First Published: 2017-11-19

لبنان: سقوط التماهي بين الدولة والدويلة

 

يلّخص انتقال الحريري إلى باريس قبل عودته إلى لبنان المسألة اللبنانية من نزاع حصري بين طهران والرياض.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

ارتاح أصحاب التسوية الرئاسية في لبنان إلى نظرية مفادها أن سلاح حزب الله ليس مشكلة لبنانية وأن معالجته إقليمية دولية. على ذلك استقال اللبنانيون من هذا العبء وذهب مسوّقو التسوية إلى التبرؤ من أي تنازل عن شعارات السيادة والاستقلال، فأضحى فائض السلاح من ثوابت المشهد اللبناني فيما المطالبة بنزع ذلك السلاح لمصلحة الدولة وجيشها فقط باتت تمرينا نافراً منفّراً يمثّل نشازا على العزف الرائج.

لم تكن تلك التسوية تشبه الحريرية السياسية على الأقل بالنسخة التي صدرت عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري. لكن الحريري الإبن الذي عايش اغتيال والده واغتيال أصحابه وحلفائه وذاق وجع النوم في قصر بشار الأسد وألم "التضحية من أجل مصلحة لبنان" والنفي الذاتي والسياسي. ذهب بعيدا في توسّل صفقة تنهي الفراغ الرئاسي وتضخّ في المؤسسات اللبنانية حدا أدنى من اللبننة بانتظار جلاء غبار ما يدبر في كامل المنطقة.

دار جدل كثير داخل تيار المستقبل وتحالف 14 آذار لابتلاع ترشيح الحريري للزعيم الشمالي سليمان فرنجية، الصديق الشخصي لبشار الأسد، أولاً، وميشال عون، الحليف المطلق لحزب الله، لاحقاً. بالنهاية انتصر سعد الحريري على الحلفاء متأملا أن ينتصر على الخصوم. بيد أن تلك التسوية حملت في ثناياها ما يدمرها ويطوّر ورما خبيثا سيقضي عاجلا أم آجلا على وجودها.

ربما أدرك الحريري سريعاً أنه مهما اجتهد فهو ليس شريكاً لحزب الله بل يعمل داخل "دولة حزب الله". وربما ارتضى الرجل أن يتعايش داخل تلك الحقيقة معوّلا على ظهور حقائق أفضل. وفيما يعمل حزب الله وفق وقائع ملموسة تؤكد هيمنته على الشارد والوارد في البلد، عوّل أصحاب الصفقة على أوهام لا تستقيم في علم السياسة، وبات فاضحاً أن تتساكن الحكومة مع واقع أن حزب الله يتعامل مع لبنان بصفته تفصيلا داخل الخرائط الإيرانية في كل المنطقة، وأن الميدان اللبناني لا يختلف بالنسبة للحزب عن بقية الميادين التي تنشط داخلها طهران بأذرعها المتعددة من فيلق القدس إلى حزب الله مرورا بالميليشيات المستوردة من افغانستان والعراق وربوع أخرى.

تمكن سعد الحريري من تمرير مخلوق التسوية العجيب في لحظة سماح سعودية. كانت الرياض تنتقل من حكم إلى حكم وتتلمس في تلك الفترة مسالك الحكم الجديد وقواعده، فلم تر ضيرا من مواكبة الحريري لعل في خطته ما يخرج لبنان من معسكر معاد، وربما استعادته داخل معسكر صديق. وكانت الرياض تعيش مخاض الانتقال من سعودية إلى أخرى، والأرجح أن تلك "السعودية الجديدة داخل السعودية"، وفق تعبير الحريري في مقابلته التلفزيونية الأخيرة، هي التي ثارت على "إثم" ارتكب ووجب التطهّر من خطاياه.

لم يعد بالامكان القبول بأن يبقى سلاح حزب الله خارج المحاسبة اللبنانية والاستكانة إلى واقعه الإقليمي. ولم يعد جائزا استسلام الطبقة السياسية اللبنانية إلى هذا الواقع بصفته قدرا وجب التعايش معه. قد لا يمتلك المعارضون لفائض السلاح امكانات تدجين ذلك السلاح، لكن ذلك لا يعني السكوت عنه والعيش وفق أمره الواقع. بمعنى آخر، لا تستطيع الرياض ان تدعي مواجهة النفوذ الإيراني في كل المنطقة فيما حلفاؤها في لبنان شركاء كاملين للذراع الإيرانية في لبنان.

حين كان السلاح الفلسطيني منتشراً في لبنان منذ نهاية الستينيات، كان الأمر يشكل معضلة أمام الدولة اللبنانية. سعت الحكومة لتنظيم الأمر من خلال "اتفاق القاهرة". لكن الكيان اللبناني المعقّد لم يحتمل هذا الفائض على توازنه فدخلت البلاد في الحرب الأهلية اللبنانية. ولئن أشرفت القوات المتعددة الجنسيات على خروج السلاح الفلسطيني بعد حرب إسرائيلية ضروس، فإن اللبنانيين لا يريدون عودة أي حرب إلى بلادهم للتخلص من سلاح يخطف دولتهم ويدجن حكومتهم.

تبدلت قواعد اللعبة في المنطقة. تعتبر السعودية، وصونا لأمنها وأمن منطقة الخليج، أن المواجهة ضد إيران وامتداداتها باتت ضرورة استراتيجية. تبدلت قواعد اللعبة ولم يعد جائزا وفق ذلك القبول بالحالة التي يمثلها حزب الله في لبنان كما في سوريا كما في اليمن. ولئن تعتبر طهران لبنان واحدا من ساحاتها فلن تسمح الرياض بأن يكون حليفها سعد الحريري شاهد زور على واقع لم يقبله تيار المستقبل قبل ذلك، وأمعن في رفضه حتى حين احتل حزب الله العاصمة ومناطق أخرى في غزوة 7 أيار الشهيرة.

حزب الله حزبٌ لبناني الهوية حتى لو أعلن أمينه العام الولاء الكامل للولي الفقيه في إيران. وعليه فإن بيروت تتحمل مسؤولية الأذى الذي يوقعه الحزب بدول يفترض أنها شقيقة للبنان ولم يظهر منها تاريخيا إلا الودّ والدعم والصداقة والإخاء لهذا البلد. الحزب متورط في أعمال عدائية ضد الكويت والبحرين والسعودية واليمن، وعلى لبنان اتخاذ الموقف الذي يتّسق مع منطق كونه بلد له التزاماته داخل جامعة الدول العربية والمجتمع الدولي وليس راعيا لميليشيا تعمل وفق منطق الميليشيا.

يدرك حزب الله جيدا حجم الضرر الذي أحدثته استقالة سعد الحريري على "دولة حزب الله". كانت لافتة استدارة الحزب باتجاه ودّ مفرط تجاه الرجل المستقيل وصولا إلى نشر صوره بكثافة على طريق مطار بيروت الذي لطالما ارتفعت على ضفافه صور نصرالله وقادة الحكم في إيران. ولتلك الاستدارة ما يشي أن الحزب يعرف جيداً ما لا يعرفه الآخرون.

لا يمكن تصور أن حزب الله سيستجيب للشروط التي ذكرها الحريري للعودة عن استقالته. ومن الصعب تخيّل أن طهران وهي في قمة حملتها ضد الرياض جاهزة للإيحاء بمرونة ما في لبنان. وما عودة الحريري إلى لبنان إلا لفتح مأزق داخلي عنوانه سقوط التسوية الرئاسية المتأسسة على "إقليمية" سلاح حزب الله. سيأخذ رئيس الجمهورية علماً بالقواعد الجديدة، وهي قواعد تبلغها صهره وزير الخارجية جبران باسيل من كافة العواصم التي زارها. عودة الحريري مهمتها اسقاط "دولة حزب الله"، من خلال الإجهار أن التماهي بين الدولة والدويلة لم يعد ساريا.

يلّخص انتقال الحريري إلى باريس قبل عودته إلى لبنان المسألة اللبنانية من نزاع حصري بين طهران والرياض. بات للأزمة بعدٌ دولي تمثله فرنسا، وبات لرئيسها إيمانويل ماكرون شخصيا رهانات في الاستثمار مجددا بشخص الحريري من أجل طموحات باريسية تتجاوز حدود لبنان. أعادت السعودية وفرنسا وما يمثلانه من نفوذ في العالم منح الحريري غطاء يحصّنه من مطبّات الزواريب اللبنانية. بدا أن باريس دوّلت حضور الحريري رداً على من أراد في بيروت تدويل غيابه.

ساعات فصلت بين اجتماع الحريري مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الرياض والرئيس الفرنسي في باريس. يدرك رئيس الحكومة المستقيل أن تحوّلا صادماً بات مطلوبا داخل لبنان الدولة من أجل تموضع تحوٌلات إقليمية ودولية قادمة بشأن إيران وحزبها في لبنان.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

الخيول اللتي تصل إلى أرض المعركة بعد انتهاء المعركة هي استسلام للخيالة بطريقه أن الأدوات تصلكم لكي تقتنعوا بأن الخيالة متواجدون خارج أرض المعركة لكي لا يعترفوا بالخسارة. ( الجسارة في خسارة الأوطان ::!! تقاسمها بين المواطنيين.).

2017-11-19

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
إيران تقاتل في اليمن دفاعا عن قواعدها في سوريا
2017-12-08
حين استيقظت طهران صباح سقوط صنعاء
2017-12-03
بوتين الذي يحب سوريا ويكره الأسد
2017-12-01
التراجيدية السورية: نصوص الكبار
2017-11-24
لبنان: سقوط التماهي بين الدولة والدويلة
2017-11-19
عون لحزب الله: حرب قادمة 'ستدمرنا'!
2017-11-17
لماذا 'هدوء' نصرالله؟
2017-11-10
السعودية: الجراحات الصادمة!
2017-11-06
السعودية: الخروج من 'الاستثناء'!
2017-11-03
عن تفجير مقر المارينز في لبنان وظهور السبهان في الرقة
2017-10-27
المزيد

 
>>