First Published: 2017-11-12

السعودية الجديدة

 

من المهم أن تفضح الفاسدين وتحاسبهم، لكن الأهم أن تقطع الطريق الذي قاد إلى تغولهم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

الخطوة الكبيرة التي اتخذتها القيادة السعودية لمكافحة الفساد، تنطوي على مضامين وعبر ودروس كثيرة، أهمها أن طريق التقدم الحقيقي يبدأ من هنا، والنجاح أو الاخفاق يؤكد مدى جدية الدولة في شق طريقها نحو المستقبل.

بصرف النظر عن أسماء الأمراء والوزراء والمسؤولين ورجال الأعمال الذين وجهت لهم تهم الفساد، فالحصيلة والدلالة والرسالة التي تحملها الخطوة هي وجود روح وعزيمة وتحدي ورؤية إستراتيجية تريد أن تنقل المملكة إلى مرحلة جديدة تتواءم مع الترتيبات التي جرى إعلانها بشأن الخطة المعروفة بـ 2030 وتفتح المجال لدولة عفية تمتلك مقومات الحياة على أسس تتجاوز الأنماط التقليدية، في الحكم والإدارة والتوجهات السياسية والاقتصادية والثقافية.

مع كل الفوارق النسبية في البيئة المحلية، غير أن الرئيس عبدالفتاح السيسي بدأ مبكرا خطوات حازمة وصارمة في فضاء مكافحة الفساد، وجرى الإعلان عن قضايا كثيرة وعلى مستويات مختلفة وطالت رؤوسا كبيرة وصغيرة، ولا تزال هناك آمال كبيرة تعول على هذه الحرب بما يتماشى مع الرؤية التي تريد نقل البلاد لمرحلة حافلة بالتنمية الاقتصادية.

نجاح المشروعات التنموية الكبيرة في مصر والسعودية له علاقة وثيقة بالحد من الفساد المستشري منذ عقود طويلة، ودون تمييز بين أصحابه ومن يقفون خلفه، فمن أهم الخطوات اللازمة لتعزيز دولة المؤسسات، المحاسبة وتطبيق القانون والشفافية ومنح الفرصة كاملة للشباب، كما أن مقياس التطور مرتبط بالقدرة على مواجهة الفاسدين ومعاقبتهم، وهو ما يحظى بدرجة عالية من القبول في وجدان وعقول المواطنين.

المؤشرات الراهنة للخطوة السعودية تؤكد استحسانها لدى فئة عريضة من المواطنين، فهناك علاقة طردية بين الثقة في القيادة ومكافحة الفساد، ويعتبر الطرق بقوة على هذا الباب من الضمانات الضرورية لزيادة الشعبية السياسية، والتي تتضاعف كلما كانت الحرب جدية وتتجاوز الجوانب الاستعراضية، وتطول أسماء ضخمة كان من الصعوبة التفكير فيها من قبل.

الفوارق الطبقية موجودة في كل المجتمعات، لكن محاولات تذويبها وتخفيف حدتها وتخفيض مستوى تأثيراتها السلبية وكسر شوكة التطور المجتمعي الفجائي علامة أساسية على العدالة، كما أن المساواة بين المواطنين من أركان التقدم، وهي من المداخل المحورية لعلاج الكثير من الأمراض الاقتصادية والتشوهات الاجتماعية.

بالطبع هناك حسابات دقيقة تفرض اختيار التوقيت المناسب لخوض حرب واسعة ضد الفساد، وفي الحالة السعودية الملامح لم تكن خافية على المتابعين للتطورات المتسارعة، وأن ثمة طبقة سياسية تصعد ويتعزز نفوذها، ولديها رؤية تريد تطبيقها لإحداث نقلة كبيرة في المجتمع، بدأت مع افساح المجال للشباب وتنويع مصادر الدخل ومحاربة التكلس الاجتماعي ومنح المرأة جانبا من حقوقها الغائبة والحد من الدور الواسع والمبالغ فيه للمؤسسة الدينية.

الاستحسان الذي حظيت به هذه الخطوات شجع القيادة السعودية الجديدة على دخول المرحلة الوعرة المتعلقة بمكافحة الفساد وهدم القواعد التي يستند عليها وتغيير الصورة النمطية، وهو طريق تمشي فيه دوما الأمم الساعية للتحضر.

من المهم أن تفضح الفاسدين وتحاسبهم، لكن الأهم أن تقطع الطريق على تغولهم، وتسد المنافذ التي يتدحرج منها هؤلاء، وهي الحرب الحقيقية التي يؤدي استكمالها والوصول لغاياتها إلى الحصول على نتائج جيدة، للنظام الحاكم والمواطنين ومستقبلهما.

علامات القبول التي صاحبت الخطوة السعودية، في الداخل والخارج، تبدو مؤشرا كافيا على أن هذه الحرب لها أبعاد ومكونات معقدة وتتجاوز الحدود الاقتصادية الظاهرة، لأن الفاسدين، من رجال المال والأعمال والمسؤولين، فطنوا إلى أهمية امتلاك غطاء سياسي وإعلامي، لضمان الحفاظ على مصالحهم.

وهي الشبكة المريبة التي تعاظمت خلال السنوات الماضية في السعودية، فما معنى أن يتم اتهام ثلاثة بالفساد من أكبر رجال الأعمال في المملكة يملكون قنوات فضائية ولهم امتدادات خارجية؟ وما معنى حرص رجال أعمال على امتلاك محطات تليفزيونية أصلا؟ وما هي النتيجة التي وصلنا إليها بعد نجاح هؤلاء في استقطاب كتيبة من الإعلاميين؟

النموذج السعودي لمكافحة الفساد، أثبت فشل فكرة الاستقواء بالخارج، وعدم صحة أن المشروعات العابرة للقارات والعلاقات التي تربط أصحابها برؤساء ومسؤولين كبار في دول أخرى تمثل عاصما لهم وأداة مضمونة لمنع الاقتراب منهم.

ما قامت به المملكة في هذا الاتجاه يدحض هذه النوعية من الأكاذيب، ولعلها عبرة للدول التي تتردد في الاقتراب من حملة الجنسيات الأجنبية والشخصيات التي تدعي صلتها بدوائر صنع القرار في دول أخرى، أو تزعم أن محاسبتها على ما ارتكبته في سنوات سابقة يمكن أن تكون له تداعيات اقتصادية غامضة.

روافد البصمات القاتمة التي أحدثها التحالف الثلاثي (المال والسياسة والإعلام) في المجتمع السعودي، تجاوزت المكاسب التي يحصل عليها أصحاب وأنصار هذا الفريق، وأرخت بظلال سيئة على كثير من طبقات المجتمع، وجلب تضخم هؤلاء مشكلات عديدة، تتحمل جزءا منها القيادة الحاكمة، لأنها الجهة المنوط بها محاسبة جميع أوجه الفساد، وإذا أرادت أن تهيء البلاد لنقلة حضارية وتعزيز الثقة الدولية عليها تفكيك عناصر هذا التحالف، وحلقته القوية المتمثلة في شيوع الفساد.

اصطياد الحيتان الكبيرة للفساد يمنح الحكومة، أي حكومة، مزايا كثيرة، قوة وعزيمة وإرادة ومصداقية وشعبية، ومن يتمعن في نسبة الرضاء التي تصاحب قضايا الفساد المتهم فيها شخصيات رفيعة، يدرك الأهمية السياسية التي تحملها عملية استمرار المطاردة، ويعي أن المكاسب التي تأتي من ورائها تفوق الخسائر التي تتكبدها حال كشف وتعرية وفضح كل حوت تضخمت ثروته على حساب المجمتع.

مكافحة الفساد في السعودية، ليست محاولة لدغدغة مشاعر المواطنين وكسب تعاطفهم، بل هي منهج أصبح من المكونات التي تستمد منها القيادة الشابة قوتها، بالتالي فالمكافحة وتوسيع نطاق المطاردة وإعلاء قيم المحاسبة، تندرج ضمن الخطة التي تعبر بها الدولة لتحقيق طموحاتها الإستراتيجية، لأنها تتماشى مع مقتضيات العصر، فلم يعد ممكنا السكوت على الصفقات والتحالفات المشبوهة، في عالم أصبحت غالبية تفاصيله معروفة ومنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

محمد أبو الفضل

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

يتولد الفساد من بنية النظام الفكري المتداول . القيم تتحول إلى رمم في مفهوم الغرائز العميقة للإنسان. الشجاعة خارج نطاق المساءلة تتجلى بمظاهر الفساد . المشكلة ان حماة القيم والقانون الدولي يعجبون بالحرباء ، وينافسونها على ملابسها.( الفساد قوة).

2017-11-13

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
عندما تأكل الأفاعي بعضها
2017-12-07
الخرطوم.. غزل ومكايدات سياسية
2017-11-30
الفرار من الحرب في لبنان
2017-11-23
السعودية الجديدة
2017-11-12
البعد الغائب لحل الأزمة الليبية
2017-11-02
في معنى ترميم الدولة العراقية
2017-10-26
الرسالة الخاطئة للإرهابيين
2017-10-19
أخطر من الدفاع عن مصر
2017-10-12
نمر فلسطين أم نمور إسرائيل؟
2017-10-05
مصير الأكراد وجنوب السودان
2017-09-28
المزيد

 
>>