First Published: 2017-11-19

الصراخ التلفزيوني تعبير عن عصر العبث الإعلامي

 

الصحف تمارس الصراخ أيضا بطريقة العناوين الصاخبة المليئة بالشتائم والتهكم ونعت الآخر بأشنع الصفات الوضيعة. اللغة المكتوبة أو المحكية تملك القدرة على الصراخ عندما يتحول نقل الأفكار والتحاور إلى عبث لغوي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

هناك قناة تلفزيونية تبث باللغة الإنكليزية وتهتم بالشأن الآسيوي الهندي والباكستاني وامتداداته…، تتحدث على شاشتها مجموعة من المحللين والضيوف طوال بث برامجها وكأنها تقدم برنامجا واحدا طوال اليوم سمته الوحيدة الصياح في عراك صوتي عن بعد، النكبة في هذا البرنامج أن جميع الضيوف لديهم الجرأة للتحدث في وقت واحد!

الشاشة تكشف لنا مجموعة مربعات أحيانا تصل إلى ستة، في كل مربع هناك شخص يتحدث من مكان ما ليرد على ما يقوله الشخص في المربع الآخر، ولأن المتحاورين موزعون في أكثر من بلد والمربعات كثيرة وفق قياس شاشة التلفزيون الصغيرة فإنه من الصعوبة بمكان معرفة من يدير هذا الحوار، المشاهد في حيرة من أمره من تلفزيون يشبه رقعة شطرنج وغير معروف من هو المستهدف في معركة الكلام، ليس مهما معرفة من هو المحاور ومن يكون الضيوف، لكن الحيرة تكمن في حوار لا أحد فيه يستمع للآخر، فالصورة تصل قبل الصوت وفق فيزيائية سرعة الضوء التي تفوق بكثير سرعة الصوت، والمشاهد يرى مربعات للوجوه المتحاورة ليسمع لاحقا كلاما متقاطعا، يتحدث الجميع في وقت واحد على شاشة واحدة مقسمة بالتساوي بينهم!

تلك ليست مشكلة القناة التلفزيونية الآسيوية التي أتحدث عنها وحدها، لكنها مشكلة الصراخ كطريقة جديدة للحوار، إلى حد أفقد كياسة الإصغاء. الكل يستطيع التكلم، لكن ليس الجميع قادرا على تعلم فن الإصغاء، على الأقل من أجل صناعة فكرة الرد. هكذا يفقد الحوار مواصفاته الأرسطية، ويصبح عبثا تلفزيونيا ليس إلا.

المحللون والسياسيون والمحاورون يستخدمون الصراخ طريقة لإيصال أفكارهم. رجال الدين يصرخون في المساجد بصوت أعلى عندما يرون العدسات التلفزيونية قريبة من منابرهم، قادة الأحزاب امتهنوا الصراخ من الزمن الثوري البائد، واليوم صار الصراخ في وجه المشاهدين وظيفة مقدمي البرامج ورغبة متصاعدة للمحاورين التلفزيونيين تستثمرها المحطات لجلب المزيد من المشاهدين.

الصحف تمارس الصراخ أيضا بطريقة العناوين الصاخبة المليئة بالشتائم والتهكم ونعت الآخر بأشنع الصفات الوضيعة. اللغة المكتوبة أو المحكية تملك القدرة على الصراخ عندما يتحول نقل الأفكار والتحاور إلى عبث لغوي.

الإنسان الطبيعي لا يصرخ إلا عندما يفقد رباطة جأشه، فلماذا يراد منا كمشاهدين القبول بالصراخ كوسيلة لاستيعاب الأفكار.

هذا يفسر لنا لماذا تتزايد نسبة المنقطعين عن مشاهدة التلفزيون التقليدي وتفضيل فكرة الاشتراك بشبكات تضع الخيارات أمام المشاهد لينتقي ما يشاء، لهذا يتصاعد نجاح شبكة نيتفليكس، لأن الخيار عند المشاهد وحده، الشاشة لا تفرض عليك ما تشاهده ليس لأنها تعكر مزاجك على الأغلب، بل لأنك ستمارس حرية بصرية في الاختيار تصل أحيانا إلى صناعة الذائقة البصرية التي يتحدث عنها الناقد الفني هربرت ريد.

شركة تحليل صناعة الإعلام “موفيت ناثانسون” كتبت في مذكرة بحث حديث “خلال الخمسة عشر عاما الماضية، توقع النقاد أن قطع الاشتراكات عن التلفزيون التقليدي هو المستقبل. حسناً، المستقبل قد وصل”. التعليق الأخير لمحرر صحيفة فايننشيال تايمز.

والتحوّل من التلفزيون التقليدي أكبر بكثير في أوروبا، حيث أبلغت شركة نيتفليكس عن نمو قوي بشكل خاص في الربع الماضي، التحول يشمل أيضا منطقتنا العربية.

ويرى محللون اقتصاديون وإعلاميون “بدلاً من توجّه معدلات انتشار التلفزيون المدفوع إلى مستويات الولايات المتحدة، فإن أوروبا وبطرق عديدة تنتقل من شبكات البث مباشرة إلى البث عبر الإنترنت نحو التلفزيون”.

وقال كوري باريت المحلل لوسائل الإعلام في شركة الأبحاث (إم ساينس) “نيتفليكس ساهمت في فصل التلفزيون التقليدي، لأنها تقود استهلاك الفيديو خارج صندوق التلفزيون المدفوع وتجذب المشاهدة خارج التلفزيون التقليدي”.

مع ذلك، هناك تقرير صدر مؤخراً من شركة “إم ساينس” نفسها يُشير إلى أن شركة نيتفليكس قد لا تكون الدافع الأكبر وراء ابتعاد المزيد من الناس عن التلفزيون التقليدي.

أرى أن الجدية تهيمن على حياة من يتخلى عن مشاهدة التلفزيون، أو على الأقل ينتقي ما يشاهده بحذر مسبق، والطريقة الفضلى لذلك هي قائمة الأفلام والبرامج التي تقترحها شبكة تلفزيون الاشتراك وليست المفاجآت التي تقدمها التلفزيونات التقليدية.

المزاعم التي تثقل بها المحطات التلفزيونية مسامعنا بأنها غير مستعدة للمشاركة في الصخب والبرامج الواطئة وتفاهات السياسة الحديثة ليست صحيحة بالكامل. فمازال النقاش عالقا بشأن مستقبل التلفزيون لأنه جزء من حياتنا لا يمكن أن يغادرها حتى بوجود البدائل الأفضل والأخف المتنقلة معنا.

يرى الكاتب مارك بويل المهتم بالبيئة والتواصل الطبيعي بين البشر أننا بحاجة إلى أفكار مدروسة وأكثر هدوءا وصحافة أقل إثارة وضررا، وتجاهل أخبار المشاهير التي تشتت الذهن وتزيد الإحساس بالتشكيك في شخصية الآخرين.

ويقول هذا النباتي السعيد بعزلته الطبيعية “نحن بحاجة إلى عدد أقل من الناس يصرخون على بعضهم البعض، والمزيد من الناس الذين يستمعون إلى بعضهم البعض”.

لذلك من الحكمة أن يبدأ المحاورون التلفزيونيون ومقدمو البرامج باستعادة لغتهم وقاموسهم الخاص، لأن هذا يعني استعادة أفكارهم المتطايرة في خضم الصراخ، وبالتالي العودة إلى كياستهم واستعادة مهنيتهم المفقودة دون أن يبالي بها واحد منهم.

لكن لا توجد حكمة في الطلب من السياسيين الجدد التوقف عن الصراخ، لأنهم وجِدوا في عصر الصياح، عصر صناعة العبث الإعلامي، عصر الأكاذيب بامتياز وقلب الحقائق، واخترعوا لهم تلفزيونات يمكن لها أن تعرف كل شيء إلا التوقف عن الصراخ.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

الصراخ الإعلامي نهيق في منتجع للحمير لكي يجعلها تشعر بالهزيمة. حبيبي : انا مهزوم وأريد أن يكون محاوري مهزوم، ومحاور محاوري مهزوم لكي نشعر زبوننا المهزوم انه منتصر . المشكلة ان الصوت داخل الفراغ صدى لأصوات لا يعرفها الفراغ. حلو والله حلو

2017-11-19

الاسم هارب من اشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

الإمام يريد الأذان ولا يريد القلوب ، لهذا يصرخ. إدارة التلفزيون تريد التنوع والزخم في الأصوات فتعرض بضاعة أكثر في صناديق أضيق. استبدال حنجرة المؤذن بمكبرات الصوت للحصول على زبائن أكثر ، إعلان وفاة بمكبر الصوت زبائن أكثر للمقبرة

2017-11-19

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
عبث إخباري
2017-12-10
زهايمر متعمد
2017-12-05
مليون دولار من أجل حرية الصحافة
2017-12-03
رجال دين ببدلة الأفندية
2017-11-28
الإعلام القديم يترقب ما بعد الرقمية
2017-11-26
الإنسان صار بجودة أقل
2017-11-21
الصراخ التلفزيوني تعبير عن عصر العبث الإعلامي
2017-11-19
عرض مسجد للبيع
2017-11-14
الكاتب الكبير عند وكالة رويترز
2017-11-12
تمارض هنا، ومريض ويعمل هناك
2017-11-07
المزيد

 
>>