليزية عشيقتنا فالعربية أُمُّنا
2017-06-13
فسادٌ من المُنتج إلى المُستهلك
2017-06-07
ماذا بعد عسكرة منشآت إنتاج الطاقة في تونس؟
2017-05-12
تونس: سُخطٌ إعلامي غير مبرَّر بسبب إقالة جلول
2017-05-09
المزيد

 
>>