First Published: 2017-11-10

تفاصيل اللحظة القاهرية قبل دخول الترام وبعد أن أصبح حقيقة

 

ثورة الترام أثمرت اتساع حركة العمران، وافتتاح البنك الأهلي عام 1898، ونشاط الحركة التجارية، ونشأة المتاجر الأنيقة، وتشييد البنايات الفخمة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: سعد القرش

المرأة استطاعت ركوب الترام وحدها

يحدث أحيانا أن تدوم دلالة كلمة، محتفظة بقدرتها على الإيلام، بعد اختفاء المدلول. يكفي أن يوصف الآن رجل بأنه "عَرْبَجي" لإطلاق طاقة الغضب، واندلاع شجار، ربما يراق فيه دم، على الرغم من عدم إدراك المقصود بالسباب لمعنى العربجي، وربما يكون ابن مدينة لم ير في حياته أي "عربجي" ممن يقودون عربات خشبية في الريف وأحياء شعبية بالمدن.

وقد أورثنا الاحتلال التركي اللاحقة "جي" ببعض المهن والحرف لتحديد المنتسب إليها، فنقول "بوسطجي"، و"أمنجي" (على المتعاون مع أجهزة الأمن ويكتب وشايات وتقارير في زملائه ورؤسائه ومرؤوسيه)، و"بلطجي" (على من يستخدم البلطة في تقطيع الأشجار)، وكان البلطجية من وحدات المشاة في الجيش ثم تحولت الدلالة إلى من يمارس العنف بعيدا عن القانون وينتهج العدوان، وفي اليمن يسمون "بلاطجة"، وفي سوريا شبيحة.

الحداثة وحدها أنهت "دولة العربجية" في القاهرة، ووضعت حدا لاستبداد الحمّارين الذين احتكروا عملية نقل المواطنين بين أحياء المدينة. جرى ذلك عام 1896 حين شق الترام شوارع المدينة العجوز، فأحدث ثورة كبرى.

في كتاب "ترام القاهرة" يثبّت مؤلفه محمد سيد كيلاني اللحظة القاهرية قبل دخول الترام وبعد أن أصبح حقيقة. قبل هذا التاريخ كان مجتمع القاهرة يعتمد في التنقل على استخدام الحمير والخيل، في طرق غير ممهدة، غير مضاءة باستثناء الشوارع الكبرى. واحتكر أصحاب الحمير والعربات مهمة نقل الناس في مدينة لا رابط بين أحيائها، وكان الانتقال من مكان إلى آخر سفرا شاقا، "وإذا حدث فإنه يتم نهارا، ولأمر مهم. فعاش سكان كل حيّ في عزلة تكاد تكون تامة عن بقية الأحياء الأخرى.. فساكن العباسية مثلا لا يفكر في الذهاب إلى مصر القديمة إلا لأمر مهم، وقلما يفعل ذلك.

وكان التجار وأصحاب الحرف يتخذون محلاتهم في الحارات التي يسكنونها أو قريبا منها، ويحتاج التنقل إلى تهيئة نفسية، واتخاذ قرار تحت وطأة استبداد أصحاب الحمير والعربات، وتحكمهم في الناس، وما يوجهونه للجمهور من ألفاظ سافلة، وعبارات نابية، حتى أصبحت كلمة حمّار أو حوذي "عربجي" تعني سوء الأدب وانحطاط الأخلاق.

كانت للحمير مواقع محددة للإيواء والانتظار، أشهرها موقف - مرآب كما يسميه القاموس - لخدمة السياح والأجانب عند فندق شبرد القديم، بالقرب من حديقة الأزبكية قلب القاهرة النابض بالحركة والمجون. وللمؤلف كتاب شهير وسري أيضا عنوانه "في ربوع الأزبكية" صدر قبل نحو ستين عاما. والآن، في ظل نفاق ديني واجتماعي يدّعي الفضيلة، لا يتحمس الناشرون لإعادة طبع الكتاب؛ خشية الاتهام بخدش الحياء العام، لوجود ألفاظ وتعبيرات تذكّر القارئ بالطبعات الأصلية لألف ليلة وليلة، قبل هوس "التهذيب".

كان نوع العربة يحدد الطبقة الاجتماعية والمستوى الاقتصادي لمستخدميها، فلا تستوي الحمير والخيل، وكانت عربات الركوب التي تجرها الخيل للأغنياء، وقليل منها للتأجير لمتوسطي الحال، أما العربات العامة فتسير ببطء ولمسافات قصيرة.

ولم تتح الظروف الاقتصادية والاجتماعية القاسية فرصا لأبناء السواد الأعظم من الشعب للتعليم الذي تنطلق فلسفته من التفاعل بين معلمين وتلاميذ من أماكن مختلفة تجمعهم المدرسة، وكان الصبي الذي لا يجد مدرسة قريبة لا يتعلم، إلى أن ربط الترام أواصر المدينة، "فأحدث بظهوره ثورة هائلة في حياة المجتمع القاهري" الذي يضم 55597 بيتا، و379 مسجدا، و374838 نسمة، منهم 31650 من الأجانب.

قبل عصر الترام، تشكلت لجنة من ثلاثة مهندسين عام 1892، لوضع تصور لمشروع الصرف الصحي بالقاهرة، وسجلت في تقريرها أن تراجع التدابير الصحية أدى إلى زيادة معدلات الوفيات، إذ بلغ المتوسط السنوي للوفيات 4,61 بالمئة، في مقابل 1,74 بالمئة في لندن، وفي باريس 2,37 بالمئة، وفي مرسيليا 2,97 بالمئة، "مع أن الطبيعة قد خصتها (القاهرة) بإقليم يقرب أن يكون عديم المثل والنظير في الجودة". وقد طلبت الحكومة اعتماد 40 ألف جنيه من ميزانية عام 1894 كدفعة أولى لتنفيذ المشروع الذي رفضه مجلس الشورى، وتأجل المشروع حتى عام 1909، وانتهى في يناير/كانون الثاني 1914 وتكلف نحو مليوني جنيه.

في نوفمبر/تشرين الثاني 1894 صادقت الحكومة على منح شركة بلجيكية إنشاء ترام القاهرة، في ثمانية خطوط. وفي العاشرة من صباح أول أغسطس/آب 1896 أجريت "حفلة تجريبية" لتسيير الترام، وقد استقله حسين فخري باشا وزير الأشغال من العتبة إلى القلعة، واصطف الآلاف على الجانبين لمشاهدة أول مركبة تسير في العاصمة بقوة الكهرباء، وركض المئات من الأولاد وراءها، وهم يصرخون "العفريت، العفريت". أما الاحتفال الرسمي بتسيير الترام فكان في 12 أغسطس/آب، وأقامت الشركة زينة باهرة في ميدان العتبة وامتدت موائد الطعام والمرطبات.

أثمرت ثورة الترام اتساع حركة العمران، وافتتاح البنك الأهلي عام 1898، ونشاط الحركة التجارية، ونشأة المتاجر الأنيقة، وتشييد البنايات الفخمة، وانتعاش سوق الإعلانات في الصحف، وصعود الحركة العمالية والنقابية، والتواصل الاجتماعي الذي ساعد على تكوين رأي عام أصبح "له خطر وتأثيره على الجهات الحاكمة"، وازدهار النهضة الفنية بإنشاء المسارح والملاهي "في ربوع الأزبكية"، وسهر الشبان في الملاهي والمراقص، وضعفت رقابة الآباء على الأبناء الذين نشأوا "على غير مذهب آبائهم"، كما "استطاعت" المرأة ركوب الترام وحدها، إلا أنها صارت عرضة للتحرش، فتأخذها الرعدة "من هذه السفالة.. يركبون القطار ذهابا وجيئة، وليس لهم أرب سوى التهكم وإبداء سفالتهم لكل امرأة يجدونها في القطار وحدها". وينقل الكتاب عن صحيفة "المؤيد" عام 1900 أنهم "عثروا في يوم واحد على ثلاثة عشر لقيطا في جوانب القاهرة".

وفي إشارة دالة إلى خصام العقل والنقل، التقليد والتجديد، والاستجابة العكسية للترهيب، يقول المؤلف "مما ساعد على انتشار موجة الفساد أن خطباء المساجد أخذوا منذ بدء العصر الترامي يحذّرون الناس، وينذرونهم باقتراب موعد القيامة. فعكف كثيرون على الشهوات ليمتعوا أنفسهم قبل أن يدركهم الموت". ونشرت صحيفة "اللواء" عام 1904 أن وعيد خطباء المساجد بالنار أمات النفوس، "وانقطع منها الأمل فيما يوصل للسعادة من عمل. وخشيت الحرمان في دنياها مما قنطت به في آخرتها، فاسترسلت في شهواتها خوف الغبن في الصفقتين".

محمد سيد كيلاني (1912 - 1998) لم يتزوج، عاش راهبا عاكفا على تحقيق كتب تراثية، وتأليف كتب أصبحت وثيقة على فترات من التاريخ، ومنها "الغزو الإيطالي على ليبيا والمقلات التي كتبت في الصحف المصرية ما بين 1911 و1917"، و"الأدب المصري في ظل الحكم العثماني"، و"الأدب القبطي قديما وحديثا"، و"طه حسين الشاعر الكاتب"، و"السلطان حسين كامل.. فترة مظلمة في تاريخ مصر 1914 - 1917".

 

سعد القرش

روائي مصري

saadelqersh@hotmail.com

 
سعد القرش
 
أرشيف الكاتب
تفاصيل اللحظة القاهرية قبل دخول الترام وبعد أن أصبح حقيقة
2017-11-10
من حكايات الكتب المصادرة
2017-11-06
'السادة الرئيس القرد' عندما تكون الرواية عنوانا لا غير
2017-06-21
المزيد

 
>>