First Published: 2017-10-12

شهادة وفاة العقد 'الفيدرالي' المغشوش

 

حانت ساعة الصدع بالنوايا المخبأة لدى البارزاني، فكانت حملته الاستفتائية الأخيرة، وإصرارُه على الانفصال بدعوى غدر حلفائه الإسلاميين به. وكأننا نسينا ما قيل عام 1994.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: إبراهيم الزبيدي

مبكرأ، وبالتحديد في عام 1994، بدأ قادة المعارضة العراقية الأميركية والإيرانية والسورية بالتبشير بمشروع الدولة الفيدرالية التي أردها المتحالفون الكرد والإسلاميون ورفاق أحمد الجلبي بين إقليمين، عربي وكردي، وعلى أساس قومي، وليس على أساس إداري بإقليمين أو بعدة أقاليم.

وكان أن تداول عدد من المثقفين العراقيين المستقلين غير المنضوين تحت أيٍ من أجنحة تلك المعارضة، واتخذوا موقفا رافضا لذلك المشروع الذي رأوا أنه مغشوش، ولن يكتب له النجاح، وسيدفع العراقيون ثمن فشله باهظا من دم ودموع.

وقد نشرتُ في صحيفة الحياة اللندنية، في آب 1994، مقالا ألخص فيه ذلك الموقف، وأبين مواضع الخلل والشبهة في المشروع، وعرضت البديل المقترح الذي كنا متأكدين من أن دعاة تلك الفيدرالية سيبغضونه، وسيرسلونه وأصحابه إلى الجحيم، وسيُعينهم عليه وعلينا أولياء أمورهم الأميركان والإيرانيون، دون شك.

أما مآخذنا عليه فتتركز في ثلاث نقاط.

- كونه عقد شراكة مغلقة بين فريقين من السياسيين المشكوك في ذممهم الوطنية، والمجاهرين بتعصبهم القومي والطائفي، علنا دون خوف ولا حياء.

- ثم إنه تمهيد لانفصال مبيَّت، لأن الإقليم، في واقعه المرئي والملموس، شبهُ مستقل، ولا يحتاج إلى شرعنة ولا مباركة من أحد، إلا إذا كان هدف السياسيين الكرد هو استنزاف الدولة العراقية، مرحليا، تحت خيمة المحاصصة (الفيدرالية)، والاستفادة القصوى من إمكاناتها العسكرية والمدنية لتثبيت قوائم دولة أحزابهم في كردستان العراق.

- خصوصا وأن سلوك أصحاب المشروع وخطاباتهم وأدبياتهم وتصرفاتهم مع المعارضين المستقلين ينبيءُ بالنية المبيتة لاحتكار السلطة واقتسامها، وفرض سلطتهم، بقوة المال والسلاح والدعم الخارجي، على الشعب العراقي. (بيني وبينك ضيعناها). فيسكت الإسلاميون عما يفعله الحزبان لا في كردستان وحدها بل في الدولة العراقية ذاتها، دون رقيب ولا حسيب، مقابل سكوت الكرد عن عبث الحلفاء الإسلاميين بمقدرات العراقيين، وفسادهم، وعدم الاعتراض على وضع العراق تحت خيمة الولي الفقيه.

البديل

بالمقابل طرحنا صيغة فيدرالية أخرى تقوم على أساس أقاليم مستقلة، إداريا، عن المركز، وعلى الشكل التالي:

1- إقليم كردستان (أربيل، السليمانية، دهوك، وأجزاء من محافظتي الموصل وكركوك)

2- إقليم كركوك وديالى

3- إقليم الموصل (ويضم أيضا محافظة صلاح الدين)

4- إقليم بغداد

5- إقليم الأنبار

6- إقليم العتبات المقدسة، كربلاء والنجف الأشرف

7- إقليم الحلة، الديوانية

8- إقليم واسط، ميسان

9- إقليم ذي قار، المثنى

10- إقليم البصرة

ويومها حمل على مشروعنا، بشدة، وعاظُ الحزبين الكردييْن وحزب الدعوة ومجلس الحكيم وجماعة أحمد الجلبي، واتهمونا بالتشويش على "وطنية" المعارضة بتسخيف الفيدرالية، وتسطيحها، وتشويه جوهرها الذي لن يُصلحَ العراق سواه.

نهاية عقد الشراكة المغشوش

ومن نهاية حكم السلطة الواحدة، (الديكتاتوري) عام 2003 وإلى ما قبل الخامس والعشرين من آب الماضي، عاش العراقيون، بكل طوائفهم وقومياتهم وأديانهم، أمرَّ أيامهم تحت ظل النظام "الديمقراطي"، "الفيدرالي"، الذي أقامه الزعماء السبعة الكبار للمعارضة العراقية السابقة، والذي أكثروا عنه الكلام الجميل، واعدين بأن يجعلوه نهاية للديكتاتورية والعنصرية والطائفية والمحسوبية والفساد.

ولكن العراقيين، بعد أربع عشرة سنة، صاروا يترحمون على الديكتاتورية الراحلة التي كانت أرحم وآمن وأكثر عدلا ونزاهة من ديمقراطية الديمقراطيين.

ولم يمض وقت طويل حتى تحقق الحدس. فقد حانت ساعة الصدع بالنوايا المخبأة لدى البارزاني، فكانت حملته الاستفتائية الأخيرة، وإصرارُه على الانفصال بدعوى غدر حلفائه الأسلاميين به، ليعلن شهادة وفاة العقد الفيدرالي الذي فصَّلوا بنودَه وأحكامه على مقاس أغراضهم الحزبية والشخصية المرحلية العابرة، وليفاجيء المنطقة كلها بخلطة أوراق جهنمية مخيفة، وليضع الشعبين الكردي والعراقي في مأزق لا خروج منه إلا بموت جحا أو القاضي أو الحمار.

مع احتمال اشتعال الاقتتال بين الحلفاء، هذا باسم حق تقرير المصير للشعب الكردي، وذاك بذريعة الدفاع عن وحدة الوطن وعن الدستور. والحقيقة البينة أن كليهما غيرُ صادق. فلا الأسرة البارزانية أخلصت للكرد وأنصفت وحمت حرياتهم وأرزاقهم، ولا أحبة قاسم سليماني احترموا وطنا وسيادة وكرامة، ولا عدلوا مع شعبٍ يغلي غضبا عليهم كل يوم.

وحين قالت الغالبية العظمى من الكرد العراقيين نعم في الاستفتاء، فذلك لكي تثبت أنها ليست أقل إيمانا من مسعود البارزاني بحقها القومي المشروع في الاستقلال. ولكن كثيرين صوتوا لحلم الدولة المستقلة وليس للانفصال، على الأقل في المدى المنظور. ويعللون ذلك بأن قيام دولة كردية صغيرة في شمال العراق، على رغم أنف العراق، ومعاداة دول الجوار الأخرى، وفي ظل الرفض الدولي، وبالتأييد الإسرائيلي، يعني حرائق لا تنتهي ليس لها داعٍ ولا مبرر.

وأخيرا

تُرى كيف كان العراق سيكون لو تبنى الذين تصدروا المعارضة الأميركية الإيرانية السورية ذلك المقترح، وأخصلوا فيه؟

ولكن فاقد الشيء لا يعطيه. فمن منهم لم يكن يريد أن يصبح من أصحاب المال والجاه والميليشيا؟ وكم منهم كان سيرضى بانتخابات نزيهة ليس فيها تزوير، ولا ترهيب، ولا بيع ولا شراء؟

 

إبراهيم الزبيدي

 
إبراهيم الزبيدي
 
أرشيف الكاتب
شهادة وفاة العقد 'الفيدرالي' المغشوش
2017-10-12
حروب العنصريين القديمة الجديدة في المنطقة
2017-09-26
لا مسعود ولا خصومه
2017-09-15
إذهبوا فأنتم الطلقاء
2017-09-08
مراوغات ومناورات ومغالطات
2017-09-05
إيران وتركيا ومَن بينهما
2017-08-22
الخميني في الموصل وتكريت
2017-07-17
العراق إيراني
2017-07-11
كردستان وهواية مصارعة الثيران
2017-06-27
حيدر العبادي وسياسة 'ما يطلبه المستمعون'
2017-06-20
المزيد

 
>>