First Published: 2017-10-16

دعوا الشعوب تبني دولها

 

صنعت دولنا من دون مواطنين، ولما استفاق المواطنون من تخدير العقائد وكسروا عقدة الخوف من الأنظمة، وقرروا صناعة وطن، اكتشفوا أكثر من وطن في دولة واحدة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: سجعان القزي

لا توجد في العالم العربي دول قومية عصية على إعادة النظر بوحدتها. كل مكون هو، بحد ذاته، قومية دينية وإتنية ولغوية وتاريخية وثقافية. وإذا كانت القومية معيار إنشاء الدول الحالية في الشرق الأوسط، فلا دولة تطابق المواصفات لأن في كل واحدة فائض قوميات. وبالتالي، جميعها منذرة بالمطلق للتقسيم والتفتيت.

وخلافا لما يظن العقائديون، لن يكون البديل عن هذه الكيانات دولة قومية عربية أو إسلامية واحدة، بل مجموعة دول عصبية صغيرة، أفقها القبيلة وطموحها العشيرة وحضارتها اللهجة الحىكية وثقافتها العادات الخاصة وعزتها شعور بالذاتية. وهذا أصلا نمط حكم الدول الكبيرة في محيطنا. فبعدما كنا "من المحيط إلى الخليج"، أصبحنا "من المجرى إلى الساقية". هذا زمن المجاري والسقائين، فزمن الأحلام مات مضرجا بالنفط في مكان، وبالدماء في مكان آخر. واعتكف الشرق عن إنجاب أحلام جديدة خشية وأدها.

لو كان التمايز في الشرق بين المسلمين واليهود أو بين المسلمين والمسيحيين فقط، لهان الأمر، لكنه تمايز بين المكونات المسلمة (شيعي/سني، عراقي/كردي، سني/علوي، عربي/حوثي، خليجي/مشرقي، عربي/فارسي، إلخ.). وبالتالي، أنى لـ"دولة الأمة" أن تقوم طالما عمودها الفقري (الإسلام) مبعثر خرزا خرزا.

لذلك، إذا كانت مكونات هذه الدول مصممة جديا على صون الكيانات القائمة بمنأى عن المعايير القومية التقليدية، فما عليها إلا الاعتراف بدولة القانون كإطار دستوري يرعى انتظام الحياة العامة، وممارسة نمط حياة اجتماعي ذي مستوى حضاري بحيث تتكامل المكونات المختلفة ولو لم تتماثل. أما إذا احتقرنا دولة القانون واتبعنا أنماط حياة متناقضة (دخل لبنان في مدارها)، فلا يبقى بغياب الوحدة القومية أي عنصر موحد سوى حكم ديكتاتوري. وهذا ما حدث في دول العالم العربي، إذ ما إن تهاوت الأنظمة الديكتاتورية مرحليا حتى بانت الشهيات الانفصالية.

وحدها دولة القانون، مسندة إلى مجتمع متناسق، قادرة على حماية الكيانات وضمان رغبة جماعات مختلفة القوميات في العيش معا. غير أن دولة القانون تحتاج مواطنين يحترمون القوانين ويتآلفون معها ويحتكمون إليها كمرجعية للحق والعدالة. إن القانون هو حاجة قبل أن يكون أمرا تفرضه الدولة على الناس. فلا دولة قانون من دون "مواطنين قانونيين". وهؤلاء مخلوقات نادرة في مجتمعاتنا الشرقية حيث كل قانون يحتاج خطة عسكرية لتطبيقه.

في غياب القومية الواحدة ودولة القانون ونمط حياة متجانس، طبيعي أن تظل دولنا، بل شعوبنا في حيرة وجودية. والحيرة تولد الضياع، والضياع يولد الانحراف، والانحراف يولد العنف، والعنف هو قدر مجتمعاتنا حيث المواجهة بين عنف الدولة وعنف الجماعة. جدلية العنف تقتل الكيان والحضارة والثقافة والحياة المشتركة.

وما يزيد الوضع تعقيدا، أن الأوطان الحالية نشأت من دون آلية ديمقراطية، فلم تخترها شعوبها بحرية بعد انتخابات أو استفتاءات حرة أو مزورة (أو ببطاقات ممغنطة). هذه أوطان خرجت من مؤتمرات دولية لا من صناديق الاقتراع، فجاء بعضها عادلا وبعضها الآخر ظالما، فتكيف المواطنون، على مضض، مع الأوطان القائمة عوض أن تتكيف الأوطان مع واقع المواطنين وخياراتهم. لذلك، تسعى جماعات شرقية وغربية، وقد ذاقت طعم الحرية وتذوقت معنى حق تقرير المصير، أن تعيد النظر في كيانات أوطانها ودولها، خصوصا أن الأنظمة المركزية همشت خصوصيات هذه الجماعات واضطهدتها وحاولت تذويبها في قوالب قومية وهمية وزائفة.

الجريمة ليست مطالبة الجماعات بحق تقرير المصير، بل الجريمة هي فشل الدول المتعددة المكونات في توحيد شعوبها حول قيم الحضارة والتقدم والإنماء والمساواة والعدالة بعد مرور نحو مئة سنة على نشوئها وبرغم امتلاكها الثروات الكافية، بل الفائضة، للقيام بهذه المهمة. عوض أن تتسابق الأنظمة الفاشلة والاستبدادية على تخوين الجماعات الباحثة عن أمنها وحريتها وخصوصيتها من خلال شكل دستوري آخر (فدرالية، كونفدرالية، حكم ذاتي، دولة مستقلة)، حري بها أن تقدم نموذجا ديمقراطيا مركزيا ناجحا. وإن من عقوبات، فأولى أن تفرض على الدول الطاغية لا على الجماعات المتحررة. العقوبات لا تحمي دولة ولا تمنع قيام دولة.

تبنى الدولة كما تبنى العائلة: بالمحبة الصادقة، بالولاء المتبادل، بالتوافق الحر، بالانسجام الطبيعي، بالإنجاب العقلاني، بالتكامل القيمي، وبالتضامن في السراء والضراء. أين نحن في لبنان والشرق من هذه الأسس؟ تكاد تكون كلها مفقودة ونعيش على نقيضها. صنعت دولنا من دون مواطنين، ولما استفاق المواطنون من تخدير العقائد وكسروا عقدة الخوف من الأنظمة، وقرروا صناعة وطن، اكتشفوا أكثر من وطن في دولة واحدة لأن الوعي الوطني ظل دون العصبية الدينية والمذهبية بغياب عدالة الدولة الكبيرة الواحدة.

إن الحكمة تقضي بأن تستفيد شعوب المنطقة من هذا الزلزال العسكري الذي أصاب دول المشرق وما رافقه من تهجير ونزوح وتغيير ديمغرافي، من أجل بناء دول على قياس مكوناتها الأساسية والتاريخية. أما إذا أعدنا ما كان كما كان، فإننا نؤسس لزلازل دورية جديدة لأن ألم الاضطهاد والإبادة أقوى من أي وحدة ملفقة. إن الكيانات الكبرى كانت كابوسا على أقليات الشرق وأكثرياته، ليس لأن الوحدة مشروع سيئ، بل لأن خصوصيات الشرق أكبر من عمومياته، وقومياته الصغيرة أمتن من قومياته الكبيرة.

في هذا السياق، إن الوطن اللبناني لم يقرره المواطنون المسيحيون أو المسلمون، بل "صنعته" نخبة لبنانية مسيحية/مسلمة بدعم فرنسي. ومع أن لبنان الكبير هو أو كان أكثر الدول تقدما ورقيا وصاحب الديمقراطية الوحيدة في العالم العربي، نجد اليوم، بعد مئة سنة، من يرفض اعتماد الأول من أيلول عيدا وطنيا. وإذ أشكر هؤلاء الرافضين لأنهم فضحوا مشاريعهم المضمرة وبرروا التفكير بالبدائل عن هذه الوحدة الفاشلة، ألفت إلى أن لا قيمة لأي عيد، لاسيما عيدي الاستقلال والتحرير، بغياب الإيمان بلبنان الكبير. فأي لبنان استقل، هل بلدة "بشامون" فقط؟ وأي لبنان تحرر، هل قرية "زوطر الغربية" فقط؟

 

سجعان القزي

نائب رئيس حزب الكتائب اللبنانية ووزير العمل

 
ط³ط¬ط¹ط§ظ† ط§ظ„ظ‚ط²ظٹ
 
أرشيف الكاتب
طھظٹظ„ط±ط³ظˆظ† ظٹطھط°ظƒط± ظƒظٹط³ظ†ط¬ط±
2018-02-19
ط­ط°ط§ط± ط³ظˆط، ط§ظ„طھظ‚ط¯ظٹط±
2018-02-12
طھط¬ط¯ظٹط¯ ط§ظ„ط¨ظٹط¹ط© ظپظٹ ظ„ط¨ظ†ط§ظ†
2018-02-05
ط§ظ„ظ†ط§ط³ ظ‡ظ… ط§ظ„طھظپط§ط¤ظ„ ظˆط§ظ„ط¯ظˆظ„ط© ظ‡ظٹ ط§ظ„طھط´ط§ط¤ظ…
2018-01-29
ط§ظ†طھط®ط§ط¨ ط§ظ„طھظ…ط¯ظٹط¯ ط¨ظ„ط¨ظ†ط§ظ† ظپظٹ ط؛ظٹط§ط¨ ط§ظ„طµظˆطھ ط§ظ„طھط؛ظٹظٹط±ظٹ
2018-01-22
ط¨ظٹط¦ط© ط؛ظٹط± ط­ط§ط¶ظ†ط© ظ„ظ„ط¯ظٹظ…ظ‚ط±ط§ط·ظٹط©
2018-01-15
ط§ظ„ط§ط³طھظ‚ط±ط§ط± ط§ظ„ظ„ط¨ظ†ط§ظ†ظٹ ط§ظ„ظ…ظپط®ط®
2018-01-09
2018 ط³ظ†ط© ظپظٹ ط³ظ†ط©
2018-01-03
ط£ظˆط±ط´ظ„ظٹظ… طھط±ط¬ظ… ط¨ط§ط¦ط¹ظ‡ط§*
2017-12-11
ظ…ظ† طھط³ظ„ظٹظ… ط³ظ„ط§ط­ ط­ط²ط¨ ط§ظ„ظ„ظ‡ ط¥ظ„ظ‰ ط§ظ„طھط³ظ„ظٹظ… ط¨ظ‡
2017-12-04
المزيد

 
>>