First Published: 2017-11-22

الصلاة مناسبة للعبادة وليست تظاهرة سياسية

 

ألا يمكن للمسلمين أن يمارسوا طقوسهم الدينية مثلما يفعل المسيحيون واليهود والسيخ والبوذيون؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

رأيت عددا من الأشخاص الملتحين بأزياء أفغانية يصلون جماعة في زاوية الخطابة بـ"هايد بارك" بلندن. لم يكن الوقت وقت صلاة. كان أولئك الأشخاص يؤدون دورا استعراضيا للإعلان عن هويتهم الدينية.

قريبا منهم كان هناك رجل ملتح يشبهم باللباس يصرخ وهو يدعو المارة إلى التراجع عن ضلالاتهم والتسليم بأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يقبله الله وهو الذي سينقذهم من النار.

في مناسبات سابقة رأيت هنودا وبنغاليين وافغان وباكستانيين وهم يصلون في الشوارع والساحات في مناطق هي جزء من العاصمة البريطانية. المسلمون وحدهم يصلون في الشارع. لم أر مسيحيا أو بوذيا أو هندوسيا أو سيخيا أو يهوديا يفعل ذلك.

ولمَن لا يعرفها فإن لندن هي مدينة الأديان كلها. إن صلى المؤمنون بتلك الأديان كلهم في الشوارع مثلما يفعل المسلمون فستتعطل الحياة في واحدة من أهم وأكبر مدن العالم.

عمدة لندن مسلم ولكنه لم يصل إلى منصبه عن طريق أصوات المسلمين الذين يصرون على عزل أنفسهم عن الحياة العامة من خلال ممارساتهم العلنية التي هي أشبه بتظاهرات احتجاج تهدف إلى الإعلان عن اختلافهم وهو اختلاف لا ينطوي علي أي رغبة في الحوار. فالشعار الذي تضمره تلك التظاهرات هو "اسلم تسلم".

الصلاة التي هي في جوهرها فعل دعاء وتطهر وخلاص وصفاء روحي صارت اليوم كما يمارسها بعض المسلمين في الغرب وسيلة للترهيب ولنشر الرعب. فمن السذاجة الافتراض أن المارة يفهمون ما معنى تلك الكتلة البشرية التي تعترض طريقهم وتؤدي في الشارع حركات متشابهة في ظل الخوف المتنامي من العمليات الإرهابية التي لوثت اسم الجلالة بجرائمها.

لأكن أكثر صراحة. المسألة تتجاوز أداء الصلاة جماعة. هدفها السياسي لا يمكن اخفاؤه أو التستر عليه. منظمو تلك التظاهرات يدركون جيدا أن تحدي المجتمع المدني الذي سبق له وأن رعاهم باعتبارهم لاجئين وضمهم إليه باعتبارهم مواطنين هو بطريقة أو بأخرى تحد لخمسمئة سنة من التنوير والكفاح الحضاري من أجل بناء الحياة التي صاروا يقطفون ثمارها بيسر ومن غير تعب.

ألا يمكن للمسلمين أن يمارسوا طقوسهم الدينية مثلما يفعل المسيحيون واليهود والسيخ والبوذيون؟

لقد تمكنت عقدة الإسلامفوبيا من قادة الرأي بين صفوف مسلمي الغرب ونجحوا في تمرير تلك العقدة إلى أتباعهم. هناك حرب معلنة من طرف واحد، هو الطرف الذي يُفترض أنه الضحية.

في كليشي وهي ضاحية تقع شمال باريس يصلي المسلمون في الشارع بالرغم من أن هناك قانونا فرنسيا يحظر القيام بممارسة الطقوس الدينية جماعيا في الأماكن العامة.

مبدأ حرية ممارسة الطقوس الدينية لا يمكن أن يكون حجة لخرق القانون الذي لا يطبق على المواطنين المسلمين وحدهم بل على الجميع. لذلك فإن إصرار البعض على جر العامة إلى موقع الصدام مع القانون من خلال إقامة صلاة جماعية في الشارع انما يهدف إلى دفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات مشددة من شأنها أن تضع المسلمين في موقع شبهات.

هناك مكيدة يدبرها متطرفون، الهدف منها حرمان المسلمين من شروط المواطنة الحقة التي تجعلهم يقفون أمام القانون مثلهم مثل المواطنين الآخرين. عن طريق تلك المكيدة يعزل المسلمون أنفسهم بأنفسهم من غير أن تمارس السلطات أفعالا توحي بالتمييز الديني.

وإذا ما كان اليمين الأوروبي المتطرف وهو عبارة عن شلل عصبوية متناثرة يرفع شعار الاسلامفوبيا فإن المتطرفين من قادة تلك التظاهرات الدينية الخارجة على القانون يسلمون ذلك اليمين أسبابا يقوي من خلالها حجته في الدفاع عن أوروبا العلمانية.

من أجل إشاعة روح الكراهية يستغل المتطرفون سوء الفهم الذي تقع فيه عامة الناس حين تضع الحرية الدينية في مقابل القانون المدني، كما لو أن ذلك القانون قد كُتب من أجل التضييق على المسلمين في ممارسة طقوسهم الدينية.

ما لا تدركه العامة في خضم حماستها الدينية أن تحويل الصلاة وهي مناسبة يتوجه المخلوق من خلالها إلى خالقه إلى تظاهرة سياسية عبثية فيه الكثير من الإساءة إلى روح العبادة إضافة إلى ما يشكله من خطر على تصريف مسلمي أوروبا باعتبارهم مواطنين لشؤون حياتهم كما يفعل سواهم.

المسلم في أوروبا هو مواطن أوروبي أولا، له ما للمواطنين الآخرين وعليه ما عليهم. هذا ما يجب أن يكون مفهوما.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
المالكي مبحرا بسفينة نوح
2018-04-23
حين تخذل المرجعية الدينية أتباعها
2018-04-22
هناك مَن لا يرغب في خلاص سوريا
2018-04-21
مجاهدون ومقاومون على طاولة واحدة
2018-04-19
ما لم تكن إيران تتوقعه من السعودية
2018-04-18
اختراع إيران
2018-04-17
من أجل حرب لن تنتهي في سوريا
2018-04-16
لا أحد يسمع النداء في بلاد الجثث
2018-04-15
المعارضة السورية في أسوأ أحوالها
2018-04-14
لغز البغدادي الخفي
2018-04-12
المزيد

 
>>