First Published: 2017-11-14

الفن التونسي المعاصر في عباءة 'الثورة الناعمة'

 

إشكالات التعبير التشكيلي لم تنفلت من سطوة التحولات الجذرية في المجتمع التونسي بعد الثورة، ومشروع 'تحت الشمس' يهدف الى تنمية الطابع الفني لمحافظة قفصة.

 

ميدل ايست أونلاين

ترجمة إبداعية تنبع من رحم المواقف والاحداث

تزخر الساحة الفنية العربية الراهنة بعدة تماثلات وتفاعلات جمالية ومشهدية وفق دلالات البناء التشكيلي المعاصر، هذا المعاصر الذي انسحبت تسميته على اغلب التجارب الإبداعية، والذي أصبح مدارا للمعالجة المشهدية في اغلب الدول العربية ومنها التجربة التشكيلية بتونس.

لم يهدا الحراك التفاعلي التصويري والتعبيري في ساحة الفنون المحلية، ولم يبخل المبدع التونسي في رسمه لواقع فني مرئي فيه ادراج لمفهوم الفن المعاصر حسب التحولات الثقافية ودلالة الإشكالات البصرية الراهنة العابرة للخصوصية نحو تشاركية عالمية في رحاب الفن وعصرنته. وفي خضم هذه التحركات القابعة في مدار البحث وإعادة البحث في تعبيرات متجددة للفنون فإننا نقرا اليات البناء التشكيلي ومراوحته بين الثابت والمتحول، لبناء نسيج مفاهيمي للفن المعاصر الراهن. فبم يتقوم هذا الفن الجديد؟ وبم يتسم في التجارب التونسية؟ الى أي مدى انصهرت المتطلبات الجمالية المحلّية ضمن البحث الدلالي للفن بوصفه موقفا ابداعي؟ ماهي مقومات التلقي المشهدي للفنون المعاصرة الراهنة؟ كيف نسجت التجارب الفنية المعاصرة مقامات مشهدية في رحاب فضاءات العرض المحلية؟ هل نحن بصدد ملامسة فنون معاصرة في تونس ام تونسة الفن المعاصر؟ وكيف ذلك؟ كيف السبيل للمرور من الحداثة الى المعاصرة في التجربة الإبداعية التونسية واي رهانات ترسمها اليات البناء الجمالي المعاصر في الواقع الفني الراهن والمحلي؟.

تتعدد الاستفهامات اليوم في رحاب التطور والزخم المتراكم في اجندات الناتج المحلي للإبداعية الفنية بالعالم العربي عامة وبتونس خاصة، ولم تنفلت إشكالات التعبير التشكيلي من سطوة التحولات الجذرية في المجتمع التونسي بعد الثورة، الربيع العربي لسنة 2014.

ومن هذا الجانب تسطع التباينات المتعددة في نطاق البحث الاشكالي للفن باعتباره ترجمة إبداعية تنبع من رحم المواقف وارهاصاتها التفاعلية، ويضمن بدوره الفنان المعاصر بتونس سجلاّت بحث جدّ متنوعة من خلال أعباء الثورة ومخلفّاتها الثقافية والفكرية والاقتصادية والدلالية بصفة شاملة.

يقف المبدع المحلّي في رحاب البحث عن أسس المعالجة المتغيرة لمفهوم الثورة في حدّ ذاته، وادراكه لموقف خاص بها، فتعددت النتاجات التشكيلية وتغيرت أساليب القراءة والطرح والتناول المشهدي لهذه الفترة التاريخية النوعية في تاريخ المجتمع التونسي بالتحديد.

فهل يضمن الباحث الجمالي اليوم عن ضمانة مشهدية تترجم اساليب التحول الثوري للمجتمع ومتطلباته التعبيرية، ام ان الانفتاح على الاخر الغربي ومعاينة كل تطور في سياقات المسار الإبداعي الغربي المعاصر هو المحرك الرسمي لكل عملية فنية بتونس.

ان ازمة البحث عن الهوية البصرية والشخصية الفنية المحلية تتضخم بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة ليجمع الفنانون التونسيون على ادراكهم لفرصة النجاة بهمومهم التشكيلية ضمن اخراجات مشهدية متنوعة، وجدت محاضن متعددة في سياقات البناء المعاصر لثقافة العرض وفنون التلقي الجديد. ومن خلال نشاط الساحة الفنية بتونس مؤخرا، عرف واقع الفن التشكيلي بنسخته المعاصرة احياءا لملامح التضافر الاسلوبي وتخاصص المجالات ونسوق كمثال تجربة فنية طريفة في نوعها واندرجت تحت لائحة مشروع تبادلي بين تونس وفرنسا، مشروع" تحت الشمس"، فما هي الخاصيات التعبيرية لهذه التجربة وكيف تم تطويع مبدا التشاركية الفنية؟ ماهي اهم محطات هذا المشروع وماهي الفلسفة الجمالية المخزونة فيه؟ اية فضاءات حاملة لهذا المشروع واي دلالة تعبيرية تنسج بين فضاء العرض وقوانين التلقي من خلال نوعية المادة الفنية المعروضة؟ الي أي مدى تساهم التجارب التشاركية في تثمين الساحة التشكيلية التونسية وتزكيتها بجواز العبور نحو الفنون المعاصرة وكيف ذلك؟

في رحاب مفهوم التزاوج والتناسل والنسيج التفاعلي بين مختلف الطاقات الإبداعية في الفنون المرئية المعاصرة، تولّد مشروع "تحت الشمس" بين ثلةّ من الفنانين والباحثين التونسيين وعلى راسهم سعاد ماني بالشراكة مع مجموعة من الفنانين بفرنسا لضمان إشكالات متنوعة من مشروع البحث في خاصيات الطبيعة بمدينة قفصة، وهي احدى المحافظات الداخلية من الجمهورية التونسية.

'تحت الشمس' ثمار شراكة بين فرنسا وتونس

تسطع افاق هذا المشروع الممتد على ثلاث سنوات والذي يقيم على بناء اسسه العلمية والجمالية والتشكيلية ثلّة من طاقات البحث الشابة من تونس رغبة منهم في انماء الطابع الفني بهذه المنطقة وخاصة بمعتمدية الرديف.

يضمن المشروع التونسي الفرنسي تلاقي الخبرات الفنية بين كل من الفنانين المقيمين لفترات متفاوتة بقفصة او مدينة نانت الفرنسية، ليدعّم هذا البحث قراءة الطبيعة الخصبة لهذه المدينة وقراءة هذه المواقع والتعرف على تراثها المادي واللامادي الزاخر.

'التنمية' الفنية في المناطق الداخلية

واحتضن فضاء "بشيرة تريكي" المعرض الثالث لمشروع "تحت الشمس"، والذي أسهمت فيه البحوث التفاعلية والتعبيرية مع الطبيعة المفتوحة في فضاءات ذات طابع تاريخي وقوة اقتصادية وحراك اجتماعي متميز.

وأسهم البحث بالتالي في قراءة طبيعة المكان وإدراك الأوجه المختلفة له وتطعيم الفنون في المناطق الداخلية باسم العدالة والتنمية الفنية، واطنب الفنانون في إخراج المشروع الفني من خلال تلونات النتاجات المقدمة والمعروضة في فضاء بشيرة التريكي.

يسطع مركز العرض بأشعة الشمس المتسللة من نوافذه الكبيرة التي تتقاطع بدورها مع اغلب الاعمال المعروضة داخل الطابق العلوي من الفضاء، اين تناسجت مع مدرجه تنصيبة من الخشب الطبيعي، وزّعت فوقها المواد المقدّمة من بقايا اسلاك وقطع حديدية واغراض قديمة وصور فوتوغرافية.

لقد تم التلاعب البصري بين ماهو مقدم وممثل ليكون التناسج الزمني بين ماهو واقعي وصورة الغرض الواقعي، واعلائه زمنية العرض الراهن.

الذاكرة في صورة ثابتة ومتحركة

تطرح التجربة الفنية التونسية الفرنسية إشكالات الذاكرة المكانية المرتبطة بقفصة كنبع استلهام يتأسس وفق تماثلات الذاكرة البصرية ضمن مشاهد تتعالق وفق أسلوب البناء المتعدد والمفتوح على عدة اختصاصات.

وبين الصورة الثابتة والمتحركة، تتجدد نتاجات التفاعل المرئي لندركها كأسلوب تعبيري مختلف في عمل الباحثة والأكاديمية ايمان البحري.

لقد قدمت الفنانة عملها المنقسم الى ثلاثة أجزاء تم تعليقها وفق مستويات متفاوتة تسمح للمتفرج بالتواصل معها عن طريق التحاور المشهدي للفراغات التي تفصلها وتجمعها في نفس الوقت.

اهتمت الفنانة بدلالات الذاكرة البصرية والمشهدية للمنطقة المخضبة بجملة من الموروثات العقائدية والفكرية، لتحمل من منطقة القتار والقلعة بمدينة قفصة، ما بقي في ذهنها من بقايا تعويذات جمالية ترجمتها بعملية تقديم بعض من القماش والخيوط والحناء وعظام حيوانية متروكة ومعتّقة بروائح الذاكرة واللاواقعي المعيش والمتداول.

يرتقي عمل التنصيب الى مراتب البحث المشهدي عن نسيج ابداع للواقع المتداول واثبات هذه المعتقدات والتبرّك بجملة هذه الأغراض لتتحول تشكيليا الى شفرات مشهدية تقنية ترتقي الى الاستفهامات المربكة لضرورة الحامل البلوري ولطرق تعليقه وإدراك التسلسل البصري بين أجزاء العمل الثلاث واحيائها كلغة خطاب مشهدية معاصرة في الراهن المحلي ودلالاته التعبيرية.

الواقع المادي وابعاده الروحانية

يمتزج المعتقد الفكري والشعوري باليات التقديم المادي وتنسج الفنانة بين هذه الثنائيات معتقداتها المشهدية القابعة في نظم التعبير المعاصر، وتحويلها لرموز أقرب اليوم الى دلالات التفاعل الرقمي واشكالاته التواصلية والاتصالية.

فكما اعتمدت نساء المنطقة الجبلية كل طقوس التبرك والقرابين وغيرها من المتعارف عليه في نظم التواصل بين الواقع المادي وابعاده الروحانية، تقدم الباحثة بدورها هذه اللعبة المشهدية الغارقة في طلاسم الرموز واشكالاتها المولدّة لاستفهامات متجددة. فأي علاقة تجمع كل هذه المكوّنات الصغيرة واية دلالة لطرق العرض واستتباعاته في نظم التلقي المشهدي؟ انها جملة لا تنبض من مواقف البحث التفاعلي مع العمل المعروض ليتحول القارء من سجّل الواقع المقدّم والمعروض الي سجلات الواقع المشفّر وإدراك خيط بصري ناسج، بين ضفتي المتخيل والواقع.

يخضع مشروع التبادل الفني الفرنسي التونسي في نسخته "تحت الشمس" والذي يقام ضمن إقامة فنية بمدينة قفصة الى اعلاء ذاكرة المكان شان هام وفق قراءته وترجمته مشهديا عبر لغة الخطاب الأنسب لكل فنان.

وانشغلت التجربة الفرنسية في هذا المشروع بإتمام التحاور الاستفهامي المتولد بين الانسان وعلاقته بالطبيعة.

قدمت الفنانة الفرنسية اميلي لابوردات عملها التصويري الفوتغرافي تحت لائحة الأثر الخاص بالأثر، وتسعى في نتاجها التعبيري الى تقصي كل الاثار الخالدة من استعمالات الانسان وتأثيرها على البيئة المكانية وادراكها ضمن دلالة التعايش وتطويعه لصراع البقاء.

تعدد مستويات الصورة

احتلت الصور الفوتغرافية بأحجام متفاوتة وهامة ركنا من فضاء العرض لتتعدد مستويات الصورة وتختلف نوعيات تأطيرها وتجتمع على نفس الحامل الجدار.

كما لعبت الاحجام الضخمة للصورة الفوتغرافية مكانة مشهدية هامة جعلت من إشكالات التناسج بين الواقع وصورته واحضار الغائب وادراكه كحقيقة تصويرية تؤسس لملامح الخدعة البصرية واثبات لحالات الانجذاب الكلي للصورة والوقوف امامها طويلا لإدراك الجزيئات المستترة داخل عملية التراكب التصويري وأسلوب التضخيم لها

قراءات متجددة

عمل الفنانة الفرنسية اميلي لابوردات اين يخضع الطابع الخاص بالمنطقة المصورة من مدينة قفصة الى بحث دلالي وادراكه كحقل بيئي تاريخي مشبع بالتفاعلات الباقية من أثر الانسان في تلك الحقبة من المكان والزمان المنقضين، تعددت إشكالات المشروع الفني وارتقائه الى مستوى تعدد انشغالات الفنانين بطرق التعبير وتحويلة بين الصورة الثابتة والمتحركة والمخاطبة.

لقد انصهرت اليات التعبير الفني مع الفضاء الداخلي لقاعة العرض واحتملت كل الاعمال قراءات متجددة. ونعرض بعضا منها في هذا الحيز.

الفن المعاصر بتونس مراوحة بين الواقع والرهانات

"ان الفنون ليست ممارسة يدوية منفصلة عن الفكر ولا عن الموقف وليست مجالا معزولا عن مدارات المعرفة والايديولوجيا سواء الفردية او الجماعية في ازمنة الحداثة والمعاصرة، فالفنون التشكيلية ممارسات فردية تدخل حيز الجمعي بمحتوى التواصل مع الاخر، لتصوغ بعضا من الوجدان المشترك في حياة الافراد والمجتمعات ولتؤكد على المعنى بوصفه معطى استيطيقا ايتيقيا أخلاقيا خلاقا.

ويستهل فاتح بن عامر في نصه قضايا الفنون المعاصرة بالبلاد العربية، الفنون المعاصرة بتونس نموذجا والمنشور ضمن محاور ملتقى التشكيل العربي المعاصر أسئلة الابداع والتجريب، بان الفن ممارسة فكرية وأخلاقية وتفاعلية تقتضي جملة من المتحاورات بين الانا والأخر لضمان الإبداع في صفوف التشكيل المعاصر وصياغة خطاب جمالي متجدد. ويضيف فاتح بن عامر في هذا الصدد استفهامات حول مفهوم المعاصرة وامكانية تسمية المنجز الفني الراهن بتونس ضمن اجندة الفن المعاصر؟.

"تتطلب الاجابة عن هذا السؤال التفريق بينهما في حاضر الفنون التشكيلية التونسية فهل هذا الحاضر حديث؟ أي من منتجات الحداثة؟ ام هو معاصر؟ بمعنى يعكس العصر الذي نعيشه ويشترط به؟ ام هو معاصر بالمعنى والمفهوم الغربيين للكلمة؟

ثراء جمالي

تتمحور اليات البناء التعبيري والتشكيلي في التجربة التونسية الفرنسية في مشروع "تحت الشمس"، لتكتسب الاعمال رداء هاما من الثراء الجمالي المطعم بأبعاد الممارسة المفاهيمية المعاصرة.

وتحتل إشكالات السمعي البصري والعرض للفيديو وللصورة المتحركة وفق أنشطة مشهدية مستحدثة في نتاج الواقع التونسي المتعارف عليه.

لقد اهتمت فئة الفنانين الباحثين المعاصرين بتونس بكل اشكال المدّ التكنولوجي وارهاصاته التعبيرية، وتم بالتالي الانضمام لمتطلبات العولمة عبر تفعيل المادة التقنية التكنولوجية وتجانسها مع الواقع المتولد من لدن المكان وفضاءات الطبيعة والمجتمع.

تعرف الساحة الفنية الراهنة ثورة ناعمة في رحاب المدّ الهام من الفنون الغربية المتجددة والمتحولة والمتعددة، ليكون البحث عن طرق إبداعية التشكيل المرئي ومراوحته بين الشخصية الفنية التونسية وبين الاخر الغربي، فهل نحن امام فن تونسي معاصر ام تونسة للفنون المعاصرة وفق ما تتطلبه الذائقة المحلية؟ استفهامات شائكة لا نجد لها حلول، بل ان التغلغل في مسارات البحث فيها هو الدينامو الحركي لإعادة البناء وتطويعه أكثرفأكثر.

وحينما يشير محمد بن حمودة في أحد مقالاته بعنوان اللوحة المنفلتة وتحولات خبرة المكان كله، بان المثقف الغربي قد مل من الحداثة من كثرة ما جربها وعاشرها وعاش في ظلها على مدى القرنين الماضيين اما المثقف العربي فلا يزال تواقا لمعرفة ماهي ثم بالأخص لتجسيدها على ارض الواقع."

في ارض هذا الواقع المحلي ما يزال في مشروع "تحت الشمس" ما يمكّن الفنان التونسي ان يدركه من تفاعلات التعبير المتجدد والفتي في ارض الفنون المعاصرة بثورتها التونسية الشديدة النعومة المشهدية، ليستمر اعلاء مدارات الفنون موقعا جديرا بالاستفهام والمراودة البحثية المتواصلة.

 

القوات العراقية تتقدم في الصحراء لتأمين الحدود مع سوريا

لا استقرار في لبنان في ظل سلاح حزب الله

الحريري: اقامتي بالسعودية لإجراء مشاورات حول الوضع في لبنان

القاهرة تحقق مع متشدد ليبي يشتبه بتدبيره هجوم الواحات

لقاء الحريري بماكرون يعزز استقرار لبنان

الألغام والخلايا النائمة تعيق عودة النازحين للموصل القديمة

سليم الجبوري يحذر من عسكرة المجتمع العراقي

الانتصارات العسكرية لا تنهي خطر الدولة الإسلامية بالعراق

القوات العراقية تحرر آخر بلدة من قبضة الدولة الاسلامية

ثقة أممية باقتراب التسوية السياسية في ليبيا

قيادي كردي يدعو اربيل لإلغاء نتائج استفتاء الانفصال

برلمانيات عربيات يعبدن الطريق أمام اتفاقية لمناهضة العنف ضد المرأة

الرياض تطالب بنزع سلاح حزب الله من أجل استقرار لبنان

واشنطن وبرلين تدعوان بغداد وأربيل للحوار

لودريان يشعر في الرياض بخطورة الهيمنة الإيرانية على لبنان

ليبيون يبيعون حليهم ثمنا لصحتهم

السعودية ترفض ادعاءات عون حول احتجاز الحريري

الجيش المصري يعتقل 70 متشددا شمال سيناء

الدولة الإسلامية على وشك خسارة كامل أراضيها بسوريا والعراق

الحريري يقبل دعوة ماكرون لزيارة فرنسا


 
>>