First Published: 2017-10-14

أماني أبو رحمة تحلل أفكار فوكو عن السياسات الحياتية وتجلياتها

 

الباحثة الفلسطينية ترى أن علوم الجينوم لم تكن حاضرة حين قدم فوكو مفهوم السياسات الحياتية في الربع الأول من القرن العشرين.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

منح القارئ فرصة

تسعى الباحثة الفلسطينية د.أماني أبو رحمة في كتابها "أبعد من فوكو السياسات الحياتية في عصر الجينوم" إلى تفاهمات بشأن قضية الحضور البارز للسياسات الحياتية في الأنطولوجيات المعاصرة لعالم اليوم، وذلك من خلال قراءة في أفكار ميشيل فوكو وتجلياتها على أفكار عدد من المفكرين الغربيين مثل جورجيو أغامبين وجاك دريدا روبرتو اسبوزيتو وأنطونيو نيغري ومايكل هارت وديفيد هارفي، مؤكدة أنه لا مرجعية واضحة يمكن أن تحتوي السياسات الحياتية اليوم: لا منظور من شأنه أن يسمح لنا بمسح وقياس الخيوط التي تشكل مجتمعة المحيط النظري للمفهوم. ولكن هذا يعني أيضا، أن ما بدا أنه عملية ستتواصل ـــ مناقشات بلا حدود واضحة عن السياسات الحياتية ــ هو الآن شيء آخر: فرصة جديدة للتفكير وإعادة النظر في جملة مفاهيم تقاطعت أو اندمجت أو استبعدت أو استحدثت، وأعادت تلك المناقشات بعثها من جديد. إنها فرصة لتحرير أنفسنا من أية خريطة موحدة توجه المراكب التي تمخر عباب بحار السياسات الحياتية التاريخية والتجريبية والفينومينولوجية والوجودية وما بعد الحداثية وما بعد الماركسية أو ما بعد الإنسان، على حد سواء.

وقالت في مقدمتها للكتاب الصادر عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر إن ما بدا للبعض أنه مفهوم لقيط أصبح الآن يستفز فينا استجابات مختلفة: دعوة للإبداع، ونداء لطرح أسئلة صريحة من ذلك النوع الذي يتحرج المرء أو يخاف من طرحه، واحتفاء بجلب منهجيات وممارسات ومفاتيح تفسيرية إلى الحلبة الجديدة وذلك للإشارة، مع كل المحاذير اللازمة، إلى موضعنا الحالي بالنسبة لها. ومع وضع كل هذا في عين الاعتبار، فليس كل ما كتب تحت مظلة السياسات الحياتية متشابها. ليس هناك ما هو متفق عليه. لا ماضٍ ولا حاضر ولا مستقبل. حتى إن المفهوم قد يبدو أحيانا غير ذي صله بمحتوى التنظير، كأنه أُقحم اقحاما. لا اتفاق على حدود المفهوم أو تحديداته ومفارقاته وقيمته النظرية المتزايدة، ولا انعطافاته وطيَّاته وتحول ملامحه من عصر إلى عصر عبر قرون وعقود. وقد نلاحظ أيضا أن الكتاب عمدوا إلى المسرحة في عرض نظرياتهم كوسيلة للتعبير عن نوع من المأزق المتضمن في تقاطع، أو ربما الدمج المتبادل، للحياة والسياسة بوصفهما المفهومين اللذين يشكلان معا السياسات الحياتية. مَشْكلة هذا التقاطع هي مهمة الخروج بنظرية عما يعنيه تقاطع مفهومي "الحياة" و"السياسة".

وأضافت أنه ليس من الصعب أن نفهم أسباب هذه المركزية. فالكثير من الأزمات التي تفرض نفسها بقوة على حاضرنا تدور في فلك هذين المحورين كما يقول كامبل وسيتز. اليوم، على سبيل المثال، نشهد عودة للقلق النيومالتوسي المتعلق بالزيادة السكانية وارتفاع معدل المواليد في المناطق "المتخلفة" والذي يدفع بمقدرات الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية إلى الاضمحلال. كما أننا نشارك في النقاشات الجارية حول الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي وسن التقاعد والاجهاض والهجرة التي تتفاقم بحدة ومرارة جعلت بعض البلدان تلجأ إلى العنف وتسببت في انهيارات متلاحقة للمؤسسات والقيم والأعراف التي طالما تباهت بها دول بعينها.

كما أننا مشاركون في النضال ضد التوزيع غير العادل للأدوية والعلاجات الأساسية والتكنولوجيات الطبية والتي تتجلى في انتشار الإيدز الذي أصبح وباء أو كاد. هذا فضلا عن التحولات المستمرة في أوجه "الحرب على الإرهاب" (أو كما يطلق عليه الآن "عمليات الطوارئ في الخارج") والتي تتراوح تكتيكات الأمن فيها من ضربات الطائرات بدون طيار، إلى التنميط العنصري، إلى حكومات تصنِّف شعوبها عرقيا أو دينيا أو مذهبيا أو سياسيا وتقتل بعضهم بلا هوادة متيقنة أن التصنيف سيحميها من المساءلة، إلى تطبيع المساحات الاستثنائية القانونية مثل الاعتقال إلى أجل غير مسمى في غوانتانامو وغيره، إلى مراقبة واسعة النطاق لجميع وسائل الإتصال الإلكترونية. ونكتشف أيضا الانتشار العالمي لتجارة الأعضاء البشرية، حيث تقتطع أجزاء من أجساد الفقراء في المناطق الفقيرة من الأرض وهم أحياء، وتنقل وتزرع في أجساد الأغنياء. هذا كله ونحن نختبر التنمية التكنولوجية الجديدة التي تستنفذ إمكانات مبتكرة حد القطيعة مع حقوق الملكية الفكرية التقليدية، ناهيك عن تقاليد طويلة الأمد من الأخلاقيات والآداب العامة، منتجة ليس فقط ما يبدو أنه احتمالات غير مسبوقة لنمط جديد من الاقتصاد السياسي "المشاعات أو المشتركات " التي ليست خاصة صرفة ولا عامة صرفة، ولكن أيضا الأمل بالعودة المضاعفة لأوهام الخلود القديمة .

وأوضحت أبو رحمة أن بدايات تحليل فوكو للسياسات الحياتية كانت في فقرة قصيرة، ليست أكثر من ملحق، تحت عنوان مشئوم بما فيه الكفاية "حق الموت والسلطة على الحياة"، الذي يشكِّل الجزء الأخير من كتابه (تاريخ الجنسانية) الصادر بالفرنسية عام 1976 . وقالت "لم يكن بمقدور أحد أن يخمِّن آنذاك أن هذا النص القصير سيطلق كل هذه المقالات والكتب بل إنه سيدشن تخصصات علمية دقيقة في يوم ما.

فما جذب اهتمام العلماء والقراء عندما ظهر النص باللغة الإنجليزية في الفصل الثالث من المجلد الأول من تاريخ الجنسانية هو فكرة فوكو عن أن الجنسانية كانت مشكلة عند الفكتوريين، الاكتشاف الصدمة في حينه، والذي يبدو اليوم مستهجنا ولا يستحق ما حظي به من حفاوة ونقاشات. أما القضية اللافتة الأخرى فكانت الآثار المترتبة على مفهوم فوكو للسلطة عند الفرويدية والماركسية . بدت الفقرة الختامية عن السياسات الحياتية، على النقيض من ذلك، ناتئة إن لم تكن شاذة: لا علاقة لها بالصفحات السابقة، كما أنها تبدو منفصلة عن المجلدين الآخرين عن تاريخ الجنسانية اللذين نشرهما فوكو قبل وفاته في عام 1984. ونتيجة لذلك، على ما يبدو، استقبلت تصريحات فوكو القصيرة عن السياسات الحياتية بطريقة عرضية تحولت إلى تجاهل تام في لحظة أصبحت فيها أعمال فوكو خلاف ذلك بالغة التأثير في تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية.

ولفتت إلى أنه مع مرور الوقت، استقطبت تلك الصفحات المنسية من تاريخ الجنسانية مزيدا من الاهتمام. في وقت مبكر جدا، لعبت القراءات النسوية لسياسات فوكو الحياتية، سيما مقالة دونا هاراواي عام 1989 عن (الأجساد ما بعد الحداثية) ، دورا مهما في دفع السياسات الحياتية إلى الأمام لتكون فئة مركزية فيما بعد الحداثة. ينطبق ذلك أيضا على القراءات التي وضعها/ تها: إتيان باليبار، وبول غيلروي، وأغنيس هيلر، وآن لورا ستولر.إذ أثار كل منهن/ هم، وإن بطريقة مختلفة، المصطلح في التسعينيات بوصفه أُفقا حاسما في دراسة سياسات العرق.

وأكدت أبو رحمة أن الهدف من هذا الكتاب هو منح القارئ فرصة أن يُكّون استجابة مختلفة عن الانعطافة السياسية الحياتية. هناك طريقة أصعب ولكنها مجزية وتستحق العناء للتفكير في مطالب العالم حيث يعاود اشتباك الحياة والسياسة الظهور بوصفه الباطن الأعمق لكل أزمة جديدة. فبدلا من السياسات الحياتية الإيجابية بوصفها الأحدث والأكثر وضوحا في الاستجابة للأزمات، أو الرفض المتسرع للسياسات الحياتية لأنها ليست أكثر من بدعة أكاديمية، أو حشر السياسات الحياتية قسرا في أجندات بحثية تاريخية وتجريبية لأجل الدفاع عنها، بدلاً من ذلك كله، فإن الأجدى أن نعيد قراءة النصوص التي أصبح تأويلها اليوم ساحة اشتباك التأويلات المختلفة قدر اختلاف اللغات والأماكن التي جاء منها المنظِّرون مما ولد ما يشبه الباراديم السياسي الحياتي.

هذه القراءة لن تدعي كما فعل أغلب المتنازعين أن هناك مفهوما متماسكا (السياسات الحياتية) يمكن استخلاصه من (تاريخ الجنسانية) كشرط مسبق للتأكيد أو الرفض أو التطبيق. لن نفترض أن اشارات فوكو المختصرة عن السياسات الحياتية/ سواء في كتابه القصير عام 1976 أو في محاضراته التالية في كولج دو فرانس، يمكن أن تفسر بوصفها فكرا متسقا شفافا ومنجزا.

ورأت أن علوم الجينوم لم تكن حاضرة حين قدم فوكو مفهوم السياسات الحياتية في الربع الأول من القرن العشرين، ولكن فكرته أن مركب السلطة/ المعرفة سيركز بشكل متصاعد على مادة الحياة ذاتها كان دقيقا جدا. صمم فوكو السلطة الحياتية من حيث إنها " ما يجلب الحياة وآلياتها إلى عالم الحسابات الصريحة، ويجعل المعرفة / السلطة عاملا فاعلا في تحويل حياة البشر". تلفت هذه الصياغة العبقرية أنظارنا إلى الممارسات العادية والمألوفة ذات العلاقة بالجسد، كما تفتح بوابات تحليل المعرفة حول الجسد ـ خصوصا العلوم البيولوجية التي تركز على المسائل الجوهرية للحياة ـ على مصراعيها أمام رسم السياسات وتدخل الاستراتيجيات.فالسلطة لا تنشأ ببساطة من خلال المؤسسات الاجتماعية والسياسية، يقول، كما أنها لا تعمل عن طريق الإكراه فقط. إنها تعمل من خلال الجسد وتحيط به، الجسد الذي يكون في الوقت نفسه متورطا في المجال السياسي بشكل مباشر حيث لعلاقات السلطة قبضة مباشرة عليه، بمعنى أنها" تستثمر فيه أو تستثمره وتُعلم عليه وتدربه وتعذبه وتجبره على تنفيذ المهام وأداء المراسم وإطلاق العلامات".

وقالت أبو رحمة هكذا حوَّل فوكو السلطة إلى جسد. ولأنه لا يرى السلطة سيادية أو وحدوية أو مركزية، أصبح من السهل إدراك أنها تمارس ببراعة من قبل وكلاء واضحين. لقد أصبحت السلطة راسخة في كل مكان من الجسد الصحي والاجتماعي الذي شكَّل ـــ منذ القرن الثامن عشرـــ جسدنا الاجتماعي أو ثقافتنا المرتكزة على الجسد، وما زال. ومن هنا جاء توظيف فوكو للسلطة الحياتية (مصاحبا للسياسات الحياتية) للإشارة إلى عمليات إنتاج المعرفة التي من خلالها تقوم الممارسات المؤسسية بتحديد وقياس وتصنيف وبناء وتشكيل كل تجربة ومعنى وفكر، جسديا. ولهذا كان فوكو حاضرا في عصر ما قبل السياسات الحياتية، ثم عصر السياسات الحياتية، حتى "عتبة الحداثة، وما بعدها، وصولا إلى عصر الجينوم والابيجينوم أو ما فوق الجينوم، بفضل مركب (المعرفة / السلطة) الشهير. و سواء كنا ننظر أو لا ننظر إلى الرجل فى ضوء ما تقدم، فالمؤكد أنه لا عودة عن الرؤى التي طرحها بخصوص إعادة التفكير في الماضي من الحاضر وفي الحاضر من الماضي على السواء. وهو ما يحاول هذا الكتاب أن يقدمه.

وأشارت إلى إن مفهوم السياسات الحياتية يركز اهتمامنا على ثلاثة عناصر رئيسية هي على المحك في أي تحول: معرفة سيرورات وتحولات الحياة الحياتية، وعلاقات السلطة التي تأخذ البشر بوصفهم كائنات حية هدفا لها، وطرق الإخضاع التي من خلالها يعمل البشر على أنفسهم بوصفهم كائنات حية.

ولفتت إلى أن تدفقات المعرفة والخلايا والأنسجة والملكية الفكرية في الاقتصاد السياسي الجديد للحياة تقترن مع الإنجازات المحلية وتنظم من قبل المؤسسات الدولية. وتعمل حشود الأشخاص والأنسجة والأعضاء ومسببات الأمراض والعلاجات بسرعات مختلفة وتواجه العقبات والتحريض المحلي. الإخضاعات أيضا الشخصية و العامة متحركة وعابرة للحدود: تخترق مجموعات مرض التليف الكيسي حدود الأمة والطبقة كما يفعل من يقدم لهم الرعاية. ويتم نشر نماذج نشاط المريض ورفعها وإعادة تفسيرها من بنغلاديش إلى تورونتو. هل كان بإمكان منظمة الصحة العالمية في عام 1955، أن تصور الناس المكتئبين بوصفهم فئة عالمية، ليس من حيث كونهم مستهدفين فحسب، ولكن أيضا كأشخاص فاعلين كما هو الحال في السياسات الحياتية الجديدة للصحة العقلية؟

في قراءة أخرى لاقتصاديات السياسات الحياتية المعاصرة تقول ميليندا كوبر في كتابها (الحياة بوصفها فائضا): "إن الثورة التكنولوجية الحياتية.. هي نتيجة لسلسلة كاملة من التدابير التشريعية والتنظيمية المصممة لإعادة موضعة الإنتاج الاقتصادي على المستوى الجيني أو الجرثومي أو الخليوي، بحيث تصبح الحياة، حرفيا، ضمن العمليات الرأسمالية للتراكم.. لقد وضعت الحياة للعمل على المستوى الخليوي"... وإن" كل فضاء التناسل سيصبح متاحا لأن يكون سلعة محتملة.. ".

وخلصت أبو رحمة إلى أنه إذا كنا في لحظة نشوء سياسات حياتية، فان الاحتفال أو الانسحاب غير كاف كنهج تحليلي. من المؤكد أن مفهوم السياسات الحياتية إذا ما وظِّف بطريقة دقيقة تتعلق بالتحقيقات التجريبية وتخضع لتنمية إبداعية، سيأخد مكانه كجزء أساسي في مجموعة أدوات تحليلية كافية لتشخيص ما أطلق عليه جيل دولوز ذات مرة "المستقبل القريب".

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
أوروبيون يقرأون حضور عرب وعثمانيين في الأدب الأوروبي
2017-12-10
قراصنة المتوسط: تاريخ الأوروبيين في المنطقة مصدر مهم لسياساتهم المعاصرة
2017-12-09
في رواية 'حياة' .. الحياة أكثر تعقيداً من الموت
2017-12-08
أحمد السيد النجار: هناك تناقض موضوعي بين قوة الاقتصاد الصيني ودوره العالمي فعليا
2017-12-06
لور كاتسارو: عزوبية الفنان الحداثي الملاذ الوحيد المضاد لفكرة المستقبل
2017-12-04
يمنى طريف الخولي: هل يفترض التحرر من الموروث للبحث عن موروث آخر؟
2017-12-03
مهند النداوي يحذر: إسرائيل تعمل إلى إقامة دولتها العظمى في المنطقة العربية - النيلية
2017-12-01
خبير صيني يؤكد أن الإصلاحات الكبرى ساعدت على رفع مستوى معيشة الشعب
2017-11-30
باحث يمني يرصد دينامية التحولات البنيوية ومستوياتها في حركة التنوير الأوروبية
2017-11-28
دارة الفنون تحتفي بأول مصوّرة عربيّة فلسطينيّة
2017-11-27
المزيد

 
>>